لا يقتصر استعمال الدين خدمة لأغراض سياسية حزبية على فصيل أصولي دون آخر، بل هو سمة غالبة، يتم توظيفه من كافة الفصائل والقوى السياسية الأصولية، بدءاً من حركة الإخوان الـمسلـمين، أقدم الحركات السياسية الأصولية وأقواها، مروراً بحزب التحرير الإسلامي، إلى ولاية الفقيه الإيراني، إلى تنظيم القاعدة الأكثرهم جهادية وثورية، وهي أبرز القوى الأصولية العابرة للحدود في العالـمين العربي والإسلامي.
استغلال الدين يتم في ظاهره لـما يحويه من قيم ورسوخ تقاليد ومفاهيم ساكنة في أعماق الناس منذ عشرات، بل ومئات سنين، غدت بمثابة مؤشرات ضميرية إيمانية سائدة، وفي باطنه يهدف إلى تحقيق غرضين: أولهما الاستيلاء على السلطة وهو لا يختلف في ذلك عن وسائل وأساليب التيارات اليسارية والقومية وإن ثبت أنه أشد صلابة وقسوة ورغبة في الوصول إلى السلطة، وثانيهما قمع الآخر ورفضه ونزع الشرعية عنه تمهيداً لتصفيته وإنهاء دوره.
هذا ما يجري في طهران، كما في غزة أيضاً، وامتداداً لهما ما يجري في العراق والصومال ومن قبلهم في أفغانستان والجزائر، وكافة البلدان التي اكتوت بنيران الأصولية ولهيبها وقسوة مجاهديها الأشاوس. حيث لا تعددية ولا حرية ولا حتى اجتهاد في التعبير والقول أو الحركة بل تصفيات جسدية لكل مخالف ومعارض، وتفجيرات انتحارية ذات طابع استشهادي تدميري تشمل الـمدنيين قبل العسكريين بلا رأفة وبلا وازع تجاه إنسانية الإنسان وحقه في الحياة، التي وهبها الخالق الواحد الأحد ولا فضل للبشر فيها.
فالتعددية سمة أصيلة في الحياة والتكوين البشري، والتعددية الدينية انعكاس لهذه الحياة، ودلالة ذلك أن الأنبياء والرسل نزلت عليهم الكتب والوصايا لقوميات دينية مختلفة، والدين الواحد ورثناه منقسماً بين طوائف واجتهادات من أتباع الديانات السماوية الثلاثة، ناهيك عن وجود كتل بشرية هائلة العدد من أصحاب الأفكار غير السماوية في جنوب شرقي آسيا وإفريقيا وغيرها.
وبينما الدين تعددي، فالفصائل الأصولية لا تؤمن بالتعددية، ولا تقرها، ولا تستجيب لشروطها، بل تجد نفسها وحدها صاحبة الولاية والحق ودونها الشر والكفر والعدو الذي لا مناص من تصفيته وقتله.
ما يجري في إيران، نموذج صارخ لكيفية التعامل مع الآخر، فقد وصف رجل الدين عباس فايز تباسي ممثل الـمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي ينحني أمامه خالد مشعل ويقبل يديه تعظيماً لأسباب ودوافع مالية وحزبية وسياسية، وصف عباس تباسي الـمعارضة لنظام حكمه بقوله "إن الـمسؤولين عن الفتنة الحالية في البلاد، أعداء الله ورسوله يجب معاقبتهم بحد الحرابة" وحد الحرابة هو القتل، أي ينبغي إعدامهم وفق ولاية الفقيه الإيراني ولـمن؟ لـموسوي وكروبي وهما رئيس الوزراء الأسبق ورئيس البرلـمان السابق، ولـم يرتكبا سوى الاجتهاد والـمعارضة للرئيس محمود أحمدي نجاد ولتعليمات الـمرشد الداعمة للحكومة.
والرئيس الإيراني نجاد وصف الـتظاهرات التي نظمها أنصار الـمعارضة يوم الأحد الـماضي والتي تطعن بشرعية انتخابه على أنها تستجيب لسيناريو أمر بوضعه "الصهاينة والأميركيون" كما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية إيرنا.
ودعا رئيس مجلس الشورى علي لاريجاني إلى إنزال العقوبة القصوى بـ "أعداء الثورة" وقال إن مجلس الشورى يريد أن تضع أجهزة الـمخابرات والسلطات القضائية حداً لأولئك الذين يستهينون بالدين وإنزال العقوبات القصوى بحقهم.
هذه هي فلسفة الحكم الأصولي لولاية الفقيه الإيرانية وتطبيقاتها، فالآخر لا اعتبار له ولا مجال للاجتهاد أو الاحتجاج السلـمي الـمدني، فهو عميل أميركي صهيوني، أما هم فهم محصنون من الخطأ والخطيئة، وهم مكلفون بتنفيذ أحكام الشريعة، وهي فلسفة وإجراءات لا تقتصر تطبيقاتها على ولاية الفقيه، بل تمتد لتشمل كافة التنظيمات والقوى السياسية الأصولية العابرة للحدود.
تنظيم القاعدة لا يحتاج لاستحضار تصريحات قادته للدلالة على حجم رفضها وعدائها للآخر والعمل على تصفيته واجتثاثه، فسلوكها العملي بالتفجيرات في كل مكان، وفي أغلبية العواصم، ليس فقط في أميركا كما حصل في 11 أيلول 2001، وفي أنحاء أوروبا، بل شملت عملياتها التدميرية التفجيرية أغلبية العواصم العربية والإسلامية، ولـم تقتصر على العسكريين أو أجهزة الأمن بل استهدفت الـمدنيين ومؤسساتهم من فنادق وحافلات وأسواق وكنائس وكنس ومساجد الشيعة، لتأكيد حقها في الجهاد وممارسة العمليات الاستشهادية ضد الآخر بدون أي رادع إنساني..
وما بين ولاية الفقيه وتنظيم القاعدة، يقف تنظيم حركة الإخوان الـمسلـمين، الأقل ممارسة للعنف، بعد فشل تجربتين للعمل الـمسلح قام بهما الأولى ضد نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بعد أن تحالفوا معه وعملوا على إنجاح الانقلاب ضد الـملكية وشاركوا في ثورة يوليو 1952، والثانية ضد نظام حزب البعث في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد عام 1976، وتطور موقفهم من العنف نحو العمل الأكثر جدوى ورصانة من خلال الـمشاركة في الحياة السياسية العلنية، وفي الانتخابات البلدية والنقابية ومؤسسات الـمجتمع الـمدني وصولاً نحو الـمشاركة في البرلـمان، كما حصل في العديد من البلدان العربية كالأردن ومصر والسودان والجزائر والكويت والـمغرب واليمن والعراق وفلسطين، مع حرصهم على عدم التصادم مع طرفي الـمعادلة الأصولية، القاعدة وولاية الفقيه، بل يتم التحالف بينهم في مواقع ويتصادمون في مواقع أخرى، حسب الظروف الحسية والـمصالح الحزبية لكل فصيل منهم.
حركة الإخوان الـمسلين في الأردن مثلاً شجبت عمليات القاعدة ضد الفنادق الأردنية في عمان، وشاركت في تقديم واجبات العزاء السياسي لـمقتل أبو مصعب الزرقاوي أمير ولاية القاعدة في العراق والأردن، وهي إزدواجية تجيد حركة الإخوان الـمسلـمين ممارستها منذ تحالفها مع الولايات الـمتحدة الأميركية طوال الحرب الباردة في مواجهة السوفييت، وضد التيارين اليساري والقومي وضد منظمة التحرير الفلسطينية وهويتها الوطنية وحق تمثيلها لشعبها الفلسطيني، وتوظيف الدين وحمل السلاح تحت الراية الأميركية وخدمة مصالحها الكونية.
في قطاع غزة، توصلت حركة حماس إلى هدنة غير متكافئة مع الإسرائيليين عبر الوسيط الـمصري، وتلتزم بهذه الهدنة من طرف واحد وتجبر القوى السياسية الأخرى على الالتزام بها، وتردعها إذا فكرت أو نفذت أي عمل عسكري ضد العدو الإسرائيلي باعتبار ذلك يتعارض مع خيارها الأمني الحزبي في فرض التهدئة، وفي الوقت نفسه الذي تكثر فيه الحديث عن الـمقاومة والـممانعة، وكأن هناك من يمنعها أو يحول دون ممارستها للـمقاومة، خاصة وهي صاحبة القرار ومصدر السلطة منفردة على طول حدود قطاع غزة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.
حركة حماس التي تتبع حركة الإخوان الـمسلـمين، مثلها مثل ولاية الفقيه، لا تؤمن بالديمقراطية ولا تحترم الآخر، وأبرز أمثلة على ذلك أولاً سلسلة الاغتيالات التي قامت ضد كبار ضباط الـمخابرات والأمن الوقائي والأمن الوطني تمهيداً للانقلاب، وثانياً القيام بعملية الانقلاب الدموي العام 2007، وثالثاً تصفية الـمجموعات الـمسلحة التي كانت حليفة لها قبل وخلال وبعد الانقلاب، والقائمة تطول، والحبل على الجرار.
