عند الاعلان عن اتفاقيات اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية، بزعامة القائد الوطني ياسر عرفات ورئيس حكومة اسرائيل المغدور يتسحاق رابين ووزير خارجيته شمعون بيرس. نشأت ظروف جديدة، فتحت الامكانيات لحل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني والاسرائيلي - العربي على اساس انهاء الاحتلال الاسرائيلي منذ عام 67 واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بجانب اسرائيل في حدود الرابع من حزيران 67، وعاصمتها القدس العربية وحل قضية اللاجئين على اساس الاعتراف بحق العودة الى وطنهم وديارهم، الا انه تبين بعد توقيع اتفاقيات اوسلو ان القضايا الجوهرية المفصلية الانسحاب، الحدود، المستوطنات، حق العودة، القدس وغيرها كلها ارجئت الى مرحلة لاحقة. الحياة اثبتت ان هذا الامر كان خطأ فادحا ارتكبه عرفات ورفاقه، بناء على هذه الاتفاقيات قامت السلطة الوطنية الفلسطينية على جزء من الضفة الغربية ومن قطاع غزة مع بقاء الاحتلال الاسرائيلي العسكري والاقتصادي والاستيطاني جاثما على رقاب شعبنا الفلسطيني.
منذ الاعلان عن اتفاقيات اوسلو تعهد اليمين الاسرائيلي بالعمل على افشالها والغائها بكل الطرق، وكانت الذروة في نشاط اليمين الاسرائيلي، باغتيال رئيس الحكومة يتسحاق رابين في المهرجان الجماهيري الواسع في تل ابيب، المؤيد للسلام والرافض لطروحات اليمين الاسرائيلي. بعد اغتيال يتسحاق رابين على الخلفية السياسية وبالذات اتفاقات اوسلو تقوى اليمين، حيث صعد الى السلطة زعيم الليكود بنيامين نتنياهو متغلبا على مرشح حزب العمل آنذاك شمعون بيرس والذي يعد من مهندسي الاتفاقيات مع عرفات ومع منظمة التحرير الفلسطينية. لم تصمد حكومة نتنياهو في وجه التطورات السياسية والاقتصادية، وسقطت ولم تنه فترتها القانونية وجاء الى الحكم النجم الصاعد آنذاك، زعيم حزب العمل ايهود براك. الا ان هذه الحكومة لم تعمر ايضا وسقطت، بعد ان نجح شارون زعيم الليكود باستفزازه الدموي من خلال تدنيسه للاقصى الشريف، وبعد ان فشلت المفاوضات بين براك وعرفات لأن براك لم يوافق على انهاء الاحتلال والعودة الى حدود الرابع من حزيران 67 واراد الاحتفاظ بالقدس العربية وبالكتل الاستيطانية والتنازل عن حق العودة الى آخره من الشروط المذلة التي لا يمكن لأي قائد فلسطيني قبولها.
بعد هبة اكتوبر 2000، اندلعت الانتفاضة الثانية التي انهت الانتفاضة الشعبية السلمية الاولى التي احرجت اسرائيل وجندت الرأي العام العالمي وبالاساس الجماهير الشعبية الفلسطينية وقضت الى الابد على روابط القرى العميلة. وجاءت الانتفاضة الثانية كانتفاضة مسلحة غير سلمية تعتمد على اسلوب التفجيرات ضد المدنيين. الآن يثبت للقاصي والداني ان اسرائيل استفادت من هذه التفجيرات واستهداف المدنيين من اجل الظهور بمظهر الضحية المسكينة ولتنفيذ مؤامراتها لزيادة الاستيطان وبناء جدار العزل وللقتل والاعتقالات، وكان اوجها في اجتياح مخيم جنين الصمود واجتياح كل الضفة الغربية ومن ثم فرض الحصار على الرئيس عرفات وفيما بعد تنفيذ الانسحاب احادي الجانب من قطاع غزة تحويله الى سجن كبير محاصر، برا وبحرا وجوا. وبعد نزول شارون عن الحلبة السياسية بسبب النوبة التي المت به جاءت حكومة ايهود اولمرت الذي حاول في البداية الظهور بمظهر من يريد تحقيق سلام مع الفلسطينيين.. فبدأ بمسلسل مفاوضات مع الرئيس محمود عباس رغم العدوان على لبنان والحرب العدوانية الهمجية على قطاع غزة، وقد استمرت هذه المفاوضات واللقاءات الثنائية حتى الايام الاخيرة من وجود اولمرت رئيسا لحكومة اسرائيل.
الغريب العجيب ان التنسيق والتعاون الامني بين "السلطة الوطنية"، مستمر لم يتوقف رغم كل الممارسات العدوانية الاسرائيلية. اسرائيل اصرت على هذا التعاون والتنسيق، وكذلك الولايات المتحدة، ومصر العروبة والاردن. "للسلطة الوطنية" جهاز امن وقائي، وشرطة واذرع امنية اخرى دربت في الاردن وعلى يد الجنرال الامريكي المبعوث من ادارة بوش. زودت هذه القوات بعربات مصفحة وببنادق واسلحة خفيفة لا يوجد عندها، دبابات او مدافع او صواريخ او طائرات حربية او سفن حربية. اذا ارادت فرقة من هذه القوات التنقل من مدينة فلسطينية الى مدينة فلسطينية اخرى عليها اخذ تصريح اذن من جيش الاحتلال الاسرائيلي. هذه القوات من اجل "الحفاظ" على "القانون" لمطاردة الحرامية، سارقي السيارات، ومن اجل حماية "السلطة الوطنية" الموجودة فقط في الضفة الغربية، بدون القدس العربية خوفا من الغضب الشعبي الجماهيري بعد الانقلاب الدموي الذي نفذته حماس، مقدمة بذلك اكبر خدمة للمخططات الاسرائيلية ولاعداء الشعب الفلسطيني وللرجعية العربية صديقة اسرائيل. رغم وجود هذه الاجهزة الامنية تواصل اسرائيل اجتياحاتها ليليا للمدن والقرى الفلسطينية تعتقل تجرح وتقتل بدون ان يعترضها احد من هذه القوى "الامنية" الفلسطينية، اسرائيل لا تحارب الجريمة في المدن الفلسطينية ولا تحارب تجار المخدرات والحرامية، اذا على أي اساس يجري التنسيق والتعاون الامني!!
ضد من يجري هذا التنسيق الامني اصلا!! ضد عصابات المستوطنين!!! ضد البؤر الاستيطانية مثلا، ضد عملاء اسرائيل وسماسرة الاراضي!! طبعا لا والف لا، الحقيقة انه ممنوع ان يكون تنسيق وتعاون امني بين الاحتلال الاسرائيل و"السلطة الوطنية" لان هذا تعاون بين الجلاد والضحية، لا بل خدمة مباشرة للاحتلال للجلاد.
لو تم اتفاق بين اسرائيل و"السلطة الوطنية" على الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربية، والقدس العربية وفك الحصار عن غزة، واتفق على جدول زمني للانسحاب وعلى اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس العربية واعترفت اسرائيل بحق العودة حينذاك "ربما" يكون مبرر لمثل هذا التعاون والتنسيق الامني من اجل تنفيذ الاتفاق.
في سنوات السبعينيات من القرن الماضي كانت المفاوضات بين ثوار الفيتنام والمحتلين الامريكان جارية على اوجها في باريس. في نفس الوقت لم يكن أي تعاون او تنسيق امني بين الفيتناميين والمحتلين الامريكيين بل صعد الثوار الفيتناميون من مقاومتهم للجيوش الامريكية وللعملاء الفيتناميين، ولم يكن الامر غير ذلك ابان الثورة الجزائرية او في عدن وغيرها. لذلك ليس صدفة ان الاغلبية الساحقة من ابناء الشعب العربي الفلسطيني في الضفة والقطاع وفي اسرائيل ترفض هذا التعاون والتنسيق الامني وترى فيه خدمة لمصالح الاحتلال الاسرائيلي وطعنه في الصدر وليس في الظهر للقضية الفلسطينية.
البعض يرى في هذا التنسيق والتعاون الامني خيانة للقضية الفلسطينية ويتهم القيمين عليه بأنهم عملاء لاسرائيل ولاحتلالها. قبل فترة قصيرة قام سوائب المستوطنين المتطرفين في خليل الرحمن بمحاولة احراق فلسطينيين عزل قوات "الامن" الفلسطينية لم تحرك ساكنا فهي غير معدة لمقاومة الاحتلال والمستوطنين، هذا محرم عليها بأمر من الاحتلال ومن "السلطة الوطنية". في وضع كهذا طبيعي ان تكون قطيعة وعدم ثقة بين هذه القوات بين ابناء شعبنا الصامدين في فلسطين المحتلة.
(ام الفحم)
