شهرزاد، هو اسم الفتاة التي تقص حكايات الف ليلة وليلة ، وكانت تردد هذه القصص عند عربنا للترفيه عن المارة في بغداد خلال العصر الوسيط، رغم ان اصلها يعود الى الهند وبلاد فارس. وما اشبه البارحة بأيامنا الحالية، وما وجه تماثل مضمون ومغزى قصص شهرزاد لشهريار الجبار بواقعنا السياسي اليوم، وشبهها بالحالة الفلسطينية التي ما زالت تعاني آلام المخاض من اجل الخلاص والحرية ؟
فكلمة شهرزاد تتكون من كلمتين فارستين، "تشهر" و "زاد" وتعنيان "العريق الأصيل"، وشهريار زوج شهرزاد اسمه يتكون من لفظتي" شهر" و "يار" اللتين تعنيان "صاحب المملكة" ( ذكروا ... انه كان في قديم الزمان في ملك بني ساسان، في جزر الهند وصين الصين مليكين اخوين، الكبير يقال له شهريار والصغير يقال له شاه زمان، وكان الكبير شهريار فارسا جبارا وبطلا مغوارا ملك من البلاد اقاصيها ومن العباد نواصيها... وقد دانت له البلاد)" الف ليلة وليلة" - بيروت -المكتبة الشعبية ، المقدمة) . واختصار الحكاية ومأساة شهريار الذي اكتشف خيانة زوجته مع عبده، فأمر بقتل زوجته وعبده، ولم تقف رغبته في القتل عند هذا الحد، بل طلب من وزيره أن يأتيه كل صباح بعذراء يتزوجها ليلة واحدة ويدفع بها في الفجر الى المقصلة ليقتلها. " ولم يترك الملك شهريار يأخذ كل ليلة بنتا، من اولاد التجار وبنات العامة، ويبات معهم ويصبح يقتلهم، حتى فنيت البنات وتباكت الأمهات وضجت النسوة والآباء والوالدات، وصاروا يدعون على الملك بالآفات ويشكونه الى خالق السماوات، ويستغيثون السامع الأصوات ومجيب الدعوات " (المصدر ذاته ص 66).
"الف ليلة وليلة" تشابه المأساة الفلسطينية ، مأساة مليئة بالكراهية والدم، ونحن المتفائلون نعرف نهايتها المحتومة بفضل عبقرية شهرزاد الفلسطينية الجريئة، وبراعتها في فن التواصل، وتأجيل العنف السياسي، (حاليا) واستعمال سلاح التمرد السياسي على المحتل وموبقاته.... وتتمة الحكاية ... لم تبق هناك الا أسرة واحدة تملك بنات عذراوات في مملكة شهريار، وهي اسرة الوزير الذي اشرف على قتل الفتيات، اذ كانت له بنتان هما شهرزاد ودنيا زاد . " فقالت لأبيها يوما يا ابتاه، اني مطالعتك على ما في سري. فقال وما هو ؟ قالت: أشتهي منك ان تزوجني الى الملك شهريار، اما انني أتسبب في خلاص الخلق واما انني اموت وأهلك " (المصدر ذاته ص 68 ) . انها صورة المقاومة والبطولة السياسية في ارقى تجلياتها، شهرزاد لا تذهب الى الموت بسذاجة ، بل لها استراتيجيتها وخطتها المضبوطة . تتحدث الى الملك وتشد انفاسه اليها، الى حد يجعله غير قادر على التخلي عنها وعن موتها، " قال الملك في نفسه والله لا اقتلها حتّى أسمع بقية الحديث وأقتلها ليلة الغد " ( الف ليلة وليلة ص 74) . فسهل فهم المعادلة: تحويل غرائز مجرم يستعد لقتلك عن طريق الحكاية او الرواية الناجحة فهذا يعتبر انتصارا رائعا . وافهم ان استراتيجية شهرزاد الفلسطينية تتجلى في ثلاث مزايا استراتيجية : اولاها معرفتها الواسعة، التي اكتسبتها من تراثها النضالي المتراكم، بمده وجزره وطوله وقصره، وثانيتها قدرتها في خلق التشويق، بشد انتباه المجرم وارباكه في تنفيذ مآربه، اما الثالثة وهذه المهمة هدوءها وتحكمها بالموقف رغم الخوف.
الخصلة الاولى،ذات طبيعة ثقافية وحضارية، والثانية ذات طبيعة نفسية تدري كيف تختار وتنسج كلماتها وبيانها وروايتها لكي تنفذ كسهام الى روح المجرم ، وبذلك تواجه العنف بالحوار . فاعتماد الكلمة كسلاح وحيد (الآن) في صراع قاتل يشكل اختيارا جريئا بشكل نادر ، (ويا للتشابه) ... على الضحية التي عليها اذا شاءت توفير حظ لها في الانتصار، عليها ان تفهم دوافع المعتدي وادراك نواياه، وتحوير الهجمات عن طريق المبادرة والمبادأة والسبق كما يحصل في لعبة الشطرنج لذا فشهريار ظل في البداية صامتا، اكتفى خلال الاشهر الستة الاولى بالاستماع الى ضحيته دون ان ينبس ببنت شفة ، وكانت شهرزاد تدرك عواطفه من خلال تعابير جسده ووجهه . وامتلكت الشجاعة الكبيرة للاستمرار في التحدث وحدها خلال الليل متجنبة الخطأ النفسي ومتلافية الخطوة القاتلة . بالضبط كما يفعل صانع الاستراتيجية الذي يستعمل معرفته لتوقع ردود فعل الخصم ووضع " تكتيكاته" . فتخيلت شهرزاد الفلسطينية ما يدور بخلد شهريار الاسرائيلي باستمرار وبأكبر قدر من الدقة، لان ابسط خطأ قد يكون قاتلا .
شهرزاد الفلسطينية تتحكم بخوفها من خلال هدوء أعصابها ووضوح افكارها ، وتتسلم زمام اللعبة عوض الانقياد للخصم ، ولم تفعل كما تفعل مصاصات الدماء الهوليوديات او وصيفات الرسام ماتيس، رمين بأجسادهن العارية في خمول على فراش الملك .. وشهرزاد لو فعلت ذلك لودعت الحياة... لأن شهريار لم يعان من الحرمان بكل اشكاله، بل عانى من احساس حاد بالنقص المرتبط بالشعور الابدي بخيانة العالم له، كما اعتقد ويعتقد ، حتى بات وامسى وغدا يتاجر بمأساته ليبقى ويعيش ( كما كانت خيانة زوجة شهريار له تعبيرا عن انهيارحياته وعالمه كله) . ورب كثيرين يتساءلون بحيرة وغضب... ما هذا الهرج والمرج اللامجدي والخيال الشرقي الجامح، صارخين : حكت شهرزاد وحكت مئات وآلاف الحكايات، وشهريار ما زال ينتظر الانتقام ويميل للدم والعنف والاحتلال والحرب.
بل البطولة في التواصل مع كيان عنيف، والتحدث ايضا معه عن الجرح الذي ينزف ويؤلم اعماقه لعلاجه منه، انها مجازفة تشكل قدرة استراتيجية كبيرة، وثورة تقوم بها شهرزاد الفلسطينية كرائدة ثورة تحفز الضعفاء على التمرد .
فشهريار لم يتوصل بعد لقراءة مصيره المأساوي، وشهرزادنا لم تصدر حكمها عليه بعد بأن يغير طريقته في الحياة حسب رغباتها ، ولم ولن تصمت بعد اليوم، وستبقى تتحدث وتصرخ وتستصرخ الملأ وكل القمم العالمية الاممية متى شاءت وارادت ، تتحدث عن قضيتها وعن حريتها . هل نجحت شهرزادنا في تغيير تصور العالم لها وتغير تصور العالم عند شهريار، وان ادركها النهار ... فالخلاص الذي ترجوه يبدأ حين يتم الحوار بين المضطهد(بكسر الهاء) والمضطهد، بين القوي والضعيف، ولا يمكن لأية حضارة ان تزدهر حقا، الا اذا تعلمت الشعوب نسج علاقة مع الشعوب الأقرب اليها .
واخيرا هل استطيع ان اكتب انا عبدكم السياسي الهاوي غير المحترف .. " وأدرك شهرزاد بد ولا مناص .. حتى لاح لها فجر الخلاص.."
" الكافرون"
أما قبل...
بعد العياذ من الشيطان الرجيم وباسم الله الرحمن الرحيم " قل يا ايها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا انتم عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين. " صدق الله العظيم .
لقد خاب ظن الرسول المصطفى (صلعم) بمن سيخلفه " لا هم الأتقياء، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ... " في زمن تكون فيه الأمة متفرقة، ضعيفة ، فيها ممالك كثيرة، ويحكمها خلفاء كثيرون، يقبلون على المنكر ويعاقبون النّاس على الصدق والمعروف، فيتحوّل الحال الى الارذل " . قيل يا رسول الله : " وما هي علامتهم ؟ " قال: " تدنس أولى القبلتين وثالث الحرمين، فلا يتحرّك لهم قلب، يرضخون واهمين لشيطان الدنيا الأكبر، فيصبحون كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا ابقى . وجاء في تفسير الهلالين: ان الكافرين هم الخلفاء القائمون وأبناؤهم الذين يقومون على الناس بعدهم."(الخلفاء القائمون- ص173 ).
اما ابو النظافة فقال في تفسيره : الكافرون هم الخلفاء القائمون، ولا يتبعهم احد في كفرهم.
ولماذا هم ملعونون ؟ لانهم لرعيتهم ظالمون. لا حرية ولا رخاء يعطون. ( حتى آخر اللعنة من ص 151-153 ). وما هي متوالية هزائمهم؟ "كانوا اهل القضية الفلسطينية ....
وبعد الهزيمة الاولى صاروا اشقاء لها.
وبعد الهزيمة الثانية صاروا ابناء عم القضية .
وبعد الهزيمة الثالثة فقدوا صلة الرحم وصاروا اصدقاء فقط .
وبعد الهزيمة الرابعة استثقلوا الصداقة وصاروا من معارفها .
وبعد الهزيمة الخامسة تنصلوا من المعرفة وصاروا وسطاء بين القضية واعدائها .
وبعد الهزيمة السادسة صاروا غرباء بالكاد يعرفونها بالوجه ." (ص148-149).
الى ان توصلهم هزائمهم وتخاذلهم الى اعتاب البيت "الاسود " والسي آي أي .
ويمكننا التأكيد ان هذا ما تعسر فهمه من قبل شعوبنا مبكرا، ولكان انقلب الميزان مبكرا، على رؤوس خلفائهم الساقطين الكافرين .
(يتبع)
توابل
هذي الخلافة قد تقاصر طولها تعلو بسنتمتر عن بسطاري
هذي الخلافة قد تدانى موتها لا بد من نعي على الفجار
والدفن لا بد يكون بليلة سوداء تخفى بالدجى للعار
والدفن لا بد يكون بسرعة كيما يعود النور في الأسحار
( من مدونة حتمية السقوط للخلفاء القائمين على خوازيق . للشاعر الاديب علي بن هيبي الكابولي الكاشو-عي ، ص 113-114 وعذرا على التصرف الحيدري، فيما يدري) .
كتبت في مدينة " كاليفا" اسبانيا، منطقة كاتالونيا – برشلونة 28\6\2011 .
