*الأراضي مثلا: كل المزاعم والبدع التي أطلقتها الحكومة بأن المصادرة لغرض خدمة الجمهور العام، تبددت على مر السنين، عدا أن المواطنين العرب لم يكونوا أبدا في حسابات "الجمهور العام" في سياسة الحكومات المتعاقبة، وما يسمى بـ "إصلاحات" اليوم، يكشف أكثر جوهر السياسة العنصرية، من خلال تحويل هذه الأراضي لملكية كبار أصحاب رأس المال وحرمان أصحابها الأصليين منها*
يشكل قانون التسويات المرافق لمشروع الموازنة العامة السنوي ضربة قاسية للجهاز الديمقراطي ولعمل الكنيست، عدا عن مضمونه الذي يوجه ضربات للشرائح الفقيرة والضعيفة، ويطبق أيديولوجية اقتصادية خطيرة جدا على المجتمع، فهذا القانون هو عمليا رزمة قوانين، غالبيتها الساحقة ذات أهمية قصوى، وتحتاج إلى بحث معمق، إلا أن ما يجري على ارض الواقع هو أن الحكومة تطلب من الكنيست أن تقر هذا الكم الهائل من القوانين دفعة واحدة ، تحت اسم قانون واحد: قانون التسويات.
ولكن في الكنيست لا توجد معارضة مبدئية بالحجم المطلوب، فالمعارضة اليوم التي تعترض على قانون التسويات، هي التي كانت في الحكومة السابقة وكانت تأتي في كل عام بقانون مشابه، وحتى أنها شريكة بوضع جزء من القانون الحالي لكون أن قسما كبيرا منه موروث من الحكومة السابقة.
والقانون الحالي مليء بالضربات، نأخذ منها مسألة ما يسمى بـ "إصلاح الأراضي"، فدولة إسرائيل محكومة على مدى سنين بحكومات وصفت نفسها بأنها اشتراكية، أو حكومات لأحزاب العمال، وكان ادعاء وكأنه يجري تطوير دولة رفاه، انعكست في سيطرة الدولة على الأراضي.
إلا أن سيطرة الدولة على الأراضي من ناحية تاريخية، كانت خطوة من أجل نهب الأراضي من المواطنين العرب، ولأنه لا يمكن للدولة في حينه مصادرة الأراضي وتحويلها للقطاع الخاص، فقد ادعت أنها للملك العام، ولكن بعد أن كشفت الدولة عن جلدها الحقيقي في كل مسألة الاشتراكية المزعومة، وتبين أنها تتبع سياسة اقتصادية خنازيزية، لم تعد تجد حرجا في البدء ببيع الأراضي للقطاع الخاص، رغم أنها أراض مصادرة ولها أصحاب معروفين، ولكل قطعة ارض يوجد تاريخ وملكية واضحة.
نحن من جهتنا نعرف أن الأمر ليس مرتبطا إطلاقا بالاشتراكية المزعومة، ولا ببدعة "ملكية الدولة" للأرض، بل إن هذا نابع من نفس السياسة العنصرية الممارسة ضد العرب، ومن أخطر وجوهها مصادرة الأراضي من الجماهير العربية، التي كانت في العام 1948 تملك 80% من الأراضي، أما اليوم فإنها تملك 3,5% من مساحة الدولة، من بينها 2,5% مناطق نفوذ بلدات عربية، و1% بملكية عرب، ولكنها ضمن ما يسمى بـ "مناطق نفوذ مجالس إقليمية"، أو بلدات يهودية.
وما يؤكد عنصرية هذه السياسة، هو أن كل المزاعم والبدع التي أطلقتها الحكومة بأن هذه المصادرة لغرض خدمة الجمهور العام، تبددت على مر السنين، عدا أن المواطنين العرب لم يكونوا أبدا في حسابات "الجمهور العام" في سياسة الحكومات المتعاقبة، وما يسمى بـ "إصلاحات" اليوم، يكشف أكثر جوهر السياسة العنصرية، من خلال تحويل هذه الأراضي لملكية كبار أصحاب رأس المال وحرمان أصحابها الأصليين منها.
ونموذج آخر ينص عليه قانون التسويات، هو أن هذا القانون للعام الحالي والمقبل يجمد للمرّة العاشرة القانون الذي بادرت له كتلة الجبهة الديمقراطية البرلمانية وأقره الكنيست في العام 2001، ويقضي بجعل التعليم المجاني لأطفال 3 و4 سنوات، فقانون بهذا المستوى من العدل الاجتماعي، ويساهم في سد فجوات اجتماعية، ويفسح المجال أمام شرائح تمتنع عن إرسال أطفالها إلى الروضات لأسب بمالية واقتصادية، أن تدمج أطفالها في جهاز تربوي في جيل مبكر، إضافة إلى كونه يزيد من قوة العمل، ويفسح المجال أمام النساء الانخراط أكثر في سوق العمل، في وقت يكثر فيه الحديث عن ضرورة تقديم تسهيلات ضريبية للعاملات اللواتي لديهن أطفال بهذا الجيل واصغر.
أما في ما يتعلق بمخصصات الأولاد، فإن الصيغة التي جاء بها القانون بداية، ويقضي بحرمان الأطفال والأولاد الذين لم ينخرطوا في جهاز التعليم من مخصصات الأولاد، يكشف طبيعة العقلية التي تتملك رئيس الحكومة والمسؤولين في وزارة المالية، وهذا بند كان موجها ضد جمهور واحد بالأساس، وإن طال بعض الشيء جمهور آخر بشكل طفيف، فهو موجه ضد الأطفال العرب في الجنوب، الذين تحرمهم حكومات إسرائيل من الاعتراف بقراهم الموجودة على أرضها قبل قيام إسرائيل، وتحرم المواطنين من كافة البنى التحتية، بما فيها ذلك المؤسسات التعليمية، ليُفسح المجال واسعا أمام حالات التسرب، ولهذا فإنهم يريدون معاقبة ضحية أفعالهم وسياساتهم المبرمجة.
وهذه جوانب من قانون أوسع، ولا يمكن الإشارة إلى بند واحد بالإمكان تأييده في هذا القانون، فحتى البنود التي تظهر وكأنها ايجابية، يبرز فيها الخبث الكبير، فمثلا هناك حاجة لرفع فوري وكلي لمخصصات الأولاد، إلا أن ما جاء في قانون التسويات نثر هذه الزيادة لعدة سنوات، ليبقى المجال مفتوحا أمام الحكومة لطلب تجميد هذا المسار في أي لحظة مواتية لها.
إن من يجري مسحا واقعيا لقانون التسويات ولكل القوانين المماثلة وطرحت في كل السنوات السابقة لوجدنا أنه بالإمكان إدارة الأمور والاقتصاد بشكل أفضل من دونه فالاقتصاد سيزدهر أكثر ومستوى المعيشة سيكون أفضل، ومن المثير أن نسمع البعض يدعي أن قانون التسويات جيد للاقتصاد، وكأن الاقتصاد منفصل عن حياة الناس، وأن جودة الاقتصاد هي تلك التي تضر بالجمهور الواسع، الذي عليه السجود لعقلية اقتصاد السوق، وسياسة إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء.
وعلى الرغم من هذا، وإذا ما اعتبرنا أن جزءا كبيرا من هذا القانون أقرته الحكومة السابقة التي بات حزبها الأكبر في المعارضة اليوم، وجمعنا هذا الحزب مع الائتلاف الحاكم، لوجدنا أن نسبة التأييد المبدئي له، أكبر بكثير من التأييد الذي يحظى به الآن، ولو كانت هناك معارضة مبدئية صادقة واسعة لهذا القانون الاستبدادي المعادي للنظام الديمقراطي، لنجحنا في إسقاطه عن جدول الأعمال مرّة وللأبد.
