هذا العنوان هو اللازمة التي ردّدها الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو يُلقي خطابه أمام أمم الدنيا. إنها اللازمة التي وَقَفْتُ عندها مبهورًا وكأنني استمع إلى نشيد أنشاد جديد على أنغامه تقوم دولة فلسطين.
ما أروعَها من لازمة تكرّرت إطلالتها في خطاب صفاء ووفاء يختصران واقع وطموحات أبناء فلسطين.
لقد صفّق العالم لخطاب الصدق والشموخ.. لقد انتصب مندوبو العالم إجلالا لشجاعة الصفدي الآتي من رام الله. لقد قالها وبصوت عالٍ إنه أتى إلى الأمم المتحدة لا لينزع شرعية دولة إسرائيل وإنما ليطلب شرعية لدولةٍ تكون جارة مُسالمة لدولة إسرائيل.
إنه لَعمري خطاب بنّاء يسكب مرارة وعذاب فلسطين الجريحة في آذان العالم، وفي نفس الوقت نقرأ فيه تحليقًا حضاريًا يسعى إلى وأد الجراح ولعلعة السلاح من حياة اليهود والعرب على حدٍّ سواء.
لحزننا وأسفنا لم يثلج خطاب الصدق هذا قلوب اليمين الإسرائيلي.. فخطاب عباس البنّاء قابله نتنياهو بمشروع بناء هدّام قوامه استيطان وإمعان في الاستغلال والاحتلال.
لو قبل العربُ مشروع التقسيم لكانت دولة إسرائيل ممتدة على نصف مساحة ما هي عليه اليوم. لا أريد في سياق هذا الحديث أن أخوِّن هذا وذاك، أو أُلقي اللوم على احد. لقد قامت دولة إسرائيل على شطرَي التقسيم ليعترف بها العالم.. دولة شرعية يرفرف عَلَمها على سفاراتها في أرجاء العالم.. واليوم وقبل هذا اليوم يُعلن الفلسطينيون اعترافهم بدولة إسرائيل ولكنهم يريدون دولة إلى جانبها على أراض امتلكها العرب قبل حرب الأيام الستة؟!
لقد مضى عهدُ العنتريات وعهد الاحمدَين: أحمد الشقيري وأحمد سعيد، فتوقف العرب عند تلويح سيوفهم والحديث عن قذف اليهود لتأكلهم أمواج البحار!
لقد ظَلَمَ اليمين المتطرف المستوطن عقول قادة إسرائيل.. لقد ظلم هذا اليمين أهل فلسطين وحرمهم أبناءهم شهداء وأسرى، وبرغم هذا الحرمان يُمعن اليمين في قسوته مطالبًا منع الفلسطينيين من الشكوى والتظلم في أروقة الأمم!!
ألم يحن الوقت أن يقول العالم لإسرائيل: "كفى!" "كفى!".. دعوا أطفالكم طلقاء خارج الملاجئ فهناك في الجانب الآخر أطفال فلسطينيون محبون يريدون أن يكونوا أصدقاء لكم في عالم يخلو من الصاروخ والبندقية والمدفع.
الناس الذين امتُهنت إنسانيتهم حيث يعيشون الحصار والقتل والتدمير والتضييق والتجريح والاجتياح برًّا وجوًّا.. هؤلاء الناس يفاجئون العالم بخطابهم الحضاري مؤكدين اعترافهم بشرعية دولة إسرائيل.. ماذا تنتظرون أكثر من هذا؟
إنَّ غُصن الزيتون الذي حمله الراحل الكبير ياسر عرفات يعود اليوم ليطلّ من فم وكلام محمود عبّاس.. فيا أيها الإسرائيليون خذوا الغصن وحوّلوه إلى شجرة يتفيأ في ظلّها أبناء إبراهيم. لنرمِ الجراح من حياتنا.. فكلنا يستحق الحياة.