القهقرة والفرار حالتان تفرزان في كثير من الاحيان عكس ما تصوّران وتوحيان.
قد تكون القهقرة استراتيجية تدفع المتقهقر ليقف على منصة الظفر.. ألم يفعل هذا ونستون تشرشل في دنكرك؟
"الهروب ثلثا المرجلة" هكذا قالت العرب. في هذه الحالة لا نهرب من الشر لنغنّي له، بل لنواجهه من جديد وبثبات كان وهنًا قبل الهروب.
في هذا الزمن العربي الرديء ينخر سوس الهزائم عظامنا، وتتحول الفضائل في سلوكياتنا الى رذائل. في ايام السوس هذه، نتحسر على ايام زمان يوم تقهقر اعداء العرب امام اصرار العرب واتحاد العرب. هروبا من اليأس والاحباط والتمرغ في وحول الاخفاق نجد انفسنا نتغنى بالماضي مرددين قصص انتصارات سعد بن ابي وقاص على رستم الفارسي في القادسية غربي النجف الشريف عام 635م، وانتصارات خالد بن الوليد على البيزنطيين في اليرموك عام 636، وبعد هاتين بـ (551) سنة نجد انفسنا نتذكر باعتزاز امجادنا يوم صرع صلاح الدين الفرنجة في حطين.. سقى الله تلك الايام يوم سجل العرب امجاد تلك الملاحم.
فرارنا الى الماضي متجنّبين قسوة المرارات يعيدنا توّاقين الى البدايات على مستوى الافراد والجماعات.
بداياتنا مزهرة اما نهاياتنا فقاتمة مقزّزة. في كل محضر نسمعهم يرددون (سقى الله ايام زمان)، فجار اليوم المتضرر من جاره المسيء يتذكر قصص الاجداد واجدادهم يوم تحدثوا عن وشائج المحبة التي جمعت الجيران في عائلة واحدة..
اما المعلمون فأمرهم بالغ العجب! كان معلم الماضي سيّدا في قومه، يحترمه ويهابه الصغار والكبار.. اما معلم هذه الايام فأمسى موضع تندّر في احاديث الصغار فلا يحظى باحترام حتى من صغار يعلمهم وعلّم آباءهم.
لقد تآكلت مكانة المعلم الاجتماعية ليصبح موضعا للاستخفاف والاستهزاء. سقى الله ايام الماضي يوم اعتمر اولادنا العلم وفرائد الاخلاق.
ما اقبحه من حاضر نرى فيه تراجعا في تحصيل ابنائنا وانفلاتا قِيميًّا عندهم و عند اولياء امورهم!
هذا كله يدفعنا لنهرب من نهايات حاضر قاتم الى بدايات ماض كانت لنا فيه ايام عز وكرامة.
أخبرني سجين محرّر بعد اشهر من خروجه من الزنزانة ان له حلما بان يعود الى الزنزانة هربًا مما يرى من قبائح سياسية واجتماعية في مجتمعات عربية ثخُن جلدها لتصبح متَمْسِحة لا توجعها السياط!
هل هذا هو قدرنا ان ننسحب من كل ما هو عصري ونبقى راقدين في ماض كان زاهرا ولا نستطيع بعثه من جديد؟!
