المرحوم نمر مرقس المعلم والزميل

single

نستطيع أن نكتب عن المرحوم نمر مرقس في الصيغ الزمنية الثلاث في صيغة المستقبل وفي صيغة الحاضر وفي صيغة الماضي!
ما دام الرجل قد رحل عنا إلى الدار الأبدية وووري جسده في التراب يوم الخميس المصادف 31/1/2013، ومع قناعتنا التامة ان الرجل قد مات وفارقنا إلا اننا لا ننفك نراه محدقًا بنا أينما تحركنا  وكيفما تلفتنا! نراه ونحس به كلما سمعنا كلمة معبرة.. كلمة صيغت بإتقان أو كتبت بإتقان اكبر وبخط جميل وواضح. كلمة ميزتها انها لا تقبل  التأويل إلا للمعنى الذي رصدت من اجله سابقًا. نستشعر حضوره كلما طرحنا فكرة عملية وارفقناها باقتراح عملي لتطبيقها.. حتى نكفل تنفيذها لمصلحة مجتمعنا العربي في هذه البلاد. تلك القضية التي عاش ومات فيها وكافح وناضل من اجل المحافظة عليها طيلة حياته.
قرأت كتابه بعنوان "أقوى من النسيان"، كتاب شامل رصد فيه المرحوم التحركات الهامة والمؤثرات التي رافقت كفاح الجماهير العربية في إسرائيل من اجل السلام والمساواة في هذه البلاد.. ومن خلال الكتاب يستطيع كل عربي ان يستنتج بان حكومات إسرائيل على مر العصور لم تحلم بالخير لجماهيرنا العربية في إسرائيل، ومن الكتاب نستطيع ان نتعلم الكثير الكثير من تجربة المرحوم ودوره الريادي في معركة نضال الجماهير العربية، فبفضله وبفضل أمثاله ظل كفاح الجماهير العربية من اجل المساواة والسلام ضمن القانون والمعقول.
عرفت المرحوم في مرحلتين هامتين في حياتي فكانت الأولى مرحلة الطفولة يوم تتلمذت على يديه وكان في أواسط سنوات الخمسين وبعد ذلك يوم زاملته في العمل البلدي في سنوات التسعين وكلتاهما كانتا تجربتين مع المرحوم من القرن الماضي.
في أواسط سنوات الخمسين وربما كان في سنة 1955 وصل إلى مدرسة دير الأسد الابتدائية حيث كنت تلميذًا معلم شاب تميز بالنعومة والصلابة في آن واحد. نعومة في الحديث والمظهر.. وصلابة في الموقف والمبدأ والعقيدة.
في حينه أحسسنا نحن الطلاب قربه منّا وحبه لنا ومنه حاولنا ان نتعلم أناقة اللباس وتناسق الألوان وتمشيط الشعر الأسود الكثيف والبرّاق. هذا إلى جانب الصراحة في المعتقدات الفكرية والمفاهيم الفلسفية.
لقد تعلمنا من المرحوم انه كان شيوعيًا ماركسيًا حتى أخمص قدميه، قضى عمره في خدمة هذه العقيدة إيمانًا منه بان في الشيوعية توجد أنماط حياة التي يجب ان تسير البشرية على هديها لتسعد ولتبقى أرقى من حياة الحيوان في الغاب. ونحن كطلاب لمسنا ذلك منه حينما ملأ غرفة الصف في حينه صورًا اختارها من مجلة الاتحاد السوفييتي التي كانت تصدر يومها بلغات عديدة ومنها العربية. علق المرحوم على جدران غرفة الصف صور الطائرات والورشات الزراعية الحديثة والمصانع والسدود المائية وكل ما يؤشر على الطفرة المتقدمة في البلاد الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي!
لم يكن أعذب من جوابه على تساؤلات طلاب الصف عن الصور وكان طلاب المدرسة يسألون أستاذهم المرحوم إما للاستفهام وربما لسماع جوابه الذي كان دائمًا "هذا من صنع الاتحاد السوفييتي يا معلمي".. قال الجواب هذا دائما ولم يلتفت إلى الخلف. لانه اشتغل في شيء آخر يتطلب منه الحضور والانتباه. برز في سلوك الأستاذ المرحوم حبه للفن فانشغل به حين لم يلتفت إلينا فكان رسمه ناطقًا وأحب التصفير فكان تصفيره رخيمًا ومن خلاله تعرفنا على أعذب الحان ذلك العصر! لم تكتمل أفراحنا فالشرطي اللعين كان دائمًا يترصده وفي النهاية قبض عليه وسجنه ثم طرده من عمله.
مرة أخرى التقيت بالمرحوم في التسعينيات من القرن الماضي. فكلانا كان رئيس مجلس محلي في بلده. عرفته في المرحلة الثانية وأنا في تفكير أوعى وفي تقدير أحسن للأمور.
برز المرحوم بدوره عندما شغل منصب سكرتير للجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية فسعى مع زميله المرحوم إبراهيم نمر حسين (أبو حاتم) رئيس بلدية شفاعمرو السابق في ترتيب اجتماعات تشاورية لرؤساء السلطات المحلية العربية وغالبًا ما كانت في شفاعمرو.
ترأس المرحوم أبو حاتم الجلسات وقام بطرح نقاط البحث في كل جلسة على الحاضرين وبدوره اخذ يستمع إلى مختلف آراء الحاضرين حول النقاط التي وردت على جدول أعمال الجلسة، اما المرحوم الذي كان يجلس دائمًا على المنصة كنت تراه ينعزل للحظة عن بقية الحاضرين بتصرفه الواعي والمتيقظ للأمور. فكان يخرج من جيبه أوراقا صغيرة ويسجل عليها ملاحظاته أثناء سماعه للمتكلمين. ولعله انفرد في هذا السلوك فلم تفته لا شاردة ولا واردة بل سجلها جميعها..
وكما هو مألوف ففي كل جلسة تشاورية تصدر القرارات عن الجلسة وهنا برز دوره جليًّا إذ قام بدور الأسد في صياغة القرارات وسرعان ما اكتشفنا ان قراراته كانت هي هي قرارات الاجتماع وبفضله وبفضل أمثاله تبنى الرؤساء قرارات عملية واستطاعوا القيام بها لأنها كانت ضمن القانون وضمن طاقات العمل الجماهيري.
رحم الله معلمنا وألهم ذويه ونحن، الصبر والثبات على مواقفه. وان كنا قد خسرنا أبا النرجس بالجسم فلا ولن نستطيع ان ننسى حقبة زاخرة من العمل الوطني قادها المرحوم وصحبه، وبالتأكيد سيبقى ذكر أبي نرجس عصيا على النسيان.. فله الرحمة وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 


(دير الأسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الطُّغاةُ يأكُلُون التَمْرَ والفقراء يُرجَمُون بالنَوَى

featured

الاحتلال يدمر الحاسة الخلقية الجميلة في الإنسان!

featured

اللغة العربية في خدمة مشروع التدريز! (2)

featured

هربٌ من الشّبهات.. للتحريض!

featured

الاكاذيب حول استئناف المفاوضات تغطية على الاستيطان

featured

المطلوب ليس تعاونا امنيا مع المحتل الاسرائيلي بل مقاومته بكل الطرق التي تخدم القضية الفلسطينية

featured

مستوى التنظيم في حزبنا الشيوعي اليوم

featured

نخب الحكم الجمهورية وفنّ التحايل على الدساتير