ما كان أعمق رؤية هاني الحسن حين حذّر من مخاطر التعويل على أوسلو
رحل هاني الحسن عن دنيانا. قاوم متعدد النشاط المرض الذي قلّص حركته في السنوات الأخيرة إلى أن أعيته المقاومة. أحزن رحيل هاني جميع من عرفوه. فقدَ هؤلاء الناشطَ المثابر في حقول العمل الوطني كافة، القائدَ الذي يُعلي شأن الفكر، الذي لا يتعصّب لأحد ضد أحد، الذي يحترم الرأي والرأي الآخر ولا يكفّ عن تسليح رأيه بالمعرفة من مصادرها كافة، من القراءة والتجربة ودراسة تجارب الآخرين.
الرحيل الفاجع أحضر إلى الذهن حكاية أسرة الراحل بما هي حكاية أسرة أنموذجية تجسّد تجارب الفلسطينيين قبل العام 1948 وبعده: الإخفاق والنجاح، الهبوط إلى ما دون الصفر، والنهوض صعودًا إلى القمم، والمراوحة بين المستويين. أسرة حيفاوية أصيلة، تضرب جذورها عميقًا في أرض المدينة وتاريخها الاجتماعي والثقافي والسياسي. ربّ هذه الأسرة الشيخ محمد سعيد الحسن كان قاضيًا شرعيًا، وكان من أنصار الشيخ عزّ الدين القسام، كما كان واحدًا من الأئمة الذين تناوبوا الخطابة على منبر جامع الاستقلال، منطلق دعوة القسام إلى مقاومة الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني. وربّة الأسرة سيّدة لبنانية من صيدا تزوجها الشيخ الحسن فأثمر الزواج ستّة أنجال هم، حسب تسلسل الأعمار، خالد، وعليّ، ومسعود، وهاني، وزينب، وبلال، خمسة أبناء وابنة واحدة ولدوا جميعهم في حيفا ونشأوا فيها. وكان عمرُ أصغرهم حين هُجِّروا منها تسع سنوات، فيما كان أكبرهم قد بلغ سنّ الشباب. أما الأب فكان قد فارق دنيانا قبل عام النكبة.
وفي دمشق، حيث حلّت الأسرة اللاجئة بعد وقفة قصيرة في صيدا، اضطر الكبيران خالد وعليّ إلى الانهماك في سوق العمل كي يوفرا لإخوتهما الصغار فرص استكمال تعليمهم. ذهب خالد إلى الكويت وأنشأ لنفسه مكانة مرموقة في إدارتها الناشئة، فتوفر له حق الحصول على جواز السفر الكويتي الذي كان بالنسبة للاجئ الفلسطيني بمثابة لُقية نادرة. وتبع عليّ أخاه إلى سوق العمل في الخليج. وتمكن الثلاثة الآخرون من متابعة تعليمهم دون عناء.
في الغضون، في ظل رعاية مثابرة وحادبة من أمّ خصّصت جهدها كلّه وخبرتها وإرادتها لرعاية الأنجال، انهمك الجميع في السياسة منذ صغرهم. وبين الأبناء الخمسة، نبه ذكر خالد وهاني وبلال في عالم السياسة دون أن يغيب ذكر عليّ ومسعود. وبمضيّ السنين، صارت هذه الأسرة في الساحة الوطنية الفلسطينية مضرب المثل: أسرة الإخوة الخمسة الذين اختار كلٌّ منهم طريقه في السياسة بنفسه وتعددت خياراتهم: خالد الذي أسهم في شبابه الأول في تأسيس حزب التحرير الإسلامي. وعليّ ومسعود اللذان انضما إلى جماعة الإخوان المسلمين. وهاني الذي سيفرد هذا المقال فقرة خاصة للحديث عن خياره. وبلال الذي اختار الالتحاق بحركة القوميين العرب ثم صار عضوًا نابهًا في الجبهة الشعبية التي أنشأتها الحركة. وانتهى الأمر بأن أسهم خالد في تأسيس "فتح" وصار عضوا في لجنتها المركزية الأولى وظل فيها إلى يوم رحيله عن دنيانا، كما صار عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وجارى عليّ أخاه خالد، وانضم إلى "فتح" وصار عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني. واختار مسعود تعاطي السياسة دون التفرغ لها، وخصص وقته لشؤون التربية والتعليم. وتبع بلال الجبهة الديمقراطية حين انشقت هذه عن الشعبية، وصار عضوًا يمثل جبهته في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، إلا أن مقامه في الجبهة الأخيرة لم يطل، إذ سرعان ما اعتزلها واتبع سلوكًا مستقلا وفرّغ نفسه للعمل الصحافي والكتابة الصحافية. وما زال بلال حتى يومنا هذا متفرغًا للكتابة.
هاني الحسن تجاوز العشرين من عمره وهو ما يزال متأثرًا بنشأته في أسرة متديّنة. وفي ألمانيا التي جاء إليها في العام 1958 للدراسة، كان ابن القاضي الشرعي الحيفاوي متمسكًا بالدعوة الدينية والإيمان بأنها الطريق إلى تحرير فلسطين، وكان العضو البارز في منظمة شباب الأقصى. وبقي هاني كذلك إلى أن التقى في ألمانيا بهايل عبد الحميد "أبو الهول" الذي صار واحدًا من أقدم رواد الدعوة إلى وطنيّة فلسطينية هي الوطنية التي اجتذبت الأغلبية في نهاية المطاف. وفي الحوار الذي اتصل بين هايل وهاني، انتهى الاثنان إلى تشكيل منظمة واحدة هي طلائع العائدين، وانتهت هذه المنظمة إلى الاندماج في "فتح"، وصار كلّ منهما قائدًا بارزًا في الفصيل الفلسطيني الوطني.
حكاية هذه الأسرة وألوف الحكايات الفلسطينية المماثلة تثير سؤالا لا يكفّ عن التواتر في الذهن: لو أن الصهيونيين الذين مارسوا في فلسطين أحطّ أنواع التطهير العرقي ليجتثوا الوجود الوطني لشعب البلاد قد عرفوا أن الإبعاد عن الوطن لن يوقف تطوّر المبعدين في النحو الذي تطورت عليه هذه الأسرة، فما الذي كانوا سيفعلونه، وهل ما يفعلونه الآن ببني فلسطين في الوطن هو بعض الجواب الصهيوني على هذا السؤال، وما الذي بقي في الجعبة الصهيونية؟
ما كان أعمق رؤية هاني الحسن حين حذّر بالصوت الجهور من مخاطر التعويل على اتفاق أوسلو، المخاطر الماثلة الآن أمام عيون الجميع!
