جميعنا نعرف أن التاريخ يحوي الكثير الكثير من الأسرار والخبايا والصور السياسية التي تجعل المرء لا يصدق انه كان ضحية التزييف والعبث في عواطفه ومشاعره وقناعته ومفاهيمه ومبادئه وطعن أحلامه التي كان على استعداد أن يضحي بنفسه من أجلها..! وكانت الاسرار سابقًا تخرج من السراديب على الملأ عن طريق المذكرات والرسائل التي يكتبها القادة والمسؤولون والرؤساء والمقربون الذين يعيشون في دائرة الحكم والقرار، وإفشاء الاسرار قد يعتبر جريمة تستحق النفي والقتل والسجن، لكن غالبًا تستحق التقدير لأنها تكشف عن امور تمس حياة البشر وتؤثر على مجرى حياتهم وظروفهم وتغير نهج تطلعاتهم.
لكن الذي يميز هذا العصر هو سرعة كشف الاسرار والتسابق على كشفها والتفاخر من الأسرع في طريقة الكشف وفضح التفاصيل الهامة وغير الهامة، المهم اشباع النار المتمثلة بوسائل الاعلام التي تريد التهام المزيد والمزيد حتى تبقى النار مشتعلة نابضة بالدهشة والتساؤل، حتى لم يعد هناك اسرار ونعيش في الزمن المكشوف وفوق السطوح نحتضن الصحون اللاقطة التي توفر لنا خدمات فضائح الساسة والسياسيين والتشفي بالوجوه التي تختفي خلف لمعان الاقنعة.
وكنا على موعد مع الدهشة الممزوجة بالذل والتساؤل الى أي حد وصلنا بظاهرة القرف السياسي الذي فتح مجاري الاسرار ودلقها على الشارع الفلسطيني، وكأن الفلسطيني لا ينقصه الهموم ويعيش في البحبوحة وحياة سعيدة حتى يأتي القيادي السابق محمد دحلان ويتحدى رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن ليرد على الاتهامات التي قذفها أمام المشاهدين وعلى الملأ.
عضو فتح المقال محمد دحلان الهارب من فلسطين الى ارض الخليج يفتح جعبة اسراره المثيرة، يصب البنزين على الجسد الفلسطيني، هذا الجسد المثخن بالجراح والاحتلال والتفاوض البائس والدم والجوع والحصار في المخيمات السورية والتشرد واللجوء والفقر والبطالة وفقدان بوصلة القرار الفلسطيني والدخول في متاهات الانظمة العربية المنحنية، ومصادرة الأراضي والمستوطنات التي تتكاثر مثل الخلايا السرطانية، والتعنت الاسرائيلي اليابس والفج والعنجهي، الذي يقابله البرود والعجز العربي الذي جعل من صمته وخنوعه جسورًا للتواطؤ.
محمد دحلان عبر لقاءاته مع الفضائيات المصرية التي فتحت شاشاتها له، يحرق بقايا الثقة بالقيادة الفلسطينية وينثر رمادها في وجوه الفلسطينيين الذين يبحثون عن بارقة أمل في الليل الطويل.. اتهامات تبادلها دحلان وابو مازن - ابو مازن يلمح بأن دحلان دس السم للزعيم عرفات ودحلان متهم بتوجيه اوامر قتل عدة شخصيات..الخ - ورد دحلان انه سيكشف اكاذيب محمود عباس وعن الاموال التي بحوزته وما سرقه أولاده من اموال، وكيف ينخر الفساد بالسلطة ويعشش في جوانبها..!! وكيف تدار المفاوضات مع الاسرائيليين وكشف طريقة التنازل وكيف لا يعرف ابو مازن الكثير من القضايا الهامة..! وكيف ولا يصمد أمام الاسرائيليين والامريكان...الخ من هذه الاتهامات.
المذيع المصري وائل الابراشي الذي اجرى اللقاء مع محمد دحلان تلقى رسالة من سفير فلسطين في مصر يحتج على لقاء دحلان وقد رد وائل الابراشي الرد القاسي مستخفًّا بالرئيس.. (ان الرئيس الفلسطيني لن يعلِّمنا كيف نعمل).
هل يعتقد ابو مازن ودحلان أن الشعب الفلسطيني الآن في الجحيم الذي يعيشه في المخيمات السورية، وفي استعراض العضلات الاسرائيلية المحتلة والطلبات المهينة التي تحجِّم القضية الفلسطينية وتدفعها للسقوط في مستنقع اليأس والمقامرة بحق العودة واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس..! هل يستطيع أن يستوعب هذا الشعب ما يجري الآن من افشاء اسرار وكيل اتهامات..؟ إن دحلان وابو مازن الآن مثل السكين التي تمزق بيتها وتظن أنه مجرد بيت قديم لا قيمة له..
القضية الفلسطينية التي كانت كالمسك ما أن تسحقه الأكف حتى يعبق في الأجواء، تتحول الى قضية مهاترات واتهامات.. وهنا نريد ان نتهم القيادة الفلسطينية عن الاسباب التي جعلت هذه القضية تصل الى اسفل السلم العربي والغربي! والذي يراه الشعب الفلسطيني وهو جالس الآن لا يراه ابو مازن وهو واقف.
"اذا تصارع فيلان عانت الحشائش" هكذا يقول المثل والشعب الفلسطيني الآن هو الحشائش التي سيسحقها هذا التصارع، لأنه سيسحق ما تبقى من الثقة، والثقة هي عنوان الصمود والحزم والارادة والقوة والاستمرارية والهدف وعدم التخاذل.. لا نريد أن نصرخ مثلما صرخ البعض وطني أين يسلم جسمي ومالي..
نطالب رئيس السلطة الفلسطينية ترك دبلوماسية الصمت وعدم التوضيح، لأن الشعب الفلسطيني يعيش في بلبلة لا يعرف ما يجري في المفاوضات وفي اللقاءات الاسرائيلية والعربية، يعرف عناوين فضفاضة وواسعة دون الدخول في الجوهر الذي يهمه، يجب أن يكون هناك شفافية ووضوح في التعاطي مع هذه اللقاءات.
من المضحك ان المواطن الفلسطيني يعرف ما يدور في هذه اللقاءات من وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية التي لا تعرف الاسرار بل تكشف كل ما يقال ويدور خلف الجدران وفي القاعات المغلقة والسرية.
إن محمد دحلان القى الاتهامات على طاولة رئيس السلطة الفلسطينية وعلى ابو مازن الرد والكشف والتوضيح، فمن السذاجة ان نصمت لأن العيار الذي لا يصيب يدوش، والأخطر اذا كان محمد دحلان له يد بتسمم الرئيس ياسر عرفات فلماذا يصمت ابو مازن ويترك الشعب في حيرة وتساؤل..! اذا اعتبرتم قضية الاتهامات المتبادلة لعبة ليِّ الذراع بينكم تأكدوا أن الشعب يستطيع كسر جميع الأيدي...