• خاتمة
رغم محاولات تشويه صورة كامل البديري في الجرائد التي كانت تصدر في فلسطين في بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين، لم يكن كامل رجلًا مندفعًا أو متهورًا، بل كان وطنيًا حتى النخاع، وعمل بالتنسيق مع قادة الحركة الوطنية الفلسيطينة والعربية آنذاك. فالمعلومات التي أوردها عادل أرسلان عن الرسالة التي كان يحملها كامل حين غُدِر به من مفتي القدس وفلسطين الحاج أمين الحسيني إلى سلطان نجد في حينه عبدالعزيز آل سعود تثبت أن كامل لم يكن يعمل لوحده على بدء ثورة مسلحة لطرد الاحتلال البريطاني وإفشال مشروع وعد بلفور لإقامة وطن قومي للمهاجرين اليهود في فلسطين. وهذه المعلومة بحد ذاتها التي وردت في مذكرات عادل أرسلان تلقي الضوء على نوايا الحاج أمين وأهدافه السياسية، وتفتح أمام الباحثين الباب من أجل إعادة تقييم سيرة الحاج أمين وقرارته السياسية وسلوكه العام.
غير أن الكفاح المسلح في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني كما اتضح في قصة كامل البديري كان وما زال محكومًا بالصراعات السياسية في العالم العربي وخصوصًا في الأقطار المحيطة بفلسطين. ففي البداية كان كامل البديري يجمع السلاح بين العشائر في شرق الأردن ويهربها إلى فلسطين، لكن وصول الأمير عبدالله إلى شرق الأردن وضع حدًا لهذا النشاط ولم يعد تهريب السلاح إلى فلسطين مسموحًا به لأن الأمير عبدالله أصبح مؤتمنًا على المصالح البريطانية في شرق الأردن وحارسًا لها، ما اضطر كامل إلى البحث عن مصدر آخر للتسلح.
في الفترة التي بدأ فيها كامل البديري اتصالاته مع الإخوان النجديين كان الصراع بين آل سعود زعماء نجد والشريف حسين ملك الحجاز على أشده، رغم أن الطرفين كانا يحظيان بدعم وتأييد بريطانيا. وكان خالد بن منصور بن لؤي، أحد الأمراء الهاشميين ثار على قريبه الشريف حسين، إبان الحرب العالمية الأولى واستقل في تربة والخرمة شرق الحجاز، وما لبث أن أعلن ولاءه للسلطان عبدالعزيز آل سعود واعتنق المذهب الحنبلي الذي يتبعه إخوان نجد، فشن الشريف حسين حملة عسكرية بقيادة ابنه الأمير عبدالله لاسترداد تربة وتأديب بن لؤي، لكن السلطان عبدالعزيز وجه قوة من الإخوان بقيادة اثنان من كبار قادته العسكريين سلطان بن بجاد وسلطان بن مشعان لمساعدة بن لؤي وتمكن في عام 1919 من هزم الأمير عبدالله، الذي خرج منها سالمًا بأعجوبة، وسيطر آل سعود على تربة في معركة رهيبة سالت فيها دماء غزيرة، وفقًا لهاري سانت جون فيليبي الذي كان شاهد عيان على تلك المعركة وعمل ضابط ارتباط بين الحكومة البريطانية وابن سعود، وتركت أصداء تلك المعركة أثرًا كبيرًا في العالم العربي وأصبحت معلمًا تاريخيًا يتوقف عنده المؤرخون (23). في وصفه لمعركة تربة قال مؤلف كتاب "آل سعود" ديفيد هولدن: "عند الفجر لم يبق شيء من جيش عبدالله النظامي. فتم الاستيلاء على مدافعه وكان رجاله قتلى أو مبعثرين في كل مكان وهرب عبدالله نفسه بقميص النوم... وكان يمكن العثور على عظام القتلى الحجازيين غير المدفونين في ساحة المعركة إلى وقت متأخر في بداية عقد السبعينات من القرن الماضي"(24). بعد هذه المعركة أدرك الهاشميون أن مهاجمة ابن سعود لهم ومحاولته احتلال الأماكن المقدسة للمسلمين في مكة والمدينة المنورة هي مسألة وقت، وبالفعل تمكن ابن سعود من احتلال مكة والمدينة في عام 1924.
فاتصالات كامل البديري مع آل سعود والإخوان النجديين كانت تجري في الفترة التي كان الهاشميون أو الشريف حسين وأبناؤه مُستنفِرين خوفًا على مستقبل مملكة الحجاز، من جهة. ومن الجهة الأخرى كان عبدالله، ابن الشريف حسين، عُين من قبل البريطانيين أميرًا على شرق الأردن عام 1921 ووُضع تحت وصاية بريطانيا التي منحتها عصبة الأمم المتحدة في ذلك العام الانتداب على فلسطين وشرق الأردن. فشعر الأمير عبدالله أن أي تهديد للوجود البريطاني في المنطقة آنذاك وفي فلسطين بالذات يهدد مستقبل حكمه في إمارة شرق الأردن. فبريطانيا كانت مصممة على الاحتفاظ بسيطرتها على فلسطين، التي أصبحت أشبه بقاعدة عسكرية لبريطانيا ولعبت دورًا بارزًا خلال الحرب العالمية الثانية قد ساعد بريطانيا على الخروج منتصرة في تلك الحرب. لذلك لم تكن السلطات البريطانية تسمح بأي نشاط فلسطيني مسلح من شأنه تهديد سيطرتها على فلسطين. فكان لا بد لها من إجهاض التحرك الذي قام به كامل البديري والذي على الأرجح لم يكن تحركًا فرديًا، بل بالتفاهم والتنسيق التام مع قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها الحاج أمين الحسيني.
هكذا وقع كامل البديري ضحية للسيطرة البريطانية على فلسطين والصراعات العربية التي أحاطت بها في تلك الفترة، فوُئدت في المهد أول محاولة فلسطينية للبدء في الكفاح المسلح.
(إنتهى. نشرت الحلقات السابقة في الاعداد اليومية الثمانية السابقة، ويمكن مراجعتها جميعا على موقع "الجبهة").
//الهوامش
1 - تاريخ ما أغفله التاريخ – ستون عامًا مع الحركة الوطنية الفلسطينية وفيها، الدكتور خليل البديري، منشورات صلاح الدين، القدس، 1982، صفحة 11.
2 - المصدر السابق صفحة 12.
3 - المصدر السابق صفحة 13.
4 - وثيقة مكتوبة بخط اليد متوافرة في أرشيف مكتبة وقف عائلة البديري في القدس.
5 - وثيقة مكتوبة بخط اليد متوافرة في أرشيف مكتبة وقف عائلة البديري في القدس.
6 - وثيقة مكتوبة بخط اليد متوافرة في أرشيف مكتبة وقف عائلة البديري في القدس.
7 - مذكرات الدكتور خليل البديري ص 12.
8 - المصدر ذاته ص 12.
9 - The Changing Scenes of Life, An Autobiography by Sir John Glubb, page 96, Quartet Books, London 1983.
10 - رسالة بخط اليد موجهة إلى كامل البديري متوافرة في مكتبة وقف عائلة البديري في القدس.
11 - Palestine.. Disturbances in May 1921, Reports of the commission of Inquiry with Correspondence Relating Thereto, Published by Her Majesty's Stationary Office, London 1921
12 - رد كامل البديري على رسالة الإخوان، وهو عبارة عن وثيقة مؤلفة من ثلاث صفحات متوافر في مكتبة وقف عائلة البديري في القدس.
13 - مذكرات الدكتور خليل البديري ص 12.
14- رسالة من المندوب السامي البريطاني هيربرت صموئيل إلى وزارة المستعمرات البريطانية في لندن، وثيقة رسمية من وثائق الحكومة البريطانية متوافرة في الأرشيف الوطني البريطاني في حي كيو غرب لندن، ضمن ملف رقم (CO 26-733 and CO27-733).
15 - مذكرات الدكتور خليل البديري صفحة 23.
16 - المصدر السابق صفحة 23.
17 - جريدة "لسان العرب" عدد 456 بتاريخ 6 كانون الأول/ديسمبر 1923.
18 - مذكرات الدكتور خليل البديري صفحة 34.
19 - المصدر ذاته صفحة 34.
20 - المصدر ذاته صفحة 34.
21 - مذكرات عادل أرسلان، إعداد يوسف إبيش، صفحة 1174، بيروت 1983.
22 - مذكرات الدكتور خليل البديري صفحة 35.
23 - Sa'udi Arabia, Harry St John Philby, Ernest Benn Limited, London, 1955, page 277.
24 - The House of Saud, by David Holden & Richard Johns, Pan books London and Sydney, 1983, page 71.
