دَخَلْتُ متجرَ الأزهارِ... وبعدَ صراعٍ مع الحيرةِ... إستشرتُ البائعةَ ايّ لونِ هو الأنسب؟!
حملتُ باقةً قُطفت من بستانِ المحبة نُمِقَت بأرَيج الشوق وعطرت بعبق البخور... إنيّ على عجلةٍ وكليّ لهفة... سأطير بعدَ لحظاتِ على بساطِ أُحمر مخمليّ لأَصل اليه مُعاتبة مداعبة كطفلة جرعت من كَؤوس الفراق عذاباً بألوان...
من منكم سارَ يوماً وبرجليه الى مذبحِ القلوب؟!
نعَمَ أنا سِرتُ حاملةً بيْن جوانحي أزهاراً سأقدّمها لَه... يا تُرى هل ستعجبه؟
هل سيفرح بها أم بي؟!...
سِرْتَ وحنين يسري بعروقي لَهِيباً يحرقني... أتأمل أزهاري البيضاء النقيّة, أبتسم تارةً وأَدمعَ تارةً أخرى بهذا اللقاء والذي سيكلل بعدَ لحظات... مشيتُ أعدُّ الدقائق والثواني وعقارب الساعة قد تجمّدت وشبح الوقت يتربص بي, يُعاندني, يشاكسني... ولكنيّ استجمعت ما استجمعت من قوتي وتنفسْتُ صبراً قانعةً كل القناعة انه من سارَ على الدرب وَصل.
تابعت طريقي عساني أن أَصل العنوان المنشود, المكان الموعود.... لأقدّم باقة قلبي... يا لَهُ من لقاءٍ غريب في مكانٍ عجيب!
في أعالي التل بعيداً عن عيون الناس... بعيداً عن ضجيج آلبشر... حَملَتُ أوَتارَ فؤادي وشَرَعتُ أدندن, أرنّم لحناً مُبهماً شجيّاً يشوبه عتابٌ, عذابٌ ممزوجاً بعصارة حشاشتي...
إلى مذبح القلوب... أَمضيَ اليومَ برجليّ....
هُيهات... هيهات أن أَصل وأتحررّ من قيودٍ كبلتني بها يدُ القدر.
مشيت في الغابة... وسعف الغار والسنديان من حولي تتمايل مرحبةً... ومن ثم كروم الزيتون... أشمّ رائحَة أجدادي, أطياف الطفولة تلوح لي بثوب الذكريات...
كم مشينا ورَكضنا حالمين نلهو, نلعب, نمرح, نقطف ثماراً وأزهاراً كم ضحكنا هنا على هذه الطريق عصافير كُنَّا نزقزق... كم... وكم.
مشْيت أتنفسُ تُراباً يِدوسَه المشتاقون المعذبون في "درب الالام" ليصلوا المذبح في أعالي التل.
أَمشي وفي قلبي خفقتان: خفقة الفرح وخفقهُ الرهبه... تَقدّمتُ أكثر والشوق يمتصني, يزلزلني ويفتت كل خلية في جسمي، ما بي أرتجف؟! إنيّ إقتربت وعبرت "درب الالام" ووصلت مكان اللقاء.
ليتني لم أَصل... لأنني لم أَجد من انتظرته أياماً وشهوراً. حَاصرَني الأَلم فارتميت مرهقةً مجهشةً بالبكاء والعويل ناديته كثيراً ولكنه لم يسمع صوتَ النداء... وأنا لم أَسمع سوى صدى ضجيج قلبي وبعض غربان تنعق في الفضاء... لم أجد أَمامي سوى باباً مُغلقاً مُرّصعاً بالورود وقد ذبلت مُكبّلا بسلاسل حديديّة... صرخت من جَوى قلبي الغريق في لجة النوى: "إفتح البابَ ما بك؟ قد وَصلت اتسمعني أتيتك أضناني الشوق... جلستْ أندب بغزارةِ وَمرارةٍ... كم تمنيتُ لو أكسر هذه السلاسل التي قيدتني وقيدته... انفجرت صادحةً, صارخةٍ في البراري: "أخ يابا, إفتح الباب... رُدّ عليّ..." أَنادي وقلبي ينادي مكسرًا مبحوحًا, مذبوحًا...
على أنغامِهِ تتراقص أَشجار السرو والصنوبر في أعالي التل على المذبحَ....
في أعالي التل... درب مشيناها في الماضي بأجنحةِ طفولةِ حُلوةَ عذبة... نعود منها اليوم نفوساً معذبة ومخالب الذّل تنهش أَعماقنا....
نمشي درباً قطفنا منها زهوراً بألوانٍ خلقناها أَطواقاً وتيجاناً وباقات متواضعة نعود بها بعدَ جولةِ شقيّة بين أحَضانِ الطبيعة، نقدّمها لأَهلنا هدية تعبيراً عن حُبنا الكبير من قلبنا الصغير الكبير.
يا لسخرية القدر اليوم ذات الدرب أَمشي حاملةً باقةَ زهورٍ لأَقدّمها لأبي الراقد في القبور أَقدّم أزهاراً قد شحنتها من نبضات قلبي حين حضنتها على صدري المتقّد... وضعتها أمام البابِ وهمسْتُ: سأعود... سأعود لزيارتك عساني أن أراك يوماً. وضعتها وتركت قلبي هنالك مذبوحاً مصلوباً يروي من عيونه النديّة أزهاري النقيّه ليتنفسَّها أَبي كل صباح، تركت المكان وعَدت هائمةً على وجهي... من درب عهدتها أَياماَ للفرح واليوم أيقنت أنهّا حقاً تدعى "درب الالام"... عُدْتُ أسير فيها ألملمُ روحي المغبّرة بجروحي... وفي يديّ غصنَ زيتون من أرضِ أجدادي... أَمشي وعلى كتفي نعشي... أَمشي جسماً يترنح... أما قلبي قد دَفنته... هناك هناك في المذبحِ.