لم يكن يوم الانتخابات بالنسبة لوالدي رحمه الله يوم عطلة وراحة من عناء العمل، بل يومًا أُلقيت على عاتقه فيه مسؤولية كبيرة وواجب وطني، فبعد أن يستيقظ باكرًا ويلبس قمبازه، كوفيته وعقاله يناول والدتي رحمها الله ورقة الاقتراع لتخفيها في عبّها، يذهبان مبكرًا للإدلاء بصوتهما.
وكم من مرة دخلت والدتي خلف الستارة لتجد أن البطاقة قد قطعها العرق إرْبا إرْبا، فتقوم بأخذ بطاقة جديدة مشابهة لها، وحتى تكون مرتاحة البال تحضر معها نفس الورقة، وأذكر مرة أنها خرجت من مكان الاقتراع لتقول لأحد الرفاق: "مفيش أوراق واو"، بعد ان قام احد المقترعين بقصد أو غير قصد بتغطية بطاقات الواو. فإذا كان هناك نوعان من التحصيل: التحصيل العلمي والتحصيل الثقافي، فقد كان لوالدتي تحصيل ثقافي حدّد لنا هويتنا السياسية والاجتماعية.
عدت بذاكرتي لتلك الأيام بعد أن اتصل بي احد معارفي وأخبرته انني في طريقي لنادي الحزب في جديدة للمشاركة في اجتماع مع رئيس كتلة الجبهة النائب محمد بركة.
وكم كانت دهشتي عندما قال لي: "مفيش لمين نصوّت"، وعلمت منه انه سوف يمتنع عن التصويت، ففي رأيه ان أعضاء الكنيست العرب لم يفعلوا ويحصّلوا شيئًا.
ولصديقي وأمثاله الذين يخلطون القمح بالزؤان اقول إن كتلة الجبهة هي الأولى في العمل البرلماني بشكل عام وفي العديد من المحاور الهامة، فقد قدمت 172 اقتراح قانون في الدورة المنتهية، واقر البرلمان 34 مشروع قانون اقترحها النائب دوف حنين.
وكذلك وفق معطيات الحرس الاجتماعي وموقع الكنيست، الجبهة هي من الكتل الأولى بالاهتمام بالقضايا الاجتماعية والبيئية وبقضايا العمال، التعليم والصحة.
وعودة لما بدأت به: لقد عرف "دهن العتاقي" آنذاك كيف يردون على العربستيم (الذين ولّت أيامهم إلى غير رجعة) وعلى الأحزاب المتذيلة بقوائم المباي والمعراخ والتي كانت تعرف الناخب العربي موسميًا، فتأتي وفود "الحجيج" إليه لتسلب صوته – ضميره.
وفي ظل مستجدات خطيرة تهدد جماهيرنا وفي ظل الهجمة العنصرية الشرسة على شعبنا، يجب ان يكون ردّنا هو اننا لن نتاجر بعزتنا الوطنية وكرامتنا الشخصية.
فمشاركتكم في التصويت لمن حافظ بأمانة على مصلحة الجماهير هي واجب وطني، لأننا نريد ان نعيش بكرامة.
(نهريا)
