الثورات العربية وتداعياتها

single

(الاحتلال والاقليم ، م.ت. ف والمصالحة، المجتمع المدني والحكومة، الحركات الاسلامية، الثقافة)

 

التاريخ لا يتعاطف مع الضعفاء، لا يعرف الشفقة أو الرحمة، لكنه يمتلك جرأة تسجيل هزيمة البؤساء بقسوة، عندما يسرد يوميات انكسارهم، فيما يركع أمام المنتصرين والأقوياء ويسجل قوتهم بأحرف أنيقة على اللهب والتماثيل وفي كتب التاريخ .. هذا ما سجلته ثورة الياسمين في تونس وثورة الأحرار في مصر، عندما تمكّنت الجماهير العربية في البلدين من وضع النهاية لنظامي الاستبداد والفساد، ودخلت جماهير مصر وتونس مجد التاريخ، محمولة على أكاليل الدم، ليتصادى معها المخزون الكامن في باقي العواصم والمدن العربية، التي أصابتها العدوى الحميدة، فانطلقت في هديرها الكوني الجامح، ليبدأ زمن عربي جديد، اعترضته وما زالت الكثير من  العقبات، لكنه ماضٍ رغم الموانع المبهظة، بعد أن تأكّد أن نظرية التغريب والتجهيل والإفقار والقمع والاستعباد والتهميش، لن تثنيه عن تحقيق تطلعاته الساعية لاجتراح مستقبل حرّ وكريم له ولأجياله الطالعة.
إن هذه الثورات، التي لم تستقر بعد، ستنتج دوائر وتداعيات هائلة، على غير صعيد ومستوى وسيكون مآلها، رغم كل شيء، إيجابيا بالضرورة، وأفضل مما كان.
وبالتأكيد، لا يمكننا أن نُطلق اسم ثورة على أي انتفاضة أو هبّة، إلا إذا شارك فيها كل فئات الشعب والجغرافيا وطبقاتها في الدولة، على أن تكون هناك ديمومة للحراك الثوري، يشتعل جمرها بأهداف وشعارات محددة ومطالب حاسمة.
إنّ أي شعب يكتشف في سياق تحركه الثوري قدراته وذاته، ويتحسس مطالبه، ويبلورها ويصعّدها، حتى تستمر وتتناسل عنها مطالب أخرى لاحقة، حتى لو كانت جزئية.
ولكننا لا نستطيع أن نصف الثورة بأنها انتصرت إلا إذا حققت ما يلي:
1. أن يصبح الحراك الديمقراطي قادرا على تغيير شكل النظام (ليست ديمقراطية شكلانية تنفيسية مثل الديمقراطية تحت بسطار النظام العربي، أو ديمقراطية على مقاس قوى وإرادات خارجية).
2. الاهتمام بالإعلام وانفتاحه وحرية التعبير، فهما يستطيعان تغيير النظام، وليس إعلاما شكليا يهتف ويُكرّس، بل إعلام نقدي لديه رؤية واستراتيجية، وقادر على تحسُّس هموم مجتمعه  وطرحها بقوة، وكذلك هزّ النظام وتغييره.
3.  أن تحقق الثورة نظاما اجتماعيا وشفافية، وإلغاء التمايز الطبقي، ووضع قانون ضمان اجتماعي شامل، بحيث يُلغَى الاحتكار بكل صوره، وتصبح الطبقة الوسطى هي سمة كل المجتمع.
4.  أن تكون الثورة قادرة على خلق منهاج تربوي، عبر المؤسستين الرسمية والأهلية (المدرسة، الرموز الوطنية، الأسرة، الحارة، بيت العبادة، الإعلام الرسمي والأهلي، المنتج الفني، المساق الجامعي ..)، بما ينتج فردا جديدا بعيدا عن الانتماء للدوائر الصغيرة والطائفية والجهوية والعشائرية.
إذا تحققت هذه الشروط على الأقل، فهذا يعني أن الذي حدث هو تحوُّل اجتماعي ديمقراطي، وليس تغيُّرا، بمعنى أن الثورة تحققت.
* الثورة المضادة:
وفي بطن كل ثورة، فإن هذا المخاض الهائل يصاحبه وجود ثورة مضادة، مصدرها بقايا النظام القديم والأحزاب الخشبية التي كانت قائمة، والمؤسسات غير الحكومية المرتبطة بالمموَِّل الخارجي وأجنداته، والقوى الإقليمية الكبيرة التي تسعى لأن تجيِّر الأمور لمصالحها بعد أن فشلت في إيقاف الثورة. وبالتالي فإن الثورة المضادة تسعى إلى وضع العراقيل، وتذهب نحو التشكيك، وتثير الفتن الطائفية والاثنية، وتعكّر الأجواء، وتفتّت الأهداف،  وتمارس الضغوط.
إن بعض القوى العالمية وبعض الإقليمية، بعد ثورتي تونس ومصر تسعى إلى أمرين: إما تلويث فكرة الثورة وإفشال النموذج، أو ركوب الموجة واستلابها والظهور بصورة المُوَجّه والراعي والحريص على القيم والمبادئ. وهنا نسجّل اعتراضنا الأكيد على التدخل الأجنبي في الشأن الداخلي لهذا القطر أو ذاك، على الرغم من أن طائرات  الناتو تأتي لحماية النفط المنهوب وليس دفاعا عن المقهورين من الناس. وإلا لماذا يتدخل الغرب في ليبيا وليس في اليمن أو سوريا؟
* الاحتلال:
لا بد من القول بكل وضوح إن الاحتلال الإسرائيلي هو الأكثر تضررا من الثورات العربية إذا تحققت، لأن عوامل قوة الاحتلال تأتي من ضعف الدول العربية، ومصدر الضعف في هذه الدول هو غياب المؤسسة والديمقراطية والعدالة والحريات.. إلخ، أي غياب المجتمع المدني الحقيقي والدولة المدنية المعافاة.
* التيارات الإسلامية:
 بعد فشل اليساريين والقوميين وأحزابهم وأدبياتهم واصطدام مشاريعهم بالجدار وانهيار الكتلة الراعية والنظام القومي، فإن الحركات الإسلامية كانت مرشحة لاحتلال الفراغ، لكنها فشلت لعدة أسباب، أهمها: عدم امتلاكها خطابا حداثيا، وغياب الديمقراطية في مناهجها وسلوكها وخطابها، وعدم قبولها الآخر الوطني، وتفسُّخها وارتباط بعضها بأفكار هجينة ومتطرفة أو غريبة، إضافة إلى الإنتقائية والتناقض الذي ميّز تحالفاتها، وتوظيف بعضها للدين في شؤون دنيوية بعيدة عن النصّ ودلالاته القطعيّة.
لهذا، فإن الحركات الإسلامية بعد هذه الثورات ستصبح راكبا في الحافلة بدل أن تكون قائدا لها وبشروط المجتمع المدني الجديد، بمعنى أنّ عليها أن تتكيف وتعيد النظر في كثيرٍ من حمولتها ومواقفها وخطابها، حتى تصبح جزءا منسجما في هذا الإيقاع الجمعي الكبير، وألا تكون ناتئة كما كانت من قبل.

* المثقفون:
ثمة تحالف والتحام مقدس، عميق وطبيعي، بين المثقف والثورة، ولا يمكن أن يتزيّا المبدع بصبغة المثقف ما لم يكن منحازا كليا، ومن دون شروط، للشعب ولقضاياه في مواجهة كل أعدائه المتمثلين في القمع والاستلاب والاستغلال والاحتلال والتجهيل ونهب ثرواته والفساد والاستبداد والبشاعة  بكل صورها.
وهذا لا يرتبط بفوران الثورة أو زمن الهبات العبقرية والثورات بقدر ما هو استراتيجية دائمة، ينشغل فيها المثقف بأمرين على الأقل:
أولهما: الانحياز والوقوف والاصطفاف مع الشعب وقضاياه دون أي تردد أو تبرير أو مخاتلة أو شك.
وثانيهما: أن يعبّر بإبداعه عن روح وتجلّيات هذه الثورة والانتفاضات الجبارة.
إنّ كل تبرير بائس تحت أي دعوة مفضوحة للوقوف مع هذا النظام أو ذاك، إنما يعني بشكل حاسم العداء للشعب وللثقافة بمفهومها العميق. إنّ المثقف هنا ليس مثقفا بقدر ما هو أجيرٌ رخيصٌ وسَوْطٌ في أيدي الجلاوزة والجلادين، فلا يُعقَل أن يكون الإنسان مثقفا أو فنانا أو مفكرا وهو يلهث وراء ذابحي الأطفال والنساء ومُسَيّري المدرّعات على جُثث البسطاء والبيوت الطيبة.
وأيضا، فإنّ المثقف زارعٌ، وليس قاطف ثمار، كما يحصل مع بعض المرتزقة في الحقل الثقافي الذين ينتظرون لمن الغَلَبة لينتصروا لأصحابها ويفرحوا بها.
هؤلاء الانتهازيون لا يقلون سوءاعن ماسحي بساطير الجلادين بألسنتهم، والذين يلعقون دم الرُّضع باسم الإبداع، البريء منهم براءة ماء السماء من الدّنس.
وإذا وقف أحدهم وراح يهرف دفاعا عن الشيطان، فهذا يعني أنه ينطق بلسان العبد من قاع الشُّبهة والهاوية، التي نشأوا فيها وكبروا طحالب على جدرانها المتعفّنة.
 وإننا نرى أنه لا تناقض بين الديمقراطية والعدالة والحريات والمساواة، من جهة، والتمسّك بالثوابت والمبادئ والحفاظ على الحقوق، من جهة أخرى، بل ثمة وحدة حال بين هذه وتلك، بمعنى أنه لا يمكن أن تكون مقاوما وقاتلا معا، ولا يستوي أن تكون محتكِرا ومستبِدّا وفي الوقت نفسه حافظا للحقوق، فهل يُعقَل أن يكون قاتل الشعب هو نفسه حامي حِمى العدالة والكرامة والوطن؟! إنَّ من لا يحررّ نفسه من الاستبداد لا يمكن أن يكون قادرا على تحرير ذرة تراب أو إطلاق أي فضاء للعدالة والحريات.
وكيف لنظام أو لحزب أو لشخص يدّعي المقاومة والممانعة، وهو يقف مع الجزّار ويسانده، أو يقصف شعبه، ويقلب الحقائق ويعتّم على المذابح المهولة التي يقترفها بحق الناس، الذين يعلنون ملء فمهم مطالبين إيّاه بالرحيل؟
هل توجد دكتاتورية وفظاعة واستباحة أكبر من ذلك؟ وكيف لهذه القوى أو الأنظمة أن تدّعي الطهارة الثورية وهي تربط بين استقرارها واستقرار دولة الاحتلال الاسرائيلي؟
وهل يعقل أن يظل هذا النظام رابط الجأش، منضبط النّفس، والاحتلال الاسرائيلي يقصف بلده ويحوّم بطائراته فوق قصره الجمهوري .. ثم يغضب .. فيصبّ غضبه على شعبه؟ هل أُصيبت بوصلته بالحَوَل؟ أم أن الذي أذلّ هذا النظام هو الشعب وليس "اسرائيل"؟!
 بالفعل: إن الدكتاتور أعمى ولو كان طبيب عيون !
وكيف لهذه الانظمة الوقحة في اليمن وليبيا وسوريا وغيرها .. أن تنسى بأن الرؤساء يعملون بعقْد لدى الشعب ! هذا هو المفروض نظريا على الأقل. والآن يقول الشعب لهم: لا نريدكم، إرحلوا! فلماذا يصرّ الرؤساء، غير الشرعيين أصلا، على فَرْض أنفسهم بالقوّة والموت وقطع الماء والكهرباء والاتصالات عنه !؟
إن الإشارات التي تبعثها هذه الأنظمة القاتلة إلى أمريكا وإسرائيل تثبت بالقَطْع بأنها ليست خانعة لأمريكا ولاسرائيل فحسب، بل متواطئة تماما معهما، وعلى استعداد لتبقى بسياساتها "الثورية" مريحة لاسرائيل، وتسهّل لأمريكا مصالحها وشهواتها في هذه المنطقة.
والغريب بعد كل هذا أننا نسمع هذا الحزب أو ذاك الفنان أو المثقف يدافع عن هذا النظام! أليس أمرا سرياليا وجنونيا ولا يحتمل ؟!
****
* المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو:
عانى المجتمع الفلسطيني بعد أوسلو من حالة جزر وارتكاس أربكته ودفعته إلى أن يرتد إلى ذاته ليُمَزّقها، وتجلّى ذلك بما سُمي الانقلاب الحمساوي على السلطة، لأن التوصيف الحقيقي هو أن المجتمع الفلسطيني تغضَّن، وارتدّ إلى شرايينه يُقَطِّعها بيديه بسب حالة الهزيمة المؤقته، التي لم تصل إلى وجدانه، لكنه عاشها وعانى آثارها عقب توقيع أوسلو بفترة قصيرة، بفعل انقلاب دولة الاحتلال على الاتفاقيات، وانسراب أصابع الاحتلال إلى أحشاء المؤسسة الفلسطينية، كما أن النُّخَب الفلسطينية الوطنية والسياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية لم تكن حاضرة أو ذات تأثير يَحُول دون الانقسام أو انزلاق الفلسطينيين إلى هذه الهوة الدامية، بقدر ما كانت نُخَبا متقوقعة على نفسها، أو غرقت في مصالح وارتباطات جديدة وخطيرة.
ومع تألق وانتصار الثورة العظيمة في مصر، على وجه الخصوص، فإن المصالحة الفلسطينية– الفلسطينية كانت ثمرة طبيعية ومشتهاة قدّمتها شجرة الثورة المصرية الطيّبة للشعب الفلسطيني الملهوف للوحدة والخلاص والحرية.
وهنا ينبغي التذكير بأن الثورة المضادة في قلب المجتمع الفلسطيني هي ثورة مخيفة وذات قدرات، ويجب عدم الاستهانة بها لأن لُحمتها الأساس مكونة من المرتبطين مع الاحتلال، مصالحَ وأهواء، ومن آلاف المؤسسات غير الحكومية التي صنعها المموّل، وصبَّ من خلالها خطابا ومنهاجا وأجندات، تتساوق مع فِكره، وتُريح الاحتلال. وهنا لا نُعمّم بالضرورة !

* إعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني:
يُفترض أن تشهد الحالة الفلسطينية تحوُّلا يصل إلى إعادة صياغة النظام السياسي  الفلسطيني، ليس تماهيا مع التحوُّل الجاري على الساحة العربية فحسب، بل كضرورة مُلحّة ومصلحة حيوية، بحيث يأخذ هذا النظام طريقه باتجاه تحقيق الأهداف الوطنية، التي لم تستطع مكونات النظام السياسي الحالي تحقيقها، بسبب اختلاف استراتيجياتها وأدواتها، إذ غابت في النظام السياسي الفلسطيني وحدة القيادة ووحدة المنهج ووحدة الأداء.
ربما كان من الأفضل ونحن نعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني أن نعترف أولا بأزمة هذا النظام، ونقوم بمجموعة من الإجراءات التي تتفاعل مع هذه الأزمة، وتؤدي إلى علاجها، وبالتالي تُمكِّننا من صياغة المنظومة السياسية الجديدة من مكوناتٍ تمتلك الخبرة والتجربة، واعتركت الصراع، وبعيدة عن المصالح الشخصية والانغماس فيها.
إن عدم القدرة على تشكيل حكومة من النظام الحالي، يعبّر عن عجز هذا النظام وأزمته واهتراء مكوّناته وتآكلها. ليس المطلوب أن يقوم النظام السياسي بإعادة إنتاج ذاته، وإنما مواكبة ضرورات التحوُّل الديمقراطي الحقيقي، الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف الوطنية والدولة المدنية، تلك الدولة التي تعترف بالمجتمع المدني الذي نشأ بشكل طوعي بمنأى عن مؤسساتها الرسمية، ولا يكون خاضعا لأجندات خارجية، ويسعى للتكامل معها، حتى ولو انتقدها، أو عندما يعبّر عن جوانب القصور والخلل في أدائها، ويقدّم التصوّرات والاقتراحات الواجبة لتجاوز الثغرات ومواقع الضعف والهبوط. ويظلّ جنبا إلى جنب المؤسسات التي تقوم بالرقابة والمتابعة، لضمان الشفافية وفصل السلطات ونزاهة الأداء.
وبقدر ما يكون المجتمع المدني مُبادِرا وحيويا ومستقلا، بقدر ما يساهم في مجتمع عصري صحيّ ومتين.
وعلينا الأخذ بالاعتبار أن انخراط المجتمع المدني في تشكيل النظام السياسي الفلسطيني يجب أن يُبقي في أذهاننا مُكوّنات هذا المجتمع المدني، وهل هو مجتمع مدني حقيقي أم لا، وفي حالتنا الفلسطينية الجواب: لا، ليس مجتمعا مدنيا، لأنه لا تنطبق عليه مواصفات المجتمع المدني، ولا يتمتع بسجاياه، لأن من أهم خصائص المجتمع المدني أن ينشأ بشكل طوعي بمعزل عن الدولة، وبمعزل أيضا عن امتداد المصالح السياسية لدول وقوى وأجندات أُخرى.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن منظمات المجتمع المدني الفلسطيني في الشتات التي نشأت بشكل طوعيّ وبمنأى عن منظمة التحرير والسلطة الوطنية، وحافظت بتعبيراتها على الأهداف الوطنية والمشروع الوطني، كانت رافعة ودافعة للنظام حول الدمقرطة والتمسك بالثوابت الوطنية، وليس لتطويع النظام السياسي وأهدافه السياسية، كما حدث مع المجتمع المدني داخل الأراضي الفلسطينية.
ومن المطلوب أن يبقى ثقل المنفى أو الشتات أو اللجوء راجحا وحاضرا بقوة، بالذات في منظمة التحرير، بكل ما يعنيه الخارج من تعبيرات الحفاظ على المشروع، أي وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج للحفاظ على المشروع الوطني، وهو أهم من الحفاظ على أدوات المشروع.
إذا، عندما نتحدث عن حكومة مستقلين يجب أن نراعي ألا يكون ذلك عمليةً لتمكين أدواتٍ لتطويع المجتمع الفلسطيني وتجاوز ثوابته الوطنية وتمرير رغبات سياسية خارجية واشتراطات الممولين المباشرة وغير المباشرة، بل المطلوب في حكومة المستقلين شخصيات وطنية مستقلة غير حزبية، لكنها في الوقت عينه ملتزمة تماما بالمشروع  الوطني.

* إجراءات لازمة:
أما الإجراءات التي تلزم لإعادة صياغة النظام السياسي الجديد، فتتمثل في: تعريف الأزمة والتفريق إن كانت أزمة سياسية أم تنظيمية أم ظرفية، أم كل ذلك. وتحديد أهداف النظام السياسي الجديد، وأن يضمن وحدة الهدف ووحدة القيادة وصولا إلى وحدة المنهج والأدوات. ومن الإجراءات اللازمة هنا: نبذ التربية والثقافة الفئويتين، وهذا لا يعني أن تتخلى مكونات النظام السياسي، بما فيها الأحزاب والقوى، عن هويتها، وإنما صياغة الأهداف المشتركة لمكونات هذا النظام، بما يضمن الاعتراف بالآخر الوطني واحترام التعددية وإطلاق الحريات دون سقوف.
وهنا لا بد من ضرورة تخليق آليات لإعادة صهر مكونات الشخصية الوطنية في مرجَل التحوُّل الإقليمي والعربي، والتركيز على المناهج والخطاب والثقافة والإعلام، وبمضامين تصبّ في هذه الروح وتعمّقها.
وعلينا، أيضا، التحرر من متطلبات المنظومة الأمنية التي كانت إفرازا لمرحلة سابقة أَثّرت على شكل النظام السياسي الفلسطيني وبنيته، وشكلت إحدى أهم عُقد الأزمة الفلسطينية، بمعنى أن القوى الفلسطينية من الناحية الجوهرية اختلفت مع بعضها على الحكم وعلى الرؤية السياسية، فيما كان اختلافها دائما مع الاحتلال على الأرض، وقد عبّر أداء النظام الأمني عن تداخلٍ ليس في محله في أولويات النظام، الأمر الذي عمّق الصراع فيه.
ومن المهم، كذلك، التحرر من منظومة المحاصصة داخل بنية منظمة التحرير الفلسطينية، التي امتدت إلى السلطة الوطنية وإلى مكونات مؤسسات المجتمع الفلسطيني، والانتقال إلى تحقيق أوسع مشاركة لمكونات المجتمع الفلسطيني في النظام السياسي، على أُسس تستند إلى مفهوم المشاركة وليس المحاصصة (شركاء في الدم شركاء في القرار، شركاء في الوطن شركاء في النظام).
 ولا بد من إطلاق الطاقات الفكرية في البنى السياسية والاجتماعية، وعدم الركون إلى العمل السياسي الروتيني والنمطي غير المستند إلى رؤية فكرية عميقة. وكذلك التخلص من الفئات والأفراد الذين تعلّقوا على بني النظام السياسي من الفاسدين والانتهازيين وأصحاب الأجندات  الشخصية.

* تحويل الأزمة إلى إنجاز:
لعل المطلوب من اللقاءات الجارية بين الفصائل الفلسطينية، لإتمام عملية المصالحة، أن تنتقل بها من محطة لقاء المأزومين إلى صعود قاطرة التحوّل الديمقراطي.
لا شك أن الشعب الفلسطيني قد انتظر هذه اللحظة طويلاً، لكننا لا يمكن أن نتجاهل أو ننكر أن هذه الحظة قد جاءت نتاجًا لأزمة حقيقية واجهتها أطراف الخلاف، حيث حضر كلٌ إلى طاولة المصالحة لأسباب تتعلق بأزمته. والمهم ألا نعيب على أحد أسباب حضوره، بقدر ما نتمنّى عليه أن يعمل جادّا على تحويل لحظة الازمة إلى إنجاز، يرتفع بالحالة الفلسطينية إلى مصاف روح التحوّل في المحيط العربي الناهض. كيف؟
وذلك بالتحرّر، أولا وقبل كل شيء، من القيود والموانع الإقليمية والدولية، التي كانت أحد أهم عوامل تأجيج الخلاف ومنع المصالحة.
وقد يكون واضحا أن اللحظة باتت مؤاتية لهذا التحرّر، خاصة، وأن القوى الدولية قد استهلكت الزمن اللازم لتحويل المسيرة السياسية إلى إنجاز سياسي، يؤدي إلى حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الثاتبة، بمعنى أن هذه القوى انكشفت، وتعرّى موقفها المنحاز للاحتلال، ولم يعد بالإمكان التعويل عليها، لما قامت به من تضليل وضلالات.
وكذلك فقد بانت هشاشة وعورة النظام الإقليمي، بشقّيه المُمانع والمنبطح - حسب التسمية الدارجة – وظهر أن كليهما لديه مشروع واحد هو البقاء في السلطة، وضمان تحالفه مع القوى الكبرى.  وقد ظهر ذلك جليّا عندما اجتاحت دبابات الانظمة المدن العربية، بدل أن تدكّ مستوطنات الاحتلال !

ثانيا: إن الشعوب لا تُقاد باستراتيجيات متعارضة، خاصة إذا ادّعى كل طرف حقّه في قيادة الشعب، لأن ذلك ينتج صراعا داخليا بالضرورة والفعل – كما حصل بالفعل -  لكن الشعوب تُقاد ببرامج مختلفة، وتتفق قياداتها على قواسم مشتركة، لصياغة استراتيجية وطنية موحّدة، وأشدّ ما يكون هذا ضروريا في مرحلة التحرر الوطني.

ثالثا: لا يمكن لأي حركة تحرر وطني أن تنُجز موضوعة التحرّر قبل أن تنجز موضوعة الوحدة الوطنية، وتعمل على تمتين وصيانة الجبهة الداخلية، وتضمن مناعتها، عبر كل الآليات التربوية والإعلامية والتعبوية والتنظيمية المشتركة.

رابعا: تغيير المفاهيم، كمفهوم المقاومة، الإرهاب، الحياة مفاوضات، الواقعية، سحب الذرائع، العدالة، ومفهوم توزيع عبء مواجهة الاحتلال (مجموعة تناضل وأخرى تقطف الثمار) أو (مجاميع في الزنازين والقبور، وآخرون في المكاتب والمناصب)، أي أن مواجهة الاحتلال ليست فرض كفاية، لأنها فرض عين على الجميع دون استثناء، كلّ حسب موقعه وإمكاناته، وبما يضمن مشاركة الجميع ضمن رؤية واستراتيجية واضحة وموحّدة، تصهر كل الوطن في مشروع واحد. وكذلك مفهوم سياسة الانتظار أو الخيار الإجباري، أو الانحراف نحو هذه الخيارات والممرّات الإجبارية، بدعاوى نفي البدائل، بعد القضاء على هذه الخيارات فعليا، أو تلويثها بقصد مقصود.

خامسا: الإفادة من هذه اللحظة التاريخية، التي لن تتكررّ كثيرا، أي توظيف طاقة الدفع الهائلة لمشروع التحوّل الديمقراطي العربي، بأقصى ما يمكننا ذلك، عبر جعل ايقاعنا معادلا موضوعيا ومتناغما مع تلك الحالة العالية المحيطة بنا، الأمر الذي يضع تلك الطاقة الهائلة للجماهير العربية في مواجهة الاحتلال، لأوّل مرّة في تاريخنا المعاصر، لأن الاحتلال كان يقابله طيلة الوقت نظام عربي مرتبط مع الغرب المنحاز للاحتلال. وهذا يتطلب تعميق العلاقة بين فلسطين المتجددة ونظامها السياسي الجديد الناضج، مع روح ورموز وبنى هذه الثورات. وهذا أبسط مفاهيم العمل السياسي في تحديد التحالفات أو معسكرات الاصدقاء والأعداء.
إن تحالفات فلسطين القادمة يجب أن تصطف وتكون تماما مع مشروع الجماهير العربية. إننا الآن أمام عَالم ينهض وعَالم ينهار، فلنكن مع الناهضين.

* ماذا تعني حكومة كفاءات أو مستقلين ؟
ينبغي أن ندرك أننا لا زلنا في مرحلة تحرّر وطني، على الرغم من تصدّي نظامنا السياسي لمهمات أخرى، على رأسها إدارة شؤون الناس (الحُكم) . لكن المهمة الأساسية تبقى مهمة التحرر والخلاص الوطني، التي يجب أن ينشغل بها كافة مكونات النظام السياسي الفلسطيني ( م.ت.ف، السلطة، الحكومة). وعندما نتحدث عن حكومة كفاءات أو مستقلين، أعضاؤها ليسوا من هذا الفصيل أو ذاك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدّاعي لهذه الفصائل، إن كانت ستُسَلَّم مهمتها إلى الآخرين ؟
إن هذا العبث السياسي هو تعبير عن أزمة عميقة في بُنى وفكر التنظيمات الفلسطينية، إن لم تتمكن من معالجته أو الخروج منه فورا، فإنها تفتح طريقا لخروجها من الحياة السياسية، وتعبّد دربا سالكا لأشخاص وقوى قد لا تخدمها، لطبيعتها غير المحصّنة، ولارتباطاتها، لأنها سهلة التعرّض للاختراق والتطويع، إنْ تجاهلنا أنها أساسا كانت نتاجاً لتلك القوى الكبرى، وأحد استطالاتها وأدواتها فينا.
إن التعبير الشعبوي ينطبق على هذه الحالة، والمتمثل في أنني لا أريدك، وأنتَ لا تريدني .. فما علينا إلا أن نُسَلّم أمرنا للآخرين. نحن هنا لا نقصد ولا نعني تجاهل دور الشخصيات الوطنية المستقلة، التي حازت على ثقة الشعب انتخابا وحراكا، لكننا في الأساس لا نُسَلَّم ولا نقبل أن يقتصر تعريف الشخصيات المستقلة على بعض الأسماء والرموز الاقتصادية والجهوية والعشائرية والدينية ومتحدثي اللغات وحاملي الشهادات الأجنبية.
لقد كان أمام الكثير من هذه الشخصيات فرصة الانخراط في مقاومة الاحتلال، لكنها آثرت الحفاظ على مصالحها وامتيازاتها، كما قبلت أن تكون متفرّجة، ولم تنكر الاحتلال إلا همسا أو في سرّها. بينما انصهرت كوادر القوى الفلسطينية في حمأة المواجهات، وتصدّت للاحتلال، وكانت من مختلف المشارب وفئات الشعب، والكثير منهم يستحق ويملك القدرة والكفاءة والصلابة ليكون ضمانة في موقع متقدم في هذه الحكومة أو تلك. إن حكومة المستقلين، بالمفهوم الذي لا نريده، وبمقاس الاشتراطات الخارجية ، هي تقاعد مُبكّر للفصائل، فلتبحث كوادرها عمّا يقتل وقتها، في ثرثرة المقاهي أو النوافل  أو كتابة المذكرات .

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية للمحتجزين والمعتقلين

featured

رواية النكبة في الحيز الاسرائيلي

featured

نحن لا نكره اليهود، نحن نكره العنصريين الحاقدين اليهود

featured

أسئلة ملحّة تطرح نفسها على الفلسطينيين

featured

كفى سمسرة سياسية بقضية الاسرى

featured

استعجلت الرحيل، أيها الغالي والعالي، الشيوعي المجدلاوي الأصيل أبو حسين – خالد مناع

featured

مع الجماهير العربية في المعركة نحو المساواة والديمقراطية