كمال جنبلاط - شكيب أرسلان
*مراجعة نقدية لكتب تعليم الأدب العربي في المدارس الدرزية* فيما يلي الحلقة الأولى من هذا البحث الهام*
إن كتب اللغة العربية – والتى هي الرابط الثقافي الأساسي الذي يربط الدروز بمحيطهم العربي – وُظفت هي كذلك من أجل تحقيق هذا الهدف، حيث إن النصوص اختِيرت لتصبّ في هذا السياق. فلاح نفسه لا يخفي ذلك ويوضح في كتابه الصادر عام 2000 عن دار النشر التابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية بقوله: "هنالك أدب خاص بالدروز يشمل هذا الأدب نصوصًا أدبية نثرية وشعرية وضعت على يد أدباء وشعراء ومؤلفين دروز إضافة إلى نصوص مختصة بالشأن الدرزي والتي وضعت على يد مؤلفين ليسوا دروزا" (فلاح, 2000, ص 215).
ستبين هذه الدراسة من خلال تحليل النصوص التى تشكل كتب تعليم اللغة العربية المعمول بها في المدارس الرسمية لدى الدروز، كيف تم استخدام اللغة العربية – صلة الوصل الثقافية الرئيسية التي تربط الدروز بمحيطهم العربي– من أجل تعزيز النعرة الطائفية الانعزالية المعادية لمحيطها. ولعلّ تدنّي التّحصيل العلمي للطلاب الدروز في مجال اللغة العربية باعتراف القيّمين على دائرة التعليم الدرزية خير دليل على ما نقول (Kramer, 1990, p. 26). فكتب التدريس التي تم تداولها في موضوع اللغة العربية منذ منتصف السبعينيات سعت – ومن خلال المغازي التربوية المبطنة والمأدلجة – إلى استعداء الأجيال الصاعدة لمحيطهم. بهذا المعنى فإن العربية سُخِّرت لهدف يناقض تماما كينونتها الثقافية والقيمية.
ليس هناك ايّة مبالغة في القول إن تدريس اللغة العربية في المدارس اليهودية-الاسرائيلية كان على الدوام مرتبطًا بالاحتياجات الأمنية للمؤسسة العسكرية. وخير دلالةٍ على ذلك أن جزءًا كبيرًا من طُلاب أقسام اللّغة العربية في الجامعات الاسرائيلية هم ممّن خدموا في وحدة التجميع المركزية أو تلك المعروفة بالتسّمية العسكرية 8200.
الدراسة تقوم على مراجعة نقدية للنصوص الأدبية المُصنفة في كتاب المنتخب من النصوص الأدبية للمراحل الإعدادية والثانوية المُعتمدة في المدارس الدرزية حتى العام 2012. تجدر الإشارة إلى أن المراجعة شملت النصوص كلّها وليس فقط تلك التي تُدرس وفقا للمنهاج. إن تدريس اللغة العربية في المدارس الدرزية يستند إلى المنطق الأيديولوجي الذي رسم لسياسة الدولة تجاه الدروز منذ عام 1956. فمنذ ذلك التاريخ اتّخذت الدولة قرارها بتمرير مشروع فصل الدروز عن مجتمعهم العربي الأسلامي من خلال الاعتراف بالدروز كمجموعة دينية مستقلة، وذلك على خلاف سياسة الانتداب البريطاني والدولة العثمانية، وأسست المحاكم الدينية وأنشأت الرئاسة الروحية بالتعاون مع الزعامات التقليدية المُطوّعة وفرضت قانون التجنيد الاجباري وأسست لمفهوم القومية الدرزية التي هي صفة تختص بها إسرائيل وحدها.
فدولة إسرائيل هي أول من اعتبر الدروز مجموعة قومية قائمة بذاتها. في السياق التاريخي العام، فان سياسة الدولة تجاه الدروز اندرجت في إطار ما عُرف آنذاك بتحالف الأقليات، حيث روّج رئوبين شيلوح مؤسّس المخابرات الإسرائيلية ودافيد بن غوريون مؤسس الدولة لفكرة تحالف الأقليات ضد الأكثرية العربية المسلمة، وبالتالي جاءت سياسة الدولة تجاه الدروز والانتداب نحو الأكراد في شمال العراق والمعسكر الانعزالي من الموارنة في لبنان وحتى الانفصاليين في جنوب السودان (نيسان, 2010, ص 105-117).
أكثر ما يلفت الانتباه عند مراجعة كتب تدريس الأدب العربي في المدارس الدرزية هو التجاهل المطلق لكلّ النصوص التي من شأنها ان تتناول او تنظّر لمسألة الهوية القومية او الجذور التاريخية والأمور الثقافية التي تربط الدروز بالمحيط العربي والإسلامي. فالنصوص الأدبية التي يدرسها الطالب من الصف السابع وحتى الثاني عشر تستثني أي نصّ له دلالة قومية أو تنظير فكري أو تاريخي يتناول الكينونة التاريخية والثقافية للدروز في المنطقة والتي لم تكن يومًا منقطعة عن محيطها، وإن كان عامل الخصوصية والمذهبية قائمًا وحاضرًا منذ التأسيس للمذهب التوحيدي الدرزي في القرن الحادي عشر في مصر الفاطمية.
عدا عن ذلك فإن النصوص الأدبية تستثني كتابات أدباء ومفكرين دروز كتبوا في مجالات القومية والعروبة والاسلام كسعيد تقي الدين الذي عُرف عنه انتماؤه للحزب القومي السوري وكمال جنبلاط وشكيب أرسلان ومحمد آل ناصر الدين وعارف النكدي وفؤاد الخشن وغيرهم. الأكثر من ذلك أنه عندما تم اختيار النصوص لأدباء عُرفوا بتوجهاتهم القومية او الإسلامية كشكيب ارسلان وكمال جنبلاط، تم اختيار نصوص ليس لها أية دلالات أيديولوجية أو سياسية كقصيدة شكوى وافتخار لشكيب ارسلان او "دار القمر على بيتي وغاب" لكمال جنبلاط (المنتخب للصف الثاني عشر 1997 ص 13-15، ص 108-111).
بهذا المعنى فإن التوجه واضح، وهو تفريغ اللغة من مضامينها القومية الثقافية والتاريخية وعزلها إلى حد بعيد عن محيطها وسياقها وكأن الحركة الأدبية في المحيط العربي لم تتأثر بالتطوّرات السياسية أو التحولات الثقافية والأيديولوجية التي شهدتها المنطقة في مرحلة ما بعد زوال الاستعمار الغربي المباشر.
امتدادًا لذلك وليس من قبيل المفاجأة تخلو كتب تدريس الأدب العربي من كتابات ونصوص تميّزت بطابعها الثوري. فإذا ما راجعنا كتاب المنتخب بالمراحل المتعددة لن نجد أي نص يتّسم بذلك لأدباء وشعراء عُرف عنهم نزعتهم الثورية أو المتمردّة على النظام السياسي أو الاجتماعي القائم، فلا حُضور لنزار قباني أو عبدالرحمن الشرقاوي أو محمد الماغوط أو مُظفر النواب أو أحمد مطر أو عمر أبو ريشة وغيرهم كُثر ممن عملوا بمبدأ السارترية القائلة بضرورة انخراط المثقف في حركة تغيير الواقع وتوعية الجماهير واعتبار الأدب رسالة قبل أي شيء آخر.
إستثناء كتابات أهمّ الأدباء الفلسطينيين هو علامة مميّزة أخرى لمنهاج التعليم العربي في المدارس الدرزية. فكتب الأدب للمراحل الإعدادية والثانوية لا تشمل أي نصّ شعري أو نثري لكلّ من محمود درويش، غسان كنفاني، معين بسيسو، جبرا ابراهيم جبرا، أكرم زعيتر، إبراهيم طوقان، إميل حبيبي، كمال ناصر، انطون شماس، خليل السكاكيني، محمد عزة دروزة وغيرهم. أَما ما اختير من شعر سميح القاسم فهي قصيدة يتيمة هي "أبي" في تجاهل صارخ للكم الشعري الهائل للقاسم (المصدر السابق، ص. 119-121).
المنطق التفريغي ذاته ينسحب على آلية الانتقاء عند التعامل مع الشعراء والأدباء العرب في العصر الحديث. فمن شعر نزار قباني وقع الاختيار على قصيدتين هما وشاية وشباك، في تجاهل متعمد ومكشوف لكل القصائد ذات التوجهات الثورية او العروبية او التمردية او التغييرية (المصدر السابق، ص. 69-70).
مُميز آخر تمتاز به كتب الأدب هو تجاهل شبه مطلق لعصر النهضة الذي اعتبرته الباحثة اللبنانية اليزابث كسّاب بدايةً للفكر العربي المعاصر. فإذا ما راجعنا كتب الأدب المذكورة لن نجدَ نصوصًا لأعلام النهضة العربية في القرن التاسع عشر – مطلع القرن العشرين مثل المعلم بطرس البستاني، سليمان البستاني، اديب اسحاق واحمد فارس الشدياق، وجرجي زيدان وأمين الريحاني وناصيف اليازجي وفرح انطون وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد رشيد رضا وغيرهم (Kassab, 2010, pp. 17-47).
أراد القيمون على تعليم العربية في المدارس الدرزية تجاوز هذه المرحلة لما كان لها من انعكاسات وتحولات جذرية على صيرورة اللغة وكون هذه المرحلة شكلت الانطلاقة الفكرية للحركة القومية العربية. كما أن كتابات عصر النهضة دعت إلى استنهاض العرب من غفوتهم وتجديد اللغة وحركة الابداع بها خارج سياق الدين وجعلها وسيلة لتأسيس مجتمع جديد يقوم على استيعاب الحداثة الأوروبية الغربية مع كشف كنوز الحضارة الإسلامية. وهذا لا يتفق مع التوجهات الايديولوجية لواضعي المنهاج الذين ارادوا بالأساس كما جاء في نص توصيات لجنة بن دور – تعزيز ولاء الدروز للدولة وللشعب اليهودي وتعزيز الهوية الطائفية المتقوقعة المنعزلة عن مصادرها وجذورها.
الانتقائية المؤدلجة هي صفة أخرى اختصت بها النصوص الأدبية. هذه الانتقائية انعكست في تجنب اختيار ايّ نصّ أدبي له مدلولات سياسية او أيديولوجية أو تاريخية تنزع نحو تأكيد صلّة الدروز بمحيطهم العربي والاسلامي. فمن كل ما كتبه أرسلان الملقب بـ أمير البيان وقع الاختيار على قصيدة يتيمة هي قصيدة شكوى وافتخار وتم تجاهل أهم مؤلفاته وعلى رأسها كتابه النقدي النهضوي "لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدمّ غيرهم؟" حيث نشر أرسلان مئات المقالات عوضًا عن آلاف الرسائل والخطابات وعشرات القصائد، واتسم أسلوبه بالفصاحة وقوة البيان.
كما تجاهل القيّمون على كتب التدريس مقالة لارسلان غايةً في الأهمية وضعها عام 1391 هجري تحت عنوان الدروز او بنو معروف بإجماعهم عرب اقحاح. حاول ارسلان من خلالها توظيف اللغة لاثبات انتماء الدروز إلى المحيط العربي حيث يقول ارسلان:
" في نقاوة لغتهم العربية وإخراجهم الحروف من مخارجها الصّحيحة فلا تجد في الخارج عن الجزيرة العرب من يتكلم بالعربية مثل – الدروز ولا من يتلفظ بالعربية مثل الدروز وأن المرأة منهم لتسوق الحديث بعبارة إن لم تكن معربة فهي فصيحة صريحة متينة مستعملة فيها الكلمات بالمعاني التي وضعت لها فتجدها أصح لغة من الرجل العالم النحوي من غيرهم. والفصاحة التي اشتهر بها الدروز رجالًا ونساءً آتية من كونهم عربا" (ارسلان 1990 ص71(.
مثل هذا النص يمت بصلةٍ مباشرة لواقع الحياة الاجتماعية للطالب كما انه يختص باللغة. إلا ان القيمين على التعليم في المدارس الدرزية آثروا تجاهله رغم بعده الفكري واللغوي المباشر بواقع الطالب. هذا التجاهل في سياق الانتقائية المؤدلجة الرامية إلى جعل تدريس العربية وسيلة للتحصيل العلمي لا تتجاوز وظيفتها في التواصل بين الجماعة إلا انها لا تلعب دورًا في تكوين خصوصية الجماعة والحفاظ عليها.
التدريز ينعكس ايضًا في انتقاء نصوص أدبية لمؤلفين من أصل درزي حتى وإن كانت هذه النصوص لا ترتقي إلى مستوى نصوص أخرى كان يمكن الاستعانة بها لاثراء العملية التعليمية. بمعنى هنالك تعمد الإتيان بنصوص لمؤلفين مولودين دروزًا حتى وإن لم يكن هؤلاء مصنفين على انهم أدباء على مستوى العالم العربي او لنقل حتى ولو كانت هناك إمكانية للاستعاضة عن نصوصهم بنصوص لأدباء أكثر شهرة وبروزًا وإنتاجًا في العالم العربي. فعلى سبيل المثال من أصل 62 نصّا صُنفت في الكتاب المعدّ للصف التاسع جيء بـ 14نصًّا لمؤلفين دروز. بمعنى أنّ حصّة النصوص الدرزية وفقًا لمنطق واضعي المنهاج التعليمي هي حوالي 25% من مجمل النصوص في حين أنّ حصّة الأدباء الدروز من مجمل الادباء العرب من ذوي المكانة لا يصل إلى هذه النسبة إطلاقا (المنتخب للصف التاسع 1996). الأمر ذاته بالنسبة لكتاب المنتخب للصف الثامن حيث ان 11 من 64 نصًا هي لمؤلفين دروز (المنتخب للصف الثامن 1996). المنطق ذاته طبق فيما يتعلق بالنصوص الأدبية في موضوع اللغة العبرية، حيث يشير الباحث ياسر سليمان إلى أن العديد من هذه النصوص هي لمؤلفين دروز ترجمت إلى العبرية (Suleiman 1994 p. 230).
الأمور لا تختلف كثيرًا في كتب الأدب للمرحلة الثانوية. ففي كتاب المنتخب للصفين العاشر والحادي عشر نجد ان 10 نصوص من أصل 30 مصنفة تحت باب نثر حديث وهي لمؤلفين دروز في حين انه 15 نصًا من أصل 66 في كتاب الثاني عشر هي لمؤلفين دروز (المنتخب للصفين العاشر والحادي عشر 1996 ص 64-145 ص 178-239 والمنتخب للصف الثاني عشر 1997 ).
(يتبع)
