رحيل عميد القادة النقابيين المغاربة القائد النقابي محجوب بن الصديق الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل(1922-2010)

single

- قام مع رفاقه الشيوعيين بتأسيس الإتحاد المغربي للشغل المُستقل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1950.
- ناضل ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب .
- من مؤسسي اتحاد نقابات عمال المغرب العربي.
- تعرض للملاحقة والسجن والنفي لكنه بقي صامدا.
- آمن باستقلالية النشاط النقابي عن الأحزاب وإستقال من حزب الاستقلال الذي كان عضوا فيه في العام 1959.تحت شعار "سياسة الخبز".
- شغل مناصب نقابية دولية حيث تميّز بالحنكة والمعرفة في كل ما يتعلق بالنشاط النقابي المحلي والدولي.

"إننا نُتابع نضالكم من أجل الطبقة العاملة، ولكم كل التقدير على هذا النضال". هذا ما قاله لي القائد النقابي المخضرم محجوب بن الصديق الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل ،خلال اللقاء معه في مؤتمر النقابات الفرنسية السي.جي.تي في العاصمة الفرنسية باريس ، كان حضوره النقابي بارزا في ذلك المؤتمر كغيره من القادة النقابيين من دول المغرب العربي لأنهم كانوا من أعضاء هذا الاتحاد لمنع قوات الاحتلال الفرنسي في فترة الاستعمار، تشكيل نقابات محلية مستقلة . على هامش ذلك المؤتمر النقابي أُتيحت لي فرصة الاطلاع على تاريخ ونضال النقابيين في دول المغرب العربي ومنها  المملكة المغربية ومن مناضل نقابي كبير الزميل محجوب بن الصديق . الذي رحل عنّا بعد مرض ألمَّ به حيث توفي في أحد المستشفيات الفرنسية في العاصمة باريس يوم  الجمعة 17  أيلول – سبتمبر 2010 عن عمر ناهز الـ 88 عاما قضى معظمها في الكفاح والنضال النقابي، وتم تشييع جثمانه إلى مقبرة الشهداء في الدار البيضاء يوم الأحد 19 أيلول في الدار البيضاء بالمغرب.

 

نشاط نقابي منذ البداية .."عامل سكك الحديد الصغير"

ولد النقابي محجوب بن الصديق يوم 20 شباط/ فبراير 1922 بمدينة مكناس،لعائلة متوسطة الحال،عمل والده حرفيا مما مكنه من تعليم ولده محجوب في مدرسة أبناء الأعيان الثانوية بمدينة مكناس ، برز في تعلمه وعكف خلال دراسته على قراءة الصحف العربية والفرنسية وغيرها من الكتب،تقدم  العام 1938 إلى امتحان قبول للعمل   بالسكك الحديدية،عبر الامتحان بنجاح وبدأ العمل عاملاً ثم رئيس محطة قطار في سيدي قاسم، التي كانت مركزا صغيرا لانتاج البترول، وأصبح لاحقا رئيس محطة في قرية بناحية مكناس. وفي تأبينه نُشرت تفاصيل عن تاريخ النقابي الراحل محجوب بن الصديق ومسيرة نضاله النقابي جاء فيها بأنه :
. "جاء إلى العمل النقابي من حزب الاستقلال، وكان الناطق الرسمي باسم الوطنيين في الاتحاد العام للنقابات المتحدة في المغرب، في إطار المركزية الفرنسية، الكونفدرالية العامة للشغل (السي جي تي)، المقربة آنذاك من الحزب الشيوعي الفرنسي، وامتداده النقابي في المغرب، وعضوا باللجنة التنفيذية وبأمانة الاتحاد منذ 1950. أُنتُخِبَ أمينًا عاما لفدرالية عمال سكك الحديد في حزيران/ يونيو 1951، بعد أن كان عضوا في المكتب. أُعتُقِلَ سنوات 1951، و1952، و1954. وفي السجن، وفي صلة بالكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة، جرى تحضير مشروع إتحاد نقابي وطني، هو الذي أصبح الاتحاد المغربي للشغل، يوم 20 آذار/ مارس 1955، حيث أصبح أمينا عاما له، وزعيم العمل النقابي الوطني المغربي."
باشر النقابي بن الصديق نشاطه النقابي منذ بداية عمله في سكك الحديد وقد:" أشرف على تنشيط خلايا لحزب الاستقلال بين عمال سكك الحديد، ولفت نشاطه انتباه قيادة الحزب، خصوصا اليساريين الذين كانوا يرون الإرتكاز على العمل النقابي، أي عبد الرحيم بوعبيد، وعبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة.

نشر مقالاته الأولى الموقعة باسم "عامل سكك الحديد الصغير" في الجريدة الأسبوعية الوطنية "المغاربي الفتي"، وأدان روابط الحماية بين إدارة سكك الحديد والكونفدرالية العامة للشغل السي جي تي، وأثار الانتباه إلى تباين الأجور وتفاوت الوضع القانوني بين المغاربة والفرنسيين."

 


التطور في النشاط النقابي وتشكيل نقابة مستقلة

لم تسمح قوات الاحتلال الفرنسي للعمال المغاربة بتشكيل نقابات مستقلة  عن النقابات الفرنسية ضمن سياستها التي كانت تعتمد على اعتبار المملكة المغربية وغيرها من دول المغرب العربي جزءا لا
يتجزأ من فرنسا ولذلك يكون النشاط النقابي ضمن الحركة النقابية الفرنسية الأمر الذي عارضه الشيوعيون الفرنسيون وعملوا من أجل تغييره و:" كان الفاتح من ايار/ ماي 1949 فرصة الاتحاد العام لنقابات المغرب لإبراز حجم المغاربة في النقابة، ودفع المؤتمر المنعقد بمكناس نقابيين مغاربة إلى وظائف قيادية، مع مرافقتهم بمسؤولين شيوعيين "أوروبيين"، وعلى هذا النحو دخل المحجوب بن الصديق إلى مكتب فدرالية عمال سكك الحديد. وأُنتُخِبَ في مكتب الاتحاد العام لنقابات المغرب، لمّا قرر المؤتمر، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1950، وضع أنظمة اتحاد نقابي مغربي، وتوزيع مناصب المسؤولية النقابية مناصفة بين الوطنيين والشيوعيين. وأصبح الطيب بن بوعزة أمينا عاما بالنيابة للاتحاد، إلى جانب الشيوعي أندريه لورا. و في هذا المؤتمر تمكن الاستقلاليون من تمرير تعديل في البرنامج النقابي يطالب بإنهاء الحماية."(الاستعمار الفرنسي).
الأمر الذي تم كسره في "المؤتمر السادس لاتحاد عمال المغرب الذي عقد أيام 11-12 نوفمبر – تشرين الثاني 1950 في الدار البيضاء (بدار النقابات)وكان محطة من تاريخ الحركة النقابية في المغرب ،فقد أَعلن المؤتمر عن قرار التحول إلى مركزية نقابية مُستقلة عن الـ CGT  الفرنسي ،وانتخب لجنة تنفيذية من 50 عضوا"، و"صادق بالإجماع على تشكيلة المكتب الجديد: عبد القادر طيب بن بوعزة وAndre Leroy كاتبان (أمينان )عامان، André Saliers أمين المال، مأمون العلوي أمين المال المساعد. الكتاب (أعضاء): ألبير عياش، مبارك علال، الحداوي محمد، المحجوب بن الصديق، وأخيرا Alphonse Allocio الذي احتفظ به التصفيق رغم طرده خارج المغرب من طرف سلطات الإقامة."

 

مواصلة معركة استقلال الحركة النقابية بدعم الحزب الشيوعي الفرنسي

المعركة من أجل تحقيق ذلك الاستقلال النقابي لم تكن سهلة وقد جاءت كما قلنا بدعم القوى التقدمية الفرنسية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الفرنسي ،الأمر الذي أكده عميد النقابيين المغاربة محجوب بن صديق في اكثر من مناسبة ومنها في اللقاء الشخصي معه يوم قال:" بفضل هذا الدعم وهذا التحالف تمكنا من تحقيق استقلال الحركة النقابية الذي كان خطوة هامة على طريق تحقيق الاستقلال للوطن جميعه."
 قبيل انعقاد المؤتمر السادس الذي تم اعتباره "المحطة التاريخية " للحركة النقابية في المغرب عقد لقاء  بمشاركة القائد المغربي اليساري المهدي بن بركة وذلك :" يوم 20 آذار/مارس 1955، انعقد، في منزل الطيب بن بوعزة، بدرب "بوشنتوف" بالدارالبيضاء، إجتماع ضم زهاء 40 نقابيا مغربيا يمثلون قرابة 20 اتحادا محليا، من الدارالبيضاء بشكل خاص، ومن الرباط، وسلا، وأسفي، والقنيطرة، ومكناس، أعلن فيه تأسيس الاتحاد المغربي للشغل. ووضع هذا الجمع تشكيلة أول لجنة تنفيذية، واختار الطيب بن بوعزة أمينا عاما. لكن البلاغ "النهائي"، الذي كان بن الصديق بعثه إلى الصحافة، ونشر يوم 21 آذار/مارس، أعلن المحجوب بن الصديق أمينا عاما والطيب بن بوعزة نائبا له، الأمر الذي قبله الأخير، بعد رفع شكوى إلى اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، ثم لمجلس المقاومة، تحت مسؤولية محمد البصري، الذي حسم الأمر. وكان بن الصديق شديد الارتباط باليسار الاستقلالي في تلك الفترة، المهدي بن بركة، وعبد الله إبراهيم، في حين، كان تكوين الطيب بن بوعزة جرى بأكمله في الكونفدرالية العامة للشغل."

 

الحركة النقابية مع قوى الثورة

وقد جاء في كراس "الحركة النقابية بالمغرب" الصادر عن الكنفدرالية الديمقراطية للشغل العام 1995 بهذا الخصوص وبشكل تفصيلي عن دور الحركة النقابية في التحالف مع قوى الثورة ضد الاستعمار الفرنسي ودعم الثورة الجزائرية :"
"يوم 20 آذار/ مارس 1955 انعقد المؤتمر التأسيسي للاتحاد المغربي للشغل، و بالرغم من كون تأسيس المركزية النقابية كان بمبادرة حزب الاستقلال، أو على الأصح جناحه اليساري الذي خرج عن تعاليم يمين الحزب، فإن ولادة الاتحاد المغربي للشغل جاء نتيجة تحالف بين الحركة العمالية و حركة المقاومة المسلحة، و لعل أكبر دلالة على ذلك هو عقد مؤتمر الاتحاد في أحد الأحياء العمالية (حي بوشنتوف) الذي كان آنذاك خاضعا لسيطرة قيادة المقاومة المسلحة بالدار البيضاء. و قد نتج عن هذا التحالف صراع أجنحة داخل حزب الاستقلال حول السياسة الاقتصادية و الاجتماعية المزمع تطبيقها بعد الاستقلال و حول طبيعة "الدولة المستقلة"، و قد كانت مطالب المقاومة المسلحة و الحركة العمالية تلتقي حول برنامج حد أدنى:
          1- إقرار ديمقراطية حقيقية
          2- الإعلان عن مجلس تأسيسي
          3- إقرار دستور ديمقراطي
          4- إنجاز إصلاح زراعي جذري
          5- تطهير الإدارة من الخونة و المتواطئين مع الاستعمار
          6- تصفية القواعد العسكرية الأجنبية
و سواء من خلال ظروف نشأة الحركة النقابية "الجديدة": ارتباط هدف مركزية نقابية "مستقلة" بهدف الاستقلال. و من حيث ظروف ولادة المركزية النقابية إ م ش: التحالف مع المقاومة المسلحة. أو من حيث بُعد مطالبها: دمج المطالب الاجتماعية المباشرة بمطلب ديمقراطية انتقالية.
يستخلص أن الحركة النقابية المغربية قد وضعت لنفسها أهدافا سياسية منذ ولادتها، و هو أمر سيطبع مسيرتها طيلة عقود. و قد خاضت المركزية النقابية منذ ولادتها إضرابات سياسية من أجل تحقيق تلك الأهداف."
إذا حي  أو درب "بوشنتوف" في الدار البيضاء هو حي عمالي كان تحت سيطرة الثوار ، وقوى اليسار التي قاومت الاحتلال الفرنسي وطالبت بإنهاء "الحماية" - الاستعمار .

 

* محطات نضالية واعتقالات

مسيرة الراحل محجوب بن الصديق لم تكن سهلة ، فقد كانت مليئة بالمحطات النضالية الشرسة ضد قوى الاستعمار الفرنسي ،وقوى اليمين المغربي ، وقد تعرض للعديد من الاعتقالات والملاحقة من قبل قوى الاحتلال الفرنسية ومن قبل أتباع الملك والرجعية المغربية بمن فيهم قياديون من حزب الاستقلال الذي سبق وانتمى إليه لكن للتيار اليساري لهذا الحزب ،وضمن ذلك وبعد :" أن أصبح المحجوب بن الصديق زعيم العمل النقابي الاستقلالي، حظي ببعد وطني في حملة التجمعات الجماهيرية صيف 1951 المطالبة بإنهاء الحماية، فاعتقل المحجوب بن الصديق يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1951، وحكم عليه بالسجن لمدة سنتين، وأطلق سراحه أسابيع قليلة قبل اغتيال فرحات حشاد في تونس(قائد الحركة النقابية في تونس، وقد تم اغتياله لنضاله ضد قوى الإستعمار وأتباعها المحليين)، واعتقل مجددا يوم 8 كانون الاول/ ديسمبر بعد إضراب دعا إليه الجناح الاستقلالي في الاتحاد العام لنقابات المغرب، والمظاهرات المقموعة بشكل مرعب بالدار البيضاء، مع 13 قياديا نقابيا مغربيا آخرين، في فترة خلع السلطان محمد  الخامس سنة 1953."

 

* اغتيال بن بركة وإعتقال

وتم إعتقال القائد النقابي محجوب بن صديق في تشرين الأول –أكتوبر 1965 بعد عملية اغتيال القائد المغربي اليساري المهدي بن بركة عندما قام بالدعوة إلى إضراب عام بالتحالف مع القوى المناهضة للملك والرجعية  المغربية لكن "الحكومة والبلاط الملكي نجحوا في تفادي قيام حركة شعبية تضامنا مع الزعيم المُغتال "بن بركة.

 

* حرب الأيام الستة واعتقال آخر

وفي 7/6/1967  تم اعتقال النقابي محجوب بن الصديق ،على أثر إرساله برقية للديوان الملكي يدين فيها مواصلة تقديم الدعم لقوى تابعة للحركة الصهيونية في المملكة المغربية والتي كانت تنشط ضمن ما يُسمى "مكتب التسويق والتصدير "  في الوقت الذي تتعرض فيه دول عربية للعدوان من قبل إسرائيل (حرب الأيام الستة).
هذا الاعتقال أدى إلى تحرك شعبي واسع "للرد على ضربات "الحكومة والقيام بنضال مشترك من أجل إطلاق سراح النقابي بن صديق وغيره من المعتقلين من أبناء الحركة الوطنية المغربية وعلى رأسهم الشيوعيون المغاربة. وقد توسعت الحركة الشعبية في العام 1970 ليُعلن  عن قيام "الكتلة الوطنية".وتواصل النضال المشترك حتى تمكن الملك وحكومته من زرع بذور الخلاف والبطش بقوة بالشيوعيين واليساريين ،إلا أن محجوب بن صديق واصل قيادة العمل النقابي في المغرب حتى وفاته الأمر الذي ادى الى تعرضه للنقد من قبل القادة النقابيين في المغرب خاصة وعلى الصعيد العالمي عامة رغم ما حظي به من تقدير على معرفته ودرايته بكل ما يتعلق بالقضية النقابية.

 

* المساهمة بتأسيس حركة نقابية لدول المغرب العربي

في بحثه بهذا الخصوص قال الباحث الدكتور المختار الطاهر كرفاع من جامعة السابع من أبريل – كلية الآداب (يوليو 2008) والذي تناول فيه دور الحركة النقابية في دول المغرب العربي وكيفية تطور تأسيس اتحاد لها :" ..منطقة المغرب العربي كانت تعيش مرحلة الكفاح الوطني من أجل الاستقلال ، وكان العمال من بين أهم الشرائح الاجتماعية التي لعبت دورا هاما في ذلك النضال ، رافضة الواقع الذي تعيشه شعوب المنطقة تحت السيطرة الاستعمارية وسعيا للتحرر وتكوين الدولة الوطنية.
قاد تلك الحركات النقابية قادة وزعماء تركوا بصماتهم على تاريخ شعوبنا المغاربية رغم بساطة مستواهم التعليمي والاجتماعي والمادي ، أمثال محمد الشريف وسالم شيته من ليبيا ، وفرحات حشاد من تونس، ومحجوب بن صديق من المغرب ، وعبد القادر معاشو من الجزائر ، وغيرهم كثيرون ممن تدين لهم به الأجيال الحاضرة من حرية واستقلال رغم عدم قدرتها على تحقيق ما نادى به أولئك القادة من أهداف ومبادئ لتحقيق وحدة المغرب العربي . وأضاف:"لم تكن الحركات العمالية في المغرب العربي خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بعيدة عن الاحداث السياسية التي عاشتها المنطقة آنذاك من صراع ضد القوى الأجنبية المحتلة لبعض أقطارها كما في تونس والجزائر، أو رفضا للوجود الأجنبي وتدخلاته في الشؤون الداخلية كما في ليبيا والمغرب ، الأمر الذي دفع بالحركات النقابية على الولوج إلى عالم السياسة والانغماس فيه ومن ثم اصطدامها بالحكومات المحلية الموالية للقوى الأجنبية ، وترتب على ذلك قمع سياسي واعتقالات وتصفية جسدية للعديد من القادة النقابيين على أيدي المنظمات الإرهابية الفرنسية كما حدث مع النقابي فرحات حشاد ، أو على أيدي الأجهزة الأمنية في الحكومات المغاربية . "

 

مؤتمر طنجـة أكتوبر 1957 م.

قام القائد النقابي التونسي فرحات حشّاد بزرع بذور وحدة الحركة النقابية قبل اغتياله وتوجيه دعوة للقادة النقابيين في دول المغرب العربي لعقد مؤتمر من اجل تأسيس اتحاد نقابي مشترك وتنسيق الخطوات النضالية ضد الفرنسيين والطليان وذلك في الأول من أيار – مايو العام 1951 . وعن بدء تأسيس اتحاد نقابي لدول المغرب العربي يكتب د.المختار كرفاع:"إزداد التلاحم السياسي وتطابق الآراء بين الحركات النقابية الأربع حول العديد من القضايا الهامة التي كانت تعيشها المنطقة آنذاك ، ولعل أهمها قضية الاستقلال الكامل عن السيطرة الغربية. وتوج هذا التلاحم بعقد العديد من المؤتمرات واللقاءات بين قادة الحركات النقابية المغاربية " سالم شيته عن الحركة العمالية الليبية ، أحمد التليلي عن الحركة العمالية التونسية ، محجوب بن صديق عن الحركة العمالية المغربية ، عبد القادر معاشو عن الحركة العمالية الجزائرية " كان أولها مؤتمر طنجة بالمغرب الذي انعقد أيام 20 - 23 أكتوبر1957 م والذي تناول فيه المؤتمرون العديد من القضايا الهامة التي تهم شعوب المنطقة ومن أهمها قضية تحرير أقطار المغرب العربي تحريرا كاملا من جميع القيود التي تربطه بالاستعمار، ومن ثم الدعوة إلى أن التضامن بين الأقطار الأربعة لم يعد مرتكزا على العاطفة فقط بل أصبح أساسه الواقعية والفاعلية".
كان لهذا المؤتمر التأسيسي الذي استضافته الحركة النقابية المغربية وعلى رأسها النقابي الراحل محجوب بن صديق مكانة بارزة في تاريخ الحركة النقابية في المغرب العربي ، خاصة وانه قام ببحث موضوعات في المجالين النقابي – المعيشي للطبقة العاملة وفي الجانب السياسي والموقف من فرنسا كدولة تفرض هيمنتها على تلك الدول وتمت صياغة وإقرار مجموعة من القرارات في الموضوعين ، شكلت أسس التعاون المشترك الذي تم تطويره في المؤتمرات الأخرى التي عقدت في السنوات التالية.

 

* مؤتمر جنيف 1958

  "مؤتمر جنيف" عقد أيام 8-9 آذار- مارس 1958 وكان باشتراك قادة الحركة النقابية المغاربية وعلى رأسهم النقابي محجوب بن صديق وذلك على هامش اجتماعات مؤتمر منظمة العمل الدولية وتم اتخاذ العديد  من القرارات السياسية والنقابية من أهمها القرار المتعلق بالقضية الجزائرية ودعم الثورة هناك  وإعلان :"مقاطعة فرنسا اقتصاديا وعدم تفريغ سفنها الراسية في الموانئ المغاربية والتشهير بها عبر وسائل الإعلام المختلفة . "  والقرار الآخر الذي يجري توجيه إصبع الإتهام من خلاله للحركة النقابية التي أطلقت على نفسها "الاتحاد الحر" وكما جاء في القرار:" إجماع القادة الأربعة على اتهام الاتحاد الحر بالتقصير تجاه القضية الجزائرية وعدم إدانته للأعمال الإجرامية التي تقوم بها فرنسا في الجزائر".

 

* مؤتمر صفاقس 1961

بعدها عقد مؤتمر صفاقس في شهر آب/ أغسطس من العام 1961 والذي واصل ترسيخ الدور القيادي للحركة النقابية في دول المغرب العربي واتخاذ مواقف جريئة في القضايا الحارقة لشعوب تلك الدول ،الأمر الذي أثار قلق زعماء تلك الدول ومنهم الحبيب بورقيبة حيث قام بالبطش بالنقابيين والسيطرة على الاتحاد التونسي للشغل والأمر نفسه جرى في ليبيا ،أما في الجزائر فكانت الحركة النقابية جزءا من حركة التحرير الجزائري في الثورة التي خاضتها الحركة ضد الفرنسيين ، وفي المغرب يكتب الباحث المختار كرفاع :" أما الحركة العمالية المغربية فربما تكون هي الحركة العمالية الوحيدة التي لم تكن تشكل جزءًا من السلطة السياسية في المغرب، ولعل ذلك يعود إلى التعدد السياسي الذي عرفته المغرب منذ استقلالها دون غيرها من الدول المغاربية ، ولا يعني ذلك تمتعها بكامل حريتها كما هو الحال في العالم الغربي. " وهناك من يقول ان سبب ذلك هو القوة التي تمتع بها القائد النقابي الراحل محجوب بن صديق.

 

* السؤال :من يخلف هذا النقابي العملاق؟؟؟

أما بخصوص  مستقبل قيادة الحركة النقابية المغربية ورحيل بن صديق يقول محمد ضريف أستاذ العلوم السياسية في جامعة الحسن الثاني بالمحمدية  في مقابلة أجرتها معه الصحفيّة  مينة حوجيت من "المغاربية" يوم 20 أيلول 2010  بخصوص المرحلة ما بعد محجوب بن صديق في الاتحاد المغربي للشغل :"  أمور الخلافة، في نظري، جرى الترتيب لها في حياة المحجوب بن الصديق، إذ من الأكيد أن الأوضاع الصحية للمحجوب، خلال السنوات الأخيرة، كانت غير مستقرة، ما شكل واقعا ساعد قيادات جديدة على فرض نفسها داخل الاتحاد المغربي للشغل، لذلك، مسألة الخلافة محسومة، ولن يتأثر الاتحاد المغربي للشغل بغياب المحجوب بن الصديق."وقال ان الأمر محسوم و " أن كل المعطيات تؤشر على أن الخلافة ستؤول إلى الميلودي موخاريق. 
بالمقابل قال الناشط النقابي عبد القادر أزريع في المقابلة نفسها : "المنطق يفرض أن يتحمل أحد أعضاء الأمانة العامة مسؤولية تدبير المرحلة الانتقالية، في انتظار الإعداد لعقد مؤتمر وطني عام" واقترح أن تكون المرحلة الإنتقالية حتى عقد المؤتمر العام مرحلة يجري خلالها :"طرح قضايا مستقبل الحركة النقابية، وإعداد أوراق وتصورات حول التدبير النقابي، بما يأخذ بعين الاعتبار التحولات، التي تعرفها الساحة النقابية على المستوى الدولي".
ويُجمل المحاضر محمد ضريف تاريخ هذا النقابي العملاق بقوله:" المحجوب بن الصديق وجه سيذكره المغاربة لوقت طويل، ولا أقول إن جيلا واحدا فقط سيذكره، بل أجيالا كاملة، باعتباره وجها صنع العديد من الأحداث، منها، أنه كان من الذين انتفضوا في لحظة من اللحظات على حزب الاستقلال، الأمر الذي أدى إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، سنة 1959. وسيذكر المغاربة، أيضا، المحجوب بن الصديق زعيما نقابيا بامتياز، فلا أحد يمكن، اليوم، أن يذكر الاتحاد المغربي للشغل بمعزل عن اسم المحجوب بن الصديق. ورغم أن الصورة النقابية لهذا الرجل هي التي تكرست في الأذهان، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب أنه لعب دورا حزبيا في التاريخ السياسي المغربي، منذ مشاركته في تأسيس وقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية."
الحركة النقابية المغربية فقدت نقابيا فذا له تجربة واسعة وحنكة معتبرة في المجال النقابي والسياسي أيضا، رحيله يعتبر خسارة للحركة النقابية في المغرب خاصة وعلى الصعيدين العربي والعالمي عامة .
المصادر:
1- الحركة النقابية بالمغرب- إصدار الكنفدرالية الديمقراطية للشغل – ديسمبر 1995.
2- مقال لمحمد الخدادي – "محجوب بن الصديق – الزعيم المؤبد ." أيلول 2010.
3- النضال السياسي للنقابات العمالية في المغرب العربي- 1947 - 1961 م - د.المختار الطاهر كرفاع –  تموز 2008 .
4- تاريخ الحركة النقابية بالمغرب: الاتحاد العام للنقابات الموحدة بالمغرب( 1952-1943)- أرسلان شكيب – تشرين ألاول – أكتوبر 2008.
5- المغاربية – مقابلات منية حوجيت أيلول 2010.

قد يهمّكم أيضا..
featured

" أما آن للضمائر أن تصحو ؟؟؟ "

featured

إذا لم تصل المياه.. الأغوار على أبواب كارثة

featured

العودة الى البدايات

featured

هل كسوف بعض "نُخَب" لبنان بلا شفاء؟

featured

ترسيخ الغبن التاريخي بادعاء "الاصلاح"

featured

كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين اغتيل عام 1923