صادفت في الخامس عشر من كانون الثاني الحالي الذكرى الثامنة والتسعون لميلاد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. وهذه الذكرى ليست ككل الذكريات، فهناك من القادة الكبار والزعماء الذين تركوا بصماتهم بقوة على مجرى التاريخ والاحداث. وهؤلاء نظل دائمًا نحنّ الى ظل حضورهم، فقد ترك هذا الزعيم ارثًا نضاليًا وثوريًا لشعبه المصري، وامته العربية، والشعوب المحبة للسلام والحرية، ما لا يتسطيع الزمن ان يمحوه من الذاكرة الحية، لا سيما في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخنا، والمفصلية في وجودنا. فكأننا نقول، وبعد اكثر من 45 عامًا على رحيله: ما احوجنا اليك يا عبد الناصر الآن حتى نخرج من هذا الواقع المرير، وهذه الظلمة الحالكة. فقد وجدنا في ارثك النضالي، وفي سيرتك الكفاحية وفي ثورتك الخلاقة ومبادئها السامية، ما نستطيع ان نتشبث به فلقد فعلوها بنا منذ يوم رحيلك، وانقضوا عليك بعد مماتك، وهاجموك اكثر مما كانوا يفعلون ايام كنت فارس الميدان والسيد الذي تصغي له الدنيا وتحسب لك الف حساب. فلقد كان ارثك وتاريخك ومبادئك وثورتك هاجسهم الذي يقضّ مضاجعهم، وينغِّص نومهم، فقاموا بشن حملات التحريض عليك، والتشهير بك، كي يقتلعوا كل ما جئت به، لا يتركون بذرة واحدة في الارض تنبت تشير اليك، لانك كنت غرس الجماهير الوارف الظلال. وكم كان بودهم ان يمحوك من ذاكرة الاجيال، على امل ان تنطفئ الشعلة، ويموت الحلم الى الابد. ولكن بعد مرور تلك السنوات العجاف، فإن هناك جيلًا جديدًا من الشباب الذي ولد بعد رحيلك لا زال يهتف باسمك، ويرفع صورتك في الساحات والميادين، ويتلمس الخلاص من خلال العودة الى مبادئك الحرة الاصيلة. كيف لا وقد كنت ابرز قادة التحرر الوطني في النصف الثاني من القرن العشرين. فثورة 23 يوليو 1952، التي كنت قائدها وزعيمها، لا زالت الثورة الأم التي ألهمت الملايين ليس على الارض العربية وحدها، وانما في آسيا وإفريقيا وامريكا اللاتينية. ونحن الذين كنا اولادًا صغارًا في تلك الايام، لا زلنا نذكر بكل فخر واعتزاز ذلك الزمن الجميل. فبعد عامين فقط من ثورة يوليو الخالدة، اجبرت المستعمر البريطاني ان يوقع اتفاقية الجلاء بعد استعمار دام لأكثر من سبعين عامًا.
وكانت تلك اهم انجازات ثورتك في القضاء على الاستعمار، وانطلقت بعد ذلك بقليل الى الفضاء العالمي الواسع، لتثبت انك لست زعيمًا وطنيًا في بلدك مصر، ولا زعيمًا قوميا في محيطك العربي، وانما زعيم تحرر وطني على مستوى العالم الرحب الواسع، ففي نيسان 1955، كان حضورك العالمي اللافت في مؤتمر باندونغ لدول آسيا وإفريقيا المستقلة في اندونيسيا، عند صديقك الزعيم احمد سوكارنو. وفي الطريق الى باندونغ عرّجت، يا سيدي، وحطّت طائرتك في نيودلهي، عند الزعيم الهندي نهرو، لتستقل واياه الطائرة وتهبطا في الطريق الى باندونغ في رانغون، عاصمة بورما، للقاء اول رئيس وزراء لها بعد الاستقلال اونو. وحضر الى هناك ايضًا الزعيم الصيني شوان لاي، رئيس الوزراء. وكم كان مؤثرًا ومهمًا ان يستقل الزعماء الاربعة طائرة واحدة، توجهوا بها الى اندونيسيا لحضور اول مؤتمر آسيوي إفريقي، كان بعد ذلك نواة لقيام مجموعة دول عدم الانحياز، حيث كنت ابرز قادة هذه المجموعة الدولية، مع زعيم يوغسلافيا المارشال تيتو، والزعيم جواهر لال نهرو الرئيس الهندي، واحمد سوكارنو الرئيس الاندونيسي. وقد كان لمجموعة دول الانحياز دور بارز في قيادة حركة التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا وامريكا اللاتينية.
وبعد ذلك، وفي العام 1956، برز دور عبد الناصر في منازلة الاستعمار القديم حين أمّم قناة السويس وانتصر، وواجه العدوان الثلاثي: بريطانيا وفرنسا واسرائيل، وهزم ذلك العدوان في معركة بورسعيد الخالدة، وانتصر عليه سياسيًا، حيث اصبح جمال عبد الناصر بعد تلك المواجهة الفاصلة الزعيم الابرز لحركة التحرر في العالم. في ذلك الوقت توجه عبد الناصر نحو المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي بوساطة الزعيم الصيني شوان لاي، وعقد صفقة الاسلحة الشهيرة التي عُرفت بـ "الصفقة التشكيلية" ووقفت القيادة السوفييتية الى جانب مصر ايام العدوان الثلاثي، حيث كان الانذار السوفييتي على لسان بولغانين رئيس الوزراء، الذي اوقف العدوان على مصر بعد صمودها. وكان هذا حافزًا لثوار العالم ان يستلهموا من صمود عبد الناصر، فكان الزعيم الكوبي كاسترو ورفاقه يتطلعون الى مصر وزعيمها في مواجهة الدكتاتور باتيستا، حيث انتصرت الثورة الكوبية في العام 1959، ولا زالت رائدة حتى اليوم في امريكا اللاتينية. ولانه كان قائدًا لحركة التحرر الوطني العالمية، فقد وقف جمال عبد الناصر الى جانب كل الثورات التحررية العربية والعالمية. فمن القاهرة اعلن احمد بن بلا قيام الثورة في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي. وفي القاهرة تجمع ثوار إفريقيا وانطلقوا فيها لتحرير بلدانهم. ففي العام 1957، تمكنت غانا (ساحل الذهب سابقًا) من نيل الاستقلال بقيادة الدكتور كوامي نكروما لينضم سريعا الى مجموعة عدم الانحياز. وفي العام 1958 نالت غينيا استقلالها عن فرنسا بقيادة الثائر احمد سيكوتوري الذي احتضنه جمال عبد الناصر واصبح زعيمًا مهمًا في دول عدم الانحياز، واثمرت جهود ونضالات التحرر الوطني في إفريقيا عام 1960، حيث نالت كثير من هذه الدول حريتها واستقلالها فكان عام افريقيا السحري. وما كان لذلك ان يتم لولا مساندة ودور عبد الناصر المؤازر والمؤيد. استقلت الكونغو عن بلجيكا وظهر الزعيم الكبير باتريس لومومبا. واستقلت تنزانيا بقيادة يوليوس نيريري. واستقلت جمهورية مالي بقيادة عملاق افريقيا موديبو كيتا كما سماه احمد بن بلا. وكان عبد الناصر الداعم والمناصر والمحرك لهذه الثورات التحررية، وكانت القاهرة مقرًّا لهذه الحركات، ولم تخلُ ثورة من الثورات من بصمات عبد الناصر التحررية. فقد كان الاب والراعي لهذه الثورات، خصوصًا في إفريقيا حيث كان ينظر اليه الافارقة بأنه ابٌ لهم جميعًا.
واستذكر هنا انه في العام 1965 اطاح انقلاب عسكري بقيادة الجنرال انكرا بصديق عبد الناصر في غانا كوامي نكروما. وفي اول لقاء جمع عبد الناصر بالجنرال على هامش اجتماع منظمة الوحدة الافريقية، تقدم الجنرال من عبد الناصر ليصافحه ويقول له: يا والدي..! سأل عبد الناصر الجنرال انكرا عن عمره فقال: (58) عاما، فقال له عبد الناصر: انني ابن 47 عاما وانت ابن 58 عاما فكيف تقول لي يا والدي!؟ قال الجنرال انكرا: اننا يا سيدي جميعًا في إفريقيا نعتبرك أبًا لنا.
ولانه عبد الناصر العظيم هذا لم يتركه الاستعمار، ولم تتركه الرجعية، ولم تتركه الصهيونية. فكان عدوان 1967 للإجهاز على عبد الناصر وثورته، وفشلوا وبقي عبد الناصر حتى 28 سبتمبر/أيلول 1970، ليرحل. ومن يدري فربما مات غدرًا وغيلة، ولانه كذلك فنحن لا زلنا نحنّ الى ظل حضوره..!