هناك، في إحدى المناسبات حدث ما حدث، عندها أدركت أننا جميعا متهمون بجرائم قتل النساء في مجتمعنا، جميعنا جلادون وقتلة عديمو الرحمة، وهو ما دفعني الى كتابة هذه السطور...
عندما سألتني صبية في أول عمرها: "هل تعلمين أن فلانة بتطلع وبتوخد مصاري؟ وعاملة كروت كمان؟"... لوهلة لم أفهم المقصد من السؤال، ولكن لم تمر 5 دقائق حتى أيقنت أن الصبية تتهم امرأة أخرى بالعمل بالدعارة! وهنا جن جنوني، لم أعرف ماذا أجيب، لم أتوقع من صبية كهذه تدعي الانفتاح والحرية واحترام اختلاف الغير أن تتهم أمرأة بالعمل بالدعارة استنادا الى أقاويل وشائعات! كيف ممكن أن أدعي أنني أتقبل غيري على اختلافهم الفكري والجندري والمبدئي وحتى التفضيل الجنسي، ولكن في الوقت ذاته أصلب أمرأة أخرى على صليب الشائعات والاقاويل، وألصق بها أشنع وأحقر الصفات؟! وحتى ولو كانت هذه الشائعات صحيحة - فبأي حق أسمح لنفسي أن أحاكمها وأحكم عليها بالنفي المجتمعي أو حتى بالقتل؟ نعم بالقتل! ألم تفكر هذه الصبية بأن وقْع اتهاماتها هذه ممكن أن يشكل خطرا جديا على حياة تلك المرأة؟ ألم تفكر لثانية أن كلامها هذا قد يصل الى أهل تلك المرأة فيقررون قتلها لمحو "العار"؟ وبهذا تكون قد شاركت بشكل مباشر في جريمة قتلها؟
إن عملية قتل امرأة على أساس ما يسمى "بالشرف" (مع تحفظاتي من مفهوم هذه الكلمة) هي عملية قتل جماعية مجتمعية، يشارك فيها مجتمع بأكمله وليس القاتل وحده، وأدوات القتل هي بسيطة جدا، هي كلمة هنا ونظرة هناك، معاتبة هنا وضحكة سخرية هناك، أي هي مساهمة ولو صغيرة بتأجيج أو تداول الشائعات حول أي امرأة - وبتأجيج الشائعات لم أقصد فقط الاتهام الواضح والصريح للمرأة "بالشرف"، فهناك عبارات كثيرة نستعملها جميعنا بشكل يومي هي جزء من عملية القتل الجماعية المجتمعية هذه مثل: "هاي مش مخلية"، "منيح اللي لاقت حدا يضبها"، "لابسة قصير"، "لابسة مفتوح"، "كانت مقضية" و "أبصر شو عاملة تمطلقها جوزها" - هذه المصطلحات تساهم مساهمة فعالة في عمليات القتل الجماعية للمرأة لمجرد أنها ممكن أن تتصرف بشكل مغاير لما اعتدنا عليه.
عندما نسمح لأنفسنا بأن نحكم على امرأة استنادا على الشائعات أو على أفكار مسبقة أو بترديد هذه الشائعات - هذا هو القتل بحد ذاته، ان القتل الجسدي هو فقط المرحلة النهائية التي يتوقف فيها قلبها عن النبض، ولكن القتل المجتمعي يبدأ قبل ذلك، يبدأ من أول نظرة احتقار لامرأة لا يعجبنا لباسها، تصرفها أو حديثها، هي أول مرة نسمح لأنفسنا أن نتداول عنها أي شائعة مهما كانت صغيرة وبسيطة، هي تلك المرة التي فيها عندما أشاحت لنا بظهرها "زبلناها حكي"، أو تلك المرة التي فيها راقبنا صورها عن طريق الفيسبوك وشاركنا أصدقاءنا بعدها بمعلومات عنها أو تساؤلات حول مصيرها وخصوصياتها مثل: "وينتا خطبت، لحقت تخلف؟ شوفي أكمن واحد عابطة بالصور؟".
إن القتل يحدث قبل الضغط على الزناد بكثير، عندما يقرر المجتمع أننا جميعا شرفاء وهي وحدها تحمل الخطيئة لذا يحق لنا من منصبنا الشريف أن نحاكمها على أساس أفكارنا المسبقة والشائعات، وأن نتهمها بما شئنا ونتداول الشائعات عنها وننتقد كل صغيرة وكبيرة في حياتها، الى أن يتم قتلها مجتمعيا – هذه بحد ذاتها جريمة قتل النساء، وبعدها تأتي عملية القتل الجسدية لتكون مكملة لعملية القتل المجتمعية.
نحن كمجتمع لا نعي (أو نعي لكن نتجاهل، ما عدت أعلم) أن كلماتنا ونظراتنا مهما كانت صغيرة لها أثر كبير، ككرة الثلج، تبدأ صغيرة ثم تتدحرج حتى تصبح ذات أثر هدام فإذا اصطدمت بأحدهم قد تكون قاتلة، وتلك هي كلماتنا بحق كل امرأة، فمن انتقاد صغير لها ممكن أن تنتهي الامور باتهامات "بالشرف" (وأكرر تحفظي من مفهوم هذه الكلمة) قد تؤدي الى قتلها.
إن نظرنا الى قضايا قتل النساء من منظور آخر، سنرى أن القاتل الفعلي هو أيضا ضحية، ضحية المجتمع الذي لا يرحم، ضحية الغمز واللمز والضحكات و"تسميع الحكي"، ضحية تهامس الجيران من وراء ظهره، وضحكهم عليه في الخفية، وأسئلة العائلة والاصدقاء له: "كيف ساكتينلها؟"، هو ضحية الضغط المجتمعي الذي لا يرحم الذي يقوده الى طريق قتلها ليرتاح من نظرة المحيطين به، لأنه لم يعد يتحمل نظرة المجتمع والناس فيقرر وضع الحد وانهاء حياتها.
إن المتهم الاول هو نحن، هو حبنا للنميمة وللشماتة في الآخرين وتلذذنا في استراق أخبارهم وتناقلها، هو طباعنا السيئة التي تربينا عليها والتي تحثنا على المشاركة في مثل هذه الطقوس، التي توهمنا أن لنا الحق في محاسبة فلان وعلان، هو ميولنا الاولية لاتهام المرأة في فشل كل علاقة زوجية، ونظرتنا لها على أنها مذنبة حتى تثبت براءتها...
أنا لا أحاول أن أُعفي القاتل الفعلي من مسؤوليته، فلا نقاش حول أنه لا يحق لاي كان وضع حد لحياة أي شخص مهما كانت الاسباب والدوافع، ولكنني أحاول أن أوضح العامل الآخر الذي طالما لم يعالج فلن تتوقف قضايا قتل النساء عن تصدر العناوين الرئيسية في الصحف والمجلات، وهو نحن!! علينا أن نعمل سوية على وقف جرائم قتل النساء، ولنبدأ من اليوم.. ليصن كل منا لسانه في المرة القادمة عندما تسول له نفسه في الحديث عن لباس هذه وتصرفات تلك، لنفكر مرتين في وقع كلمة بريئة قد تصدر منا لتتسلل الى رقبة المرأة لتلف على عنقها كحبل المشنقة وتعدمها الحياة، لنعد تربية لساننا وعقلنا وأولادنا وتدريبهم على احترام الآخرين واحترام خصوصياتهم وحقهم في الحياة الكريمة، لكي لا نكون جزءًا فعالا من طقوس الموت هذه.