أيام الجامعة للقب الأول وبجامعة حيفا، وفي إحدى المحاضرات تناقشنا حول تعريف الحركة الصهيونية وحول كونها حركة التحرير الوطني للشعب اليهودي او كونها حركة استعمارية ومشروعًا كولونياليًا - يعمل على إفراغ الأرض من سكانها، مصادرة الاراضي واستعباد ما تبقى منهم وتهميشهم وإضعافهم. وطبعا محو ذاكرة المكان بتفاصيلها.
كان ادعائي بسيطًا وواضحًا جدًا: إن كانت الحركة الصهيونية هي حركة تحرر وطني فان دورها قد انتهى مع بناء الدولة الوطنية. لكننا نعلم أن الحركة الصهيونية هي اكبر من إطار عملي لبناء دولة – هي حركة فكرية إيديولوجية تمتد اذرعها لكل شيء في إسرائيل وهي العمود الفقري للدولة. ناهيك عن مؤسساتها القائمة بحد ذاتها.
لم اعلم ان عنادي في النقاش سوف يحفز المحاضر على طرح سؤال في امتحان آخر الفصل على النحو التالي:
"تخيل انك عرفات وان المفتي – الحاج أمين الحسيني- يأتيك بالحلم لكي يشرح لك كيف انه ارتكب حماقة في عدم قبوله لقرار التقسيم عام 1947 وبأن الحركة الصهيوينة هي أفضل شيء حصل للشعب الفلسطيني".
كان علي أن اكتب سيناريو الحوار الدائر بين عرفات والمفتي – وفي رأس المحاضر الصهيوني والمؤسسة الصهيونية بأجمعها.
كتبت كالتالي:
"كان بن غوريون ذكيا، علم ان العرب والفلسطينيين سوف يرفضون قرار التقسيم المجحف والذي يمنح اليهود الذين امتلكوا 6% من فلسطين فقط وقتها - 56% منها.
بن غوريون رفض قرار التقسيم لانه يتركه مع 40% من الفلسطينيين في القسم المعد لدولة اليهود وهو ما يضر بالمشروع الصهيوني كمشروع استعماري يرتكز على "ارض اكثر وعرب اقل. وحقيقة فقد قدم العرب والفلسطينيون للأمم المتحدة اقتراح الدولة الديمقراطية الواحدة والعيش المشترك وارجاع تقرير المصير لسكان فلسطين- عربا ويهودا".
كانت النتيجة – بأنني حصلت على علامة 42% في الامتحان وكان علي إعادته لكي استطيع الانتقال الى السنة القادمة.
في الموعد الثاني للامتحان، جلست في القاعة - تقدم مني المحاضر وهمس لي "لا تنسَي. يجب عليك ان تنجحي"
وكانت اجابتي الثانية كالتالي:
"حضر المهاجرون اليهود ضمن عدة هجرات - وجلبوا معهم الكثير من التطور الاوروبي والافكار المتنورة. فلقد جففوا المستنقعات ومثالا على ذلك مستنقع "الحولة".
جلبوا معهم العلم والمعرفة – وتم اقامة صناديق المرضى والمدارس. وتعبيد الشوارع وربط القرى بالمدن. تم تقديم الخدمات الأساسية وتزويد السكان بالكهرباء والمياه والمواصلات العامة.
واليوم يعيش الفلسطينيون في اسرائيل ضمن رفاهية ويتعلمون في الجامعات.
ولو بقيتم هنا لكنتم قد استفدتم من هذه الخيرات والايجابيات - لقد كان قبول تعليمات الجيوش العربية والخروج إلى البلدان المجاورة قرارا خاطئا."
طلب اندريه عيشت، المحاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة حيفا، مقابلتي لتسليمي العلامة بشكل شخصي وهو امر غير متداول في الجامعات الاسرائيلية. قال لي "انت ذكية، اجبت كما يجب. لكنك تعلمين تماما انهم لو بقوا لم نكن لنكون هنا".
أجبته، وأنا انظر إليه - "لذلك المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري بامتياز، لقد وصلتك الإجابة الحقيقية التي أردت لها ان تصل".
بعدها كان يراني في الجامعة ويشيح بوجهه وكنت أتعمد إلقاء السلام عليه ليراني وليعلم بأني موجودة وما زلت هنا.
**
مع انتهاء الحرب عام 1949، بقي 167,000 فلسطيني في الدولة الصهيونية التي رأت بالفلسطينيين خللا في المشروع الصهيوني الكولونيالي الذي لم يكتمل.
لم يكتمل، لأننا نملك حكاية المكان. الحكاية التي يحاولون اسكاتها.
هذا المشروع الذي ارتكز على مقولة "الارض الخالية" ولكي يستمر في بناء الدولة – كان عليه بناء ذاكرة جديدة. ومحو ذاكرة المكان الأصلي وناسه الأصليين. فأنشأ بن غوريون لجنة التسميات من اجل "عبرنة" مسميات القرى الجديدة التي اقيمت على بقايا أكثر من 500 قرية فلسطينية، تم تهجير أهلها- لكنه فشل في "عبرنة" ذاكرتنا والتي تحاول كل مؤسسات الدولة بما فيها الجامعات "صهينة روايتنا التاريخية".
هذه الذاكرة الجديدة، كان عليها مثلا إنشاء فرق رقص "الفن الشعبي" الإسرائيلي لتمثل الدولة الجديدة في مهرجانات الفن بالعالم في بداية الخمسينيات- فما كان منهم الا سرقة حركات من الدبكة الشعبية والرقص عليها.
وهو نفس المشروع الذي ارتكز في خطابه السياسي على مقولة "نريدهم حطابين وسقاة ماء"- اكتشفت حديثا ان التاريخ الحديث لهذه الجملة يرجع إلى سنة 1860 – في محاولة من جغرافي نمساوي بإقناع مجموعات ألمانية متدينة، بالاستيطان في فلسطين ولقد نجح في ذلك واستطاع الألمان بناء المستعمرات المعروفة اليوم باسمها الحقيقي "المستعمرات الألمانية". ولقد كتب هذه الجملة، حول رأيه في مستقبل السكان الأصليين ودورهم في خدمة المستوطنات الالمانية التي عرفت باسم "تمبلريم". بعدها شكلت هذه الجملة البعد السياسي لوجودنا في البلاد في حال تثبيت المشروع الصهيوني- وخصوصا بعد انتهاء الحرب وزج السكان الاصليين الذين بقوا في ارضهم تحت "الحكم العسكري" منذ عام 1948-1966 ومصادرة أراضيهم وتحويلهم لأيدٍ عاملة رخيصة في المصانع الاسرائيلية.
المهم- في احدى زياراتي لقرية الكويكات المهجرة قبل عدة سنوات– أطللنا عليها من تلة وكنا نتلقى شرحا مفصلا عن القرية وإذ بعجوز إسرائيلي يخرج الينا ليستمع ويشاركنا الحديث.
قال لي "انظري حولك، لو لم نأت الى هنا ما كان في "حشيش" في اشارة للعشب الاخضر".
أجبته بابتسامة عريضة: "لم اعلم ان وظيفة المشروع الصهيوني استحضار "العشب" للشرق الأوسط".
