أقام معارضون فلسطينيون يستوطنون الفيس بوك دربا للآلام، عاشوراء مأتما جنائزيا متجولا بل حائط مبكى يجوحون وينوحون فيه على مخيم اليرموك واهله في سوريا. جمع لا بل خلط الجنائزيون النواحون الجدد في تقليد مبتكر الحزن والردح والقدح والذم في انائهم فلم يكتفوا بتحميل الرئيس بشار الاسد والحكومة السورية مسؤولية حصار المخيم وتجويع اهله بل طالت أقلامهم وألسنتهم باقذع الاوصاف كل من يحيد عن احكامهم النهائية والمطلقة. اللافت ان سرب النواحين هذا قد طفا على السطح بعد ان قال سيف دمشق كلمته وصمتت الكتب في حضرة اخبار ميدان تصدح مبشرة بحصانة قصور دمشق، حلب وحمص وحاراتها وتراثها وحتى حجارة آثارها، انقلبت كوابيس تقض مضاجع باراك اوباما وديفيد كامرون وذلك الباريسي البغيض القابع في الأليزيه.
عربان النفط والغاز المستشيخون المستأسدون حمد بن جاسم، وبندر بن سلطان كأمثلة لا للحصر افل نجمهم وذهبت ريحهم ومعها بعبعات عنترياتهم وحتى مالهم ذهب هباء منثورا. سوريون وفلسطينيون وعرب كثر تجاهلوا دروس نزار قباني في الوطنية وحب الوطن فلعقوا علقم خيبتهم وخمول اجسادهم الا من رحم ربي ونجا بحفنة قروش او منفى جديد، فلاذ في ضباب صمت اللجوء وغربة لا ترحم لينضم الى قطيع البطالة الابدية وحياة القلة والزعيق المتواصل استهلاكا لطاقة كامنة وقوة عمل قهرها من يبغضون العمل الخير والمنتج.
مثقفون، كتاب، نقاد وحتى فنانون فلسطينيون وسوريون انطلت عليهم شعارات الديمقراطية المعلبة المشبعة بنعيق طائفية حملها على عجل من الحدائق الخلفية للبيت الابيض، عشرة داوننغ ستريت والاليزيه سفراء ومخبرون دوليون واقليمون ليلقوا بها في احضان تجار الدين ومحازبين حزموا فتاويهم في اكياس طائفية سوداء، يذرون رمادها باسم الله والطائفة والعباد وقد فاتهم ان الله خلق الارض للناس جميعا وان الله هو من قال: "من قتل نفسا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا"، جاعلين الحرب والعنف اداتهم لتحقيق مآربهم. اللافت ان من يحمِّلون الرئيس الاسد وحكومته وحدهم مسؤولية ما جرى ويجري من تدمير منظم لبلاد الشام وتدمير المدن وقتل المدنيين هم انفسهم من يشتمون الرئيس ابو مازن، وقبله صدام حسين وياسر عرفات وحتى روسيا وقبلها الاتحاد السوفييتي العظيم وهم انفسهم من يخربون في الناصرة والضاحية الجنوبية لبيروت. لم ينجُ مؤمن من شر تحليلات هذه "الاوبة" وبدعهم.
الحقيقة والشهادة لله ان منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية اتخذتا موقفا متعقلا لا بل رصينا على عكس جماعة الاخوان وفرعهم الفلسطيني المنقلبين على حلفائهم في طهران ودمشق ليركبوا مقطورة حمد وبندر عملا بمبدأ: انصر أخاك ظالما او ظالما.
*موقف متعقل*
حرية الاختيار كانت ولا زالت ممنوعة على العقلاء، فمنذ راح متنفذو "الجزيرة" و"العربية" ينفثون سموم الموت والتحريض المرفق بالصوت والصورة دعوة للعنف بقيت كثرة من المعارضين السوريين ونخص بالذكر الزميل هيثم مناع وما يمثل على رباطة جأشهم وكذا كثير من المثقفين الفلسطينيين على موقفهم المتعقل. وفود المنظمة والسلطة الفلسطينية رابطت في دمشق وكان آخرها قوافل المساعدات الانسانية التي حملها وصحبه الصديق الوزير احمد مجدلاني. توقفت القوافل عند ابواب المخيم ليرد بالنار والرصاص حامليها على اعقابهم اكثر من مرة قبل ان يدفعوا الاتاوة اوالخاوة لارهابيين اغتصبوا نهارا جهارا قيم الاسلام وسماحته فاستباحوا حقوق الانسان واقاموا لأنفسهم مزارع متناحرة.
دعم اهل مخيم اليرموك واجب تمليه الشرائع الوضعية والسماوية، القانونية والاخلاقية، المكتوبة منها والعرفية. ألا يمكن لفعل الخير ولا فرق هنا بين كلمة السواء او عطاء مادي يأتي على قدر اهل الهمم ان يتجلى؟ الا يمكن في مأساة اهل مخيم اليرموك على وجه الخصوص التفريق بين الانساني والسياسي، الحزبي والوطني؟ أليس اشعال شمعة في الظلام خير من لعن الظلمة والشيطان؟ في الشأن الانساني نسأل: اين هم ابناء الجاليات الفلسطينية في اوروبا وامريكا وروسيا والصين واليابان الذين يعدون بالملايين؟ ماذا لو قدم كل فلسطيني 1% من راتبه الشهري لدعم من جاء من رحمهم؟ في الشأن السياسي: لماذا كل هذه الافكار والمعلومات المكررة والمجترة عن ديكتاتورية الدولة السورية والرئيس الاسد؟ هل حكومات حمد، بندر، الحريري اكثر ديمقراطية من حكومة الاسد؟ هل كان الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي اكثر ديمقراطية من مبارك؟ هل نور المالكي والرئيس ميشال سليمان اكثر ديمقراطية؟ من الذي جعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلها فوق النقد؟ اليست هي نفسها نفس الالسنة وبنفس العبارات مع تغير الوجوه وفق الازمان والاعمار؟
تقول التجربة التي لخصها المثل الشعبي العامي "ظليت اصلي حتى حصلِّي ولما حصلِّي بطلت اصلي". هذا بالضبط ما يطبق ويلتزم بحذافيره سواد الحزبيين والسياسيين الفلسطينيين. عندما استقال او اقيل لا فرق المرحوم وديع حداد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التزم الجميع الصمت فرحل الرجل مغدورا على ايدي اقرب الناس اليه. عندما وقع بعد عقدين من الزمن المناضل كارلوس وجورج عبد الله في الاسر خيم صمت القبور فوق رؤوس رفاق الامس. سأحتفظ باسطورة جورج حبش جانبا الى ان يأتي وقتها. عندما عاد ابو عمار الى رام الله ارتدى مطلب اصلاح منظمة التحرير عباءة منتفخة بمصالح المستوزرين اليساريين المتناحرين في ما بينهم. نعم ان سياسات وسياسة منظمة التحرير هي وهم المسؤولون عن ما آل اليه وضع الفلسطينيين في الشتات والوطن. نسأل من كان له شرف طرح قانون المنظمة القائل بـ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية" للنقاش؟ أوليس الفلسطينيون في لبنان وسوريا والعراق والأردن جزءًا من منظمومة العلاقات الرسمية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية لتلك الدول؟ لماذا لم ينادِ اصحاب النقد والاصلاح في الشأن الفلسطيني بجعل اتفاق القاهرة 1969 بين م.ت.ف. والدولة اللبنانية تشريعا يسنه مجلس النواب اللبناني؟
*من قصص "المرصد"*
انتشرت في الاردن مطلع سبعينيات القرن الماضي نكتة "طالع المالوش من جيبك" والتي يعرفها اهل مخيم الوحدات وايلول الاسود التي لن يمحوها النسيان. في لبنان راجت بعد 1982 نكتة "الفلسطيني الايدمي". مخيم النبطية؛ سُوي بالارض في 1975 ، وكذلك مخيمات: جسر الباشا 1976، تل الزعتر 1976، الداعوق 1985 واخيرا وليس آخرا نهر البارد 2010. مجازر مخيم ضبية 1976 ، صبرا وشاتيلا 1982 وحصار مخيم شاتيلا، برج البراجنة، عين الحلوة، الرشيدية، البرج الشمالي والبص 1985 - 1989 اخضعت لحرب ابادة وحصار دام خمس سنوات عجاف. في عراق الطائفية عفوًا "التحرير" 2003 تم ذبح الفلسطيني على الهوية، وقبلها او بعدها لا فرق الكويت وامارات النفط الخليجية نكلوا جميعا بالفلسطيني على الهوية وشرد اطفال فلسطين ونساؤها فلم يجدوا لهم مأوى الا في مخيمات لجوء جديدة في البرازيل. في ليبيا طردت الحكومة الليبية الفلسطينيين في بواخر وشردوا الى معبر "باب الهوا"على الحدود التركية – السورية ولم يعودوا الى لبنان الا بعد ان سرق لصوص الوطن والقانون كل ما ادخروه لأبنائهم.. هذا فقط لتذكير العقلاء من النقاد.
للمتلحفين بعباءة " الائتلاف السوري المعارض" ننقل غيضا من فيض ثوار لندن. أفرط قارئوا نشرات اخبار فضائية "العربية" كما شريط اخبارهم عندما كانت الانتفاضة السورية في بدايتها في نشر خبر يتعلق بالمعارض السوري المدعو بسام جعارة . ومن اطرف تلك الاخبار ما اتصل بدعوته اي جعارة مجلس الامن الى البقاء في حال "انعقاد دائم" الى حين اتخاذ قرار بغزو دولي لبلاد الشام . . . تكرار قبيح لخيانة سيئ الذكر التشلبي.. اما السيد جعارة ونتناوله هنا كشخصية عامة لا بشخصه او خصوصية شخصيته لم يكن الا كاتبا فرضه اصحاب القول والنهي على صاحب جريدة القدس العربي اللندنية بحسب ما صرح به صاحب الجريدة لنفر من صحبه ربما في احدى خمارات همر سميث وسط لندن (في مجتمع "الرفاه" الرأسمالي احتساء الخمرة يطلق ألسنة المكبوتين والمقهورين). ليس هذا وحسب بل ان ورود السيد جعارة لندن محل شك وتساؤلات لا حصر لها. لو قدر لكاتب ان يعد دراسة او بحثا علميا عن معارضي لندن من السوريين وقبلهم العراقيين لصدم المواطن العربي بالحقيقة التي تفقأ العيون.
في مدينتي النائية عن هموم فقراء العالم العربي والبعيدة عن دمشق وبيروت والقاهرة والرياض وقطر آلاف الاميال التقيت قبل اشهر قليلة صديقي الوحيد في مركز المدينة. اعتدنا ان نترك لفنجان قهوة قراءة همومنا الوطنية لأننا من جماعة "طول عمرك يا زبيبة.." فاخراج ما في الصدور يفرج ويحرر ما تدغدغ به النفوس بحثا عن راحة لأجساد مثقلة بوجع سوط رأسمالي لا ينفك يدبغ جلودنا ويشفط قوة عملنا فلا نأوي فراشنا الا ونحن منهكون وحلمنا راحة يسرقها الركض وراء استهلاك رأسمالي استعار قطاره من الصين لتقوده تكاليف تربية الابناء وسد افواه موظفي الحكومة المحلية والمركزية التي لا تعرف الشبع.
عند نافورة الماء وقفنا نتصافح، ذاك صديقك رئيس"المرصد السوري لحقوق الانسان" وقبل ان يصلنا سعادة المدير عاجلني رفيق همومي بسؤال؛ هل تعلم من يموله؟ بدل ما تقلها "كش... اكسر رجلها" الرجل قادم نحونا وبالتأكيد لن يتجاهلنا؛ لماذا لا تسأله. ارتدى صديقي المدير بدلة جمعت بين الرسمية والسبورت، وجه ممتلئ وقد بانت عليه تباشير راحة بال ليس مصدرها امان اهله في طرطوس او الشام ولا وظيفة مرموقة او ارث موروث ولا هو ربح المليون مع السيد كريس.. بعد التحية والسلام افسحت المجال لرفيقي ان يخرج ما في صدره من ارهاصات. كم شخص انتم في المرصد السوري لحقوق الانسان؟ سأل رفيقي. انا وحدي وشخص يساعدني بين الحين والآخر. من اين لكم بالتمويل؟ لا احد يمولنا، انا بواسطة هاتفي النقال والحاسوب اقوم بكل هذا النشاط. انقطع حبل الأسئلة وعلت وجهي ابتسامة مكفنة بدموع حزن على امة وفضائيات طوشت رأس المواطن العربي من مشرقه الى مغربه ومن شماله الى جنوبه بـأخبار "المرصد السوري لحقوق الانسان" ورئيسة العاطل تاريخيا عن العمل والمعتاش على اموال اعانات الحكومة. ودعنا مستعجلا صديقنا المدير المتلحف بالاسم المزيف اسامة عبد الرحمن.
*ليس الاسود والابيض*
أهل مخيم اليرموك والفلسطينيون في سوريا عاشوا في كنف الدولة السورية في مساواة شبه مطلقة مع اشقائهم السوريين. الدولة والحكومات السورية عاملت الفلسطيني معاملة لم يلقَ مثيلا لها في اي بلد عربي آخر، الا في فترة حكم جمال عبد الناصر وصدام حسين المجيد وكمال بيك جنبلاط. الفصائل الفلسطينية اتخذت على الدوام مقرا دائما لقيادتها، ولا بد من التذكير ان تدخلات المخابرات السورية واللبنانية في الشأن الفلسطيني كانت مخالبها جماعات وشخصيات فلسطينية لم تتوانَ عن حصار المخيمات وقصفها بأسلحة ثقيلة العيار. الحكومة السورية ربما وزعت الظلم بالقسطاس.
لسنا هنا بصدد الاتهام او التبرئة انما نسوق الحقائق لعل غمامة تنقشع عن العيون؛ فالمرء ليس مخيرا بين الاسود والابيض والوان قوس قزح تعج بالتنوع والخيارات. اما عندما يجبر المرء على الاختيار بين الدولة والفوضى فلا يمكن للعاقل الا ان يختار الدولة وان كان ظلمها ظالما. مرة اخرى ننصح: من كان عاطلا من العمل فليبحث لنفسه عن وظيفة، من لديه وقت فراغ فليقرأ كتابا، من كان متوترا فليبتعد عن سموم الفضائيات العربية، من يشعر ان الحياة لم تنصفه ليبدل نمط حياته وطريقة تفكيره، من تضطهده زوجته/ها فليحرر عنقه/ها، من ينقصه المال فليكف عن الاستهلاك، من لا مال لديه ليسعَ بحثا عنه، اما من احترف البطالة وامتهن شتم الظلمة والشيطان فلن يطول عمره..
(الكاتب باحث يعيش في المملكة المتحدة)
