تظهر على أرض الواقع في منطقة آسيا الوسطى والجنوبية هوة عميقة من عدم الاستقرار يمكن أن تجر المنطقة كلها إلى فوضى عارمة تدوم عشرات السنوات، وهذا بطبعه يؤثر على عدد كبير من الدول ومنها روسيا وجمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقا وآسيا الوسطى وباكستان وإيران والصين والهند
انتهت في اللحظة الأخيرة المحادثات الصعبة التي أجراها الرئيس الأمريكي باراك أوباما وخصومه من الجمهوريين بهدف رفع سقف الدين الأمريكي، وأصبحنا شاهدين على جولة جديدة من منافسة حادة هدفها الحقيقي بالنسبة لأحد الطرفين عدم السماح بتمديد حكم الرئيس الأمريكي الحالي بينما يهدف الطرف الآخر إلى إبقائه في منصبه بعد عام 2012.
وقد قال مصدر قريب من الإدارة الأمريكية لكاتب هذه السطور "لو اقتصر الموضوع على الدين فقط لكان قد بت فيه خلال ساعتين فقط".
وعن لسان هذا المصدر مازالت المساومة في واشنطن قائمة على أشدها رغم الوصول إلى هذا الاتفاق المرحلي، ويحاول الجمهوريون عن طريق هذه المساومة السيطرة على سياسة أوباما الداخلية والخارجية وبذلك تحجيم إمكانياته أمام ناخبيه. والمسألة المهمة في هذه المنافسة مسألة تخفيض النفقات العسكرية وسحب القوات الأمريكية جزئيا من مواقعها في الدول الأجنبية ( وفي هذا الإطار اقترح ممثلو أوباما على معارضيه تقليص نفقات الميزانية الفيدرالية(، وحسب المصدر صار موضوع سحب القوات من أفغانستان النقطة الأساسية الحاسمة في هذا الأمر.
بلغ احتداد الأهواء في المطبخ السياسي الأمريكي مستوى جعل أطرافه تستخدم الدعايات الإعلامية الموجهة، فمن جهة سرّب معارضو أوباما إشاعة حول خطط للرئيس في إبقاء خمس قواعد عسكرية دائمة في أفغانستان بعد انسحاب قوات الناتو منها، وهذا ما أجبر السفير الأمريكي في كابول - بإيعاز من البيت الأبيض- على النفي القاطع لهذا الاحتمال.
وتظهر الأوساط السياسية في أمريكا مستوى منقطع النظير من الأنانية والجشع فيما يتعلق بالمسألة الأفغانية، فلم يترفع معارضو أوباما عن الألعاب السياسية المتدنية وبشكل واضح كما في حادثة الأب جونسون التي أدت إلى صدامات دموية في أفغانستان.
ولكن هذه الألعاب السياسية الداخلية وعدم استقرار التوجه الأمريكي في المسألة الأفغانية يمكن أن يؤدي إلى نتائج إستراتيجية خطيرة، إذ تظهر على أرض الواقع في منطقة آسيا الوسطى والجنوبية هوة عميقة من عدم الاستقرار يمكن أن تجر المنطقة كلها إلى فوضى عارمة تدوم عشرات السنوات، وهذا بطبعه يؤثر على عدد كبير من الدول ومنها روسيا وجمهوريات الإتحاد السوفيتي سابقا وآسيا الوسطى وباكستان وإيران والصين والهند.
حضر كاتب هذه السطور في الأسبوع الماضي اجتماعا طارئا لبحث موضوع انسحاب قوات الناتو من أفغانستان، ونظم الاجتماع مركز دعم المبادرات الشعبية "الدبلوماسية الخلاقة" وصندوق الآفاق التاريخية، وقد أشار المشاركون فيه إلى ملابسات المرحلة الحاضرة من الأزمة الأفغانية.
أولا، يمكن اعتبار مهمة حلف شمال الأطلسي اليوم مهمة فاشلة، وثانيا، يمكن لانسحاب القوات الأمريكية المفاجئ أن يؤدي إلى كارثة دولية، وثالثا، يعتبر العامل الباكستاني عاملا أساسيا في حل المشكلة الأفغانية. ويقول المستشرق الروسي غيورغي ميرسكي في هذا الصدد: "لا يمكن أن تنتهي الحرب في أفغانستان بنجاح دون النصر في باكستان".
وبعض المصادر في البيت الأبيض تقول أن الوسط المحيط بأوباما يؤيد الرأي المذكور، وفي إطار المحادثات المغلقة التي كان موضوعها رسميا البحث في أمر الدين الأمريكي تم بحث أمور أخرى بعيدة عن الدين بما فيها المسألة الأفغانية، حيث حاول أنصار أوباما إقناع الجمهوريين بأهمية التركيز على المشكلة الباكستانية التي لا ترتبط بالضرورة ببقاء القوات الأمريكية كليا أو جزئيا في أفغانستان.
ولكن حسب المعلومات التي نملكها لا تثير المسألة الأفغانية أي اهتمام عند المعارضين الجمهوريين، والأهم بكثير بالنسبة لهم الوعود الانتخابية كانسحاب القوات وما ينتج عن هذه الوعود وعدم تحقيقها من نفور الناخبين من رئيسهم.
أي لتحقيق مصالحهم الخاصة في المنافسة السياسية مع الرئيس الحالي يجب إبقاء الأمور على حالها على الأقل في السنة ونصف السنة القادمة لا بل وزيادة حدة هذا النزاع، هذا الموقف يولد مشاريع خيالية فعلا كمخطط بليكفيل السفير الأمريكي المتقاعد الذي اقترح تقسيم أفغانستان إلى قسمين، وفي هذا الصدد تقول الخبيرة الروسية ناتاليا بورلينوفا "يتوافق هذا المخطط تماما مع منطق السياسية الخارجية الأمريكية التي تعمل لتحقيق مصالحها الخاصة حتى ولو تعارضت مع القوانين والأعراف الدولية".
دراسة الوضع السياسي الداخلي في أمريكا تظهر أن الجمهوريين في مواجهتهم للرئيس يركزون للأسف الشديد على تكتيك الارتباطات ويريدون أن يحصلوا على أقصى ما يمكن مقابل التنازل في موضوع الدين، من الصعب التنبؤ عن مستقبل الأحداث وعما توصلت إليه المحاورات الأمريكية في واقع الأمر، ولكن من الواضح أن هذه الاتفاقات مؤقتة والمواجهات الحقيقية مازالت تنتظرنا في المستقبل. ولكن استمرار واشنطن في هذا التوجه أي الانغراس في العراك السياسي الداخلي ضاربة عرض الحائط بالأعراف الدولية يمكن أن يؤدي إلى نتائج فادحة في المستقبل القريب في العالم كله بما في ذلك في الولايات المتحدة نفسها.
* أستاذ مساعد بكلية السياسات الدولية، جامعة موسكو
* * *
الاحتكار الأمريكي يلفظ أنفاسه الأخيرة
يشارف الاحتكار الاقتصادي العالمي للولايات المتحدة على نهايته ، كما يعتقد رئيس جمعية البنوك الروسية غاريغين توسونيان . وبغض النظر عن الاعلان الاميركي عن حالة الافلاس او عدمه ، سيتم "ازاحة الدولار جانبا" كما يثق بذلك المحلل المالي .
إن الولايات المتحدة على حافة الافلاس. واذا لم يتمكن السياسيون في واشنطن من رفع سقف الديون ، فانه بعد بضعة أيام ، من الممكن ان يصبح مثل هذا السيناريو للمرة الاولى في تاريخ البلاد حقيقة واقعة. وسيشعر باثاره كل الاقتصاد العالمي كما تقول رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد. وقد وصلت المواجهة بين الرئيس باراك أوباما والاغلبية الجمهورية في الكونغرس الى ذروتها. وقد اصبح النظام المالي العالمي رهينا للخلافات السياسية في الكونغرس الاميركي ، كما يقول توسونيان: لا يمكن للسوق المالي العالمي ان يكون مضمونا تماما من أي قوة قاهرة. ولكن إذا تم تقييم الوضع الحالي في الولايات المتحدة ، فنحن نرى صراعا سياسيا بحتا. في الوقت نفسه ، اذا تذكرنا السنوات السابقة ، فإن الاحزاب المتصارعة لم تتفق ابدا على زيادة مبلغ الديون. الا ان الزيادة التالية قد حدثت . والشيء آلاخر ،هو هل يمكن أن يستمر الوضع على هذا المنوال إلى أجل غير مسمى؟
بالرغم من ذلك يعتقد غاريغين توسونيان ان احتمال افلاس الولايات المتحدة هو واقعي جدا . ومع ذلك ، فانه في أي حال من الاحوال فان الاحتكار الاقتصادي لواشنطن للنظام المالي العالمي يشارف على نهايته ، كما يثق بذلك الخبير الاقتصادي.
أميركا لن تكون قادرة على وضع نفسها كبلد وحيد يملي شروطه على جميع أنحاء العالم. والدليل على ذلك ايضا اليورو نفسه ،الذي برز كمنافس للدولار منذ أكثر من 10 سنين ، اما اليوم فانه عملة صعبة احتياطية. اما روسيا فانها اليوم تتعامل بنسبة متساوية فيما يتعلق بالدولار واليورو.
ويتخذ موقف مماثل رئيس لجنة الدوما للسياسة الاقتصادية يفغيني فيودوروف.حيث اشار في مقابلة مع اذاعة "صوت روسيا"، ان الولايات المتحدة قد تخسر في نهاية المطاف لقب صاحبة أكبر اقتصاد في العالم. وهذا واضح ، لأن الولايات تشتري اكثر مما تبيع ، في حين أن الإنفاق العام هو أعلى من نمو الايرادات الضريبية ، كما يقول يفغيني فيودوروف.
في الواقع ، فان الافلاس يكمن في أن الأميركيين لا يعيشون حسب امكانياتهم المادية . بل يستخدمون النفوذ السياسي من اجل سرقة شعوب الدول الاخرى في العالم. لا أعتقد أن الأميركيين سيقومون برد ديونهم في وقت من الاوقات .
يراقب كل العالم الآن أمريكا. لانه اذا لم يتم اتخاذ تشريع قانوني لرفع مستوى دين الدولة ، فانه لن يكون هناك لدى الحكومة الاموال لتغطية النفقات الجارية. وسترتفع الفوائد على الديون الخارجية، وسيكون هناك عدم استقرار للسندات الحكومية والدولار . وعلى هذه الخلفية ، يتكهن العديد من الخبراء حدوث موجة جديدة من الازمة المالية العالمية ، ستكون اكبر بكثير من ازمة عام 2008 .
الغريب أن بعض المحللين يعتقدون أن مثل هذا "الهزة" في الاقتصاد العالمي هي ضرورية حاليا . وهذا يساعد على الانتقال من القديم إلى نماذج اقتصادية جديدة. بالمناسبة ، فان الاقتراح بتفكيك النظام السياسي –الاقتصادي أحادي القطبية في العالم قد طرح من قبل العديد من البلدان ، بما فيها روسيا. وهذا يشمل إنشاء عملة احتياط جديدة ، بما فيها اقليمية ، والتي ستكون تحت سيطرة المجتمع الدولي بأسره . عندها يمكننا أن نتوقع منافسة حقيقية بين العملات والاقتصادات ، بدلا من تضخيم الفقاعات المالية الجديدة التي تهدد العالم.
