عَــصرُ اللعنـات الافتراضيَّــة

single

احتفل العالم هذا العام، بمناسبة مرور عشر سنوات على إطلاق أوّل جهاز خليوي لمسي ذكي، وهو الآيفون، التابع لشركة أبِل الأمريكيّة، والذي صُنِّف تحت فئة "السمارت فون"، ومنذ ذلك الحين بدأ العصر الافتراضي يُحكِم سيطرته على البَشرية، حتّى بات يتحكّم بكل مجالات الحياة الخاصة أو العامة، من خلال التطبيقات ذات المضامين المتنوّعة، رغم كل التّسهيلات التي قدّمَتْها. سَمّيتها الخانات الشخصيّة، لأنّنا جعلناها تتدخّل بأدَق خصوصياتنا، نخاف على هذا الحاوي الذّكي الذي حمّلناه هذه الحُمولة الشخصية، التي تحتوي على صورٍ وفيديوهات، من السّرقة بغمضة عين.
نركض بفرحٍ وراء التطوّرات الخليويّة الترفيهيّة المتنقّلة، ننتظر بشوق خروج هاتف ذكي جديد من رحِم أمٍّ تكنولوجيّة، همّها الوحيد رعاية مدخولها المادي المهول. نعمل المستحيل من أجل الحصول على تغطية خليوية أفضل، من أجل أن نتمتّع بحياةٍ رقميّة أفضل، تمنحنا إيّاها تقنيّة الجيل الرّابع، التي تَعَلّق بها الكبار والصغار، لئلا يفوتهم أي خبر عاجل من أي تطبيق إخباري أو تراسلي.
عصر التوتّر الاستشعاري يمُر عبر قنوات الهواتف الذكية، تزوّدنا على مدار السّاعة، بأي خبر هام أو غير هام، حتّى لو أرّقتنا طوال النهار... أو شدّت أعصابنا... أو أخافتنا من خلال إشعاراتها الإخبارية، المهم أن نتظاهر أمام الخَلق، أنّنا مشغولون افتراضيًّا "بقراءة الأخبار العاجلة"! يعني أصبحنا كالشعب الإسرائيلي، لدينا شراهة لا توصف لاستهلاك أي وجبة إعلامية إخباريّة سياسية أو اجتماعيّة، المهم أن تكون موجودة على لائحة الأخبار السّاخنة... والتي يقدّمها لنا النّادل الخليوي اللعين!! الذي يخدم روّاده في مقهاه الذّكي، وهذا جزء أساسي من اللعنات العصرية!!
تُعتَبر إسرائيل الدّولة الأكثر استخدامًا للهواتف الذكية عالميًا، التي أدخَلَتنا في عصر الجلوس والمعاناة من آلامٍ في الرّقبة لكثرة النّظر فيها، والأكثر من ذلك، بتنا نشعُر ببرودة خليويّة جليدية، فقدنا القدرة على الإحساس بالشخص الآخر الذي معنا داخل المنزل، أو الذي يزورنا، كما شلّت حرّكتنا الضروريّة داخل البيوت... الجيل الصاعد أُصيب بخمول شديد، يتجنّب جلب حاجاته بنفسه، لذا ارتطمت عقلية الأهالي مع أبنائهم المتمرّدين سلوكيًّا، لدرجة أنّهم  لا يكترثون لنصائحهم، كل هذه التطوّرات التقنيّة سبّبت توتّرًا أسريًّا، جرّاء هذه اللعنة العالميّة التي لا خلاص منها.
اللعنة الافتراضيّة الأكبر، والتي لا يمكن القضاء عليها، ولا بأي شكلٍ من الأشكال، جلبتها علينا الهواتف الذّكيّة، هي المواقع الإباحيّة المتنقلة، فمعظم أبناء جيل اليوم يحملون مثل هذه الهواتف، (الفتيات تحديدًا يحملنه بجيوبهن الخلفية!!) فيستطيعون استخدام تطبيق البحث المدمّج داخل هواتفهم، للوصول إلى هذه المواقع المشبوهة، ليشاهدوا الصّور أو مقاطع الفيديو الإباحية.
هناك أشخاص مرضى نفسيًّا يستغلّون سذاجة بعض الفتيات، من خلال إرسال رسائل فيها إيحاءات جنسية عبر تطبيق التراسل الموجود على موقع الفيسبوك، لإغوائهنّ!!... ممّا يعزّز لعنة أكبر، وهي آفة التحرّش الجنسي الكلامي، وإلى الآن الشّرطة بكل ما تملك من وسائل ردع تقنيّة حديثة، لم تستطِع القبض على هؤلاء الجُناة الذين يتلاعبون كما يحلو لهُم في حيّز الإنترنت المفتوح وغير الوقائي... فشلت في حماية الأطفال من اعتداءات المنحرفين أخلاقيًّا عليهم، وأصبحوا أكثر عرضةً لأي لعنة إلكترونيَّة تأتيهم عبر الشّبكة العنكبوتيّة المختَرَقَة.     
اللعنة الأشد وقعًا على نفسية النّاس، وتتكرّر كثيرًا، هو الخوف من نسيان الهاتف في مكان ما، وما يُسمّى علميًّا، Nomophobia، أي No mobile phone phobia  الخوف من فقدان الهاتف، هنا ترتفع حالة التأهّب لدرجة غير مسبوقة، فيشعر هذا الشخص أنه في حالة طوارئ شخصيّة أينما وُجِد، فيتوتّر رغمًا عنه. صار الهاتف الذّكي عبئًا نفسيًّا على النّاس، فكلّما قصدوا مكانًا مزدحمًا، تتصاعد أكثر حدّة ترقّبهم، فيقومون بتحسّس هاتفهم الملعون في كل لحظة لا شُعوريًّا، ليطمئنّوا أنه في دائرة حِرصهم، هكذا أصبح هذا العصر الافتراضي لعنة مستديمة... لا تستطيع أي بصّارة رقمية عبقريّة، أن تعمل حجابًا، لتحلّنا من تعسفاتها التكنولوجيَّة، فشوّشت طريقة تفكيرنا... زعزعت أسوار أماننا الشخصي، لأنها لعنة ذكية وأزليّة!!
بعض الأشخاص الذين أجّروا أسطح بيوتهم، لشركات الهواتف، كي ينصبوا عليها الهوائيّات الخليوية، مقابل أجرٍ مُغرٍ... يجهلون أنهم قد أطلقوا على حياتهم وحياة أفراد عائلاتهم رصاص الموت، من خلال مسدس سرطاني كاتم للصوت، لا أحد يسمعه أو يشعُر به إلا القدر المحتوم، أسمّيه، انتحارًا بطيئًا، كأن أصحاب هذه البيوت، عُملاء لتلك الشّركات، حتّى باتت هذه الهوائيّات تُشكّل لعنةً أثيريّةً ومصدرًا للأمراض السّرطانيّة.
نحن نعيش حياتنا على برميل متفجّرات اجتماعي كبير قابل للانفجار في أي لحظة، سيشتعل فتيله بسرعة، نتيجة الأحداث اليوميّة المؤلمة المنتشرة حولنا. الهواتف الذّكيّة ترافق النّاس في كل مكان، بالأخص العائلات التي تخرج لرحلات الاستجمام، فلا يرتاح بالها، إذا لم تكن على تواصل دائم مع أخبار بلدها وأبنائها. هذه الهواتف بلورت حياة البشر، اندمجت تلقائيًّا في نهجهم الفكري، ليظلّوا تحت تأثير هذه اللعنات، ويصعب عليهم التّخلي عنها، بعد أن أدمنوا افتراضيًّا عليها، فإلى أين ستوصلهم أكثر من ذلك هذه اللعنات الافتراضيّة؟!!...
قد يهمّكم أيضا..
featured

مسمار آخر في نعش دولة الرّفاه

featured

لتخمد نار الحرائق ونار التحريض!

featured

عدوّنا الحقيقي

featured

سوف نستمر نغني: لو هبطت سابع سما عن ارضنا ما نرحلي، شاءت السلطة الظالمة ام ابت

featured

رد الجماهير جاء في خبيزة

featured

من المسؤول عن مستوى التحصيل العلمي للطالب؟

featured

"مـُلهِم"سوائب اليمين المتطرف!