إعتزال باراك

single
 فاجأ وزير "الأمن" الإسرائيلي ايهود باراك الساحة السياسية أمس بإعلانه اعتزال السياسة بعد تشكيل الحكومة المقبلة، بداعي التفرغ لعائلته وإتاحة الفرصة لآخرين لتولي المناصب العامة الرفيعة، لتنهال عليه المدائح على تاريخه العسكري (الدموي) الممتد على 47 عاما تقلّد خلالها أرفع المناصب، وهو صاحب المقولة بأنه في عملياته العسكرية لم يترك "مخربا" قبل أن يرى بياض عينيه!.
 وعزا معلقون اعتزال باراك إلى فشله في التحليق بحزبه الجديد "عتسمؤوت" الذي يتأرجح حول نسبة الحسم وتتوقع له الاستطلاعات الأكثر تفاؤلا الفوز بثلاثة مقاعد فيما الأسوأ تتوقع اختفاءه عن الساحة السياسية.
 ويجلس باراك على كرسي وزير "الأمن" منذ صيف العام 2007 حين عاد إلى الحلبة السياسية بعد مغادرتها لستة أعوام ليحلّ محل زعيم "العمل" وزير ا"الأمن" السابق عمير بيرتس الذي اضطر للاستقالة في أعقاب تحميله مسؤولية الفشل في الحرب الأخيرة على لبنان.
 وخلافًا لسجله العسكري الحافل بخمسة أوسمة على عمليات قام بها، عرف باراك كسياسيّ (دخل الحلبة السياسية عام 1995) الفشل خصوصا كرئيس لحكومة لم تعمّر أكثر من 20 شهرا (1999-2001) رغم انه سحب خلالها الجيش الإسرائيلي من لبنان، فاعتزل السياسة بعد هزيمته أمام أريئيل شارون، لكنه عاد إليها عام 2007 وفاز من جديد بزعامة "العمل" إلا أنه منيَ بأفدح هزيمة له في انتخابات عام 2009 فجاء رابعا بين أكبر الأحزاب مع 13 مقعدا فقط، بعد أن كان لنحو أربعة قرون أكبرها وقاد خلالها الدولة. وعندما واجه باراك معارضة داخل الحزب لمواصلة البقاء في حكومة بنيامين نتانياهو اليمينية انسلخ وأربعة من رفاقه عن "العمل" ليشكلوا حزب "عتسمؤوت" ويبقى في الحكومة. ورغم أن الإسرائيليين رأوا فيه الأنسب لمنصب وزير "الأمن" بصفته "سيد الأمن" وصفقوا له بعد كل عملية عسكرية أمر الجيش القيام بها، كما حصل بعد العدوان الأخير على قطاع غزة وحفظوا له عمليات الاغتيال التي نفذها بحق فلسطينيين خارج الحدود، إلا أنهم لم يروا فيه قائدا لحزب سياسي.
 وكانت أنباء راجت عن سعي نتنياهو لتحصين موقع لباراك على لائحة "الليكود" الانتخابية إلا أن معارضة قوية داخل الحزب أجهضت الفكرة ليفهم باراك أن بقاءه في منصبه بعد الانتخابات شبه مستحيل.
 وتباينت ردود الفعل على استقالته وأعلن نتنياهو في بيان خاص أصدره أنه يحترم رغبة باراك ويشكره على التعاون معه ويثمّن عاليا مساهمته على مر السنين لأمن إسرائيل.
 وهلَّلت زعيمة "العمل" شيلي يحيموفتش لسلفها وأعربت عن أسفها لاعتزال "أكثر الجنود أوسمة في العالم وإحدى أهم الشخصيات الأمنية في الحلبة الدولية، وزير "الأمن" الذي تصرف بمسؤولية ورويّة"، شاطبة بهذا الكلام ما قالته عن باراك عند انسلاخه عن الحزب قبل أقل من عامين بأنه "فاسد وانتهازي".
في المقابل أعرب عدد من أقطاب اليمين عن سعادتهم برحيل باراك بداعي انه كان في السنوات الأخيرة العثرة في طريق تطوير البناء في المستوطنات، رغم أن التقارير تفيد أن الاستيطان شهد في عهد حكومة اولمرت – باراك أفضل فتراته. وقال النائب داني دانون أن باراك اعتزل "بعد أن أيقن أنه أصبح ليس ذا اهمية في الحلبة السياسية بعد أن لم يحصل على موقع مضمون في الليكود".
وأشارت زعيمة "ميرتس" زهافه غالؤون إلى "الاداء المزدوج" لباراك، "إذ تارة منع خطوات متهورة (الحرب على ايران) وتارة أخرى دفع نحو مثلها". واستذكرت أنه أول من أوجد مقولة أن "لا شريك فلسطينيا". وقال النائب دوف حنين (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) إن استقالة باراك لن تغطي على مسؤوليته الكبيرة في السنوات الأربع الأخيرة عن الجمود السياسي والمس بفرص التسوية السياسية والمسؤولية عن التدهور الاقتصادي الاجتماعي. وتابع أن باراك كان بمثابة العمود الفقري لأكثر حكومة يمينية في تاريخ إسرائيل.
ووصف محرر "هآرتس" ألوف بن الوزير باراك بأنه أكثر من أثّر في صياغة الفكر الاستراتيجي لإسرائيل في العقدين الأخيرين، "وهو الذي قاد الثورة التكنولوجية في الجيش وشجع على التزود بالأسلحة الدقيقة والطائرات غير المأهولة لتقوم بالجزء الكبير من المهمات القتالية الجوية". وأضاف أنه رغم فشل مفاوضات السلام في "كامب ديفيد" مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عام 2000 إلا أن المقترحات التي قدمها باراك وعرفت لاحقا بـ"معايير (الرئيس الأميركي السابق بيل) كلينتون" ما زالت تشكل الحل المنطقي للصراع. وزاد أن باراك كعسكري ووزير للأمن أسّس لعقيدة "الرافعات والضغوط" في العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل، مثل العملية الأخيرة على القطاع، القاضية باستخدام النيران بشكل كثيف وعن بُعد للضغط على الطرف الثاني. وتابع أن باراك وإن نجح كمخطط واستراتيجي إلا أنه فشل كسياسي واستصعب في حشد تأييد له في الحكومة والكنيست.
 ومع ذلك، لم يستبعد المعلق أن يبقى باراك وزيرا للأمن بتعيين شخصي من نتنياهو أو في حال قامت إسرائيل خلال الأشهر المتبقية على اعتزال باراك بشن هجوم على ايران لمّح إليه باراك في حديثه أمس بقوله إن الأشهر المتبقية لاعتزاله "حافلة بالتحديات الأمنية".
قد يهمّكم أيضا..
featured

حينما يتحدث الرئيس ولا يقول شيئا

featured

أمريكا اللاتينية نحو التنمية والتحرر

featured

عدوانٌ مجرم مخطط سلفًا

featured

علم القرامطة كان أحمرًا

featured

أفغنة الأزمة السورية.. النصرة وداعش بدلا من طالبان والقاعدة

featured

محمود امين العالم، اشراقة الفكر العربي

featured

أمهات بالغات ولكن عصريّات

featured

ابو نصري شفيق زاهر كنت وستبقى ملح الأرض