في مثل هذه الأيام قبل أربعة أعوام غادرَنا قائد شيوعي عزيز، بعد صراع بطولي مع مرض نال من جسده دون أن ينال من صفائه الذهني والفكري والسياسي، هو الرفيق الدكتور أحمد سعد، رئيس تحرير "الاتحاد" وعضو المكتب السياسي لحزبنا الشيوعي وعضو الكنيست السابق.
وأبى أبو محمد الرحيل إلا في ليلة مسيرة العودة، يومئذٍ، في ذكرى قيام دولة إسرائيل على أنقاض شعبنا المنكوب، وكأنّ الأقدار قد شاءت أن يعود ابن قرية البروة المهجّرة إلى القضية التي دفعت به إلى صفوف "الحُمر"، راضيًا مرضيًا بمسيرة نصف قرن ونيّف من النضال.
أتذكّر الرفيق أحمد سعد شيوعيًا أصيلاً وعنيدًا، وإنسانًا دمثًا. أتذكّر كيف كان يحنو علينا، نحن الشباب اليافعين في الجريدة. أتذكّره نموذجًا في التواضع، وأتذكّر حرجي منه حين كان يصبّ القهوة ويضع لي الفنجان على مكتبي، أنا "ابن امبارح"، وقد ارتسمت على وجهه الأسمر الطيّب تلك الابتسامة الهادئة.
أتذكّر حرصه على الحزب، ومواقف الحزب، وجريدة الحزب. أتذكّر كيف كان يحاورني حين أكتب مقالاً حماسيًا، ويصوّب أخطائي وهفواتي، ويشرح لي موقف الحزب وحذافيره ودوافعه، ويقنعني في معظم الأحيان. أتذكّر مقالاته الأسبوعية المرجعية، المتجهّمة أحيانًا، ومعالجاته العلمية المتعمّقة للقضايا العالمية والإقليمية والمحلية، وتشبثه ببواصل الفكر الثوري الأممي وبالثوابت الوطنية. وكم افتقدنا هذه المقالات والتحليلات في شأن "الربيع العربي" والأزمة السورية تحديدًا.
أتذكّر كيف كان يناقش رفيقًا حول مقال هنا أو خبر هناك يتعارض وموقف الحزب في هذه القضية الجوهرية أو تلك، فيشرح، ويتأنّى، ويحاور، ويجادله بالتي هي أحسن، ثم إذا خلـُص إلى أنّ الرفيق يعتمد فلسفة "عنزة ولو طارت"، كان ينهره: "هذه جريدة حزب، مش سوبر ماركت!".
وأتذكّر، أكثر ما أتذكّر، تشديده دائمًا على حق العودة، وقضية اللاجئين. فقلما تجد مقالاً أو تعليقًا لأحمد سعد لا يؤكد فيه على "الحل العادل لقضية اللاجئين حسب مقرّرات الشرعية الدولية"، إضافة إلى "الدولة الفلسطينية كاملة السيادة في حدود السبعة وستين وعاصمتها القدس الشرقية وكنس المستوطنات وتفكيك الجدار"، وغيرها من الجمل التي حفظناها "مثل الله واحد". فكم كتب رفيقنا الراحل، في هذه الزاوية خصيصًا، عن قصص المهجّرين، أبناء عمقا والكويكات والبصة وغيرها، بتوقيع خالد البرناوي وشاهد عبد الحق.
ولو بُعث أبو محمد حيًا اليوم، لكتب أكثر وأكثر عن هذه القضية المقدّسة التي تتعرّض لأخطر المؤامرات من حكّام إسرائيل وأمريكا ومن النظم الرجعية، ومن بعض القيادات الفلسطينية.
ستبقى ذكراك طيبة وتعاليمك خالدة فينا أيها البرناوي الأصيل.
