قرى مهددة بجشع الرأسماليين وتواطؤ السلطة. صورة للموقع بعدسة كاتبة المقال
*تعقد لجنة التوجيه العليا لعرب النقب ندوة شعبية بمناسبة يوم الأرض، اليوم، 28 اذار، في القاعة الرياضية في قرية كسيفة، من أجل شرح المخاطر البيئية والصحية لإقامة منجم الفوسفات في "سديه برير"*
مخطط إقامة منجم سديه برير هو نموذج صارخ عن اختلاط مصالح الرأسماليين مع السلطة وتوجهاتها القومجية، وجزء من سياسة اقتلاع السكان العرب في النقب وتهجيرهم. ويهدد هذا المخطط باقتلاع وتهجير نحو 15,000 نسمة من المواطنين العرب من قرى الفرعة والزعرورة وغزة، كما يتهدد السكان اليهود من مدينة عراد.
تسعى عائلة عوفر إلى استخراج الفوسفات من وادي عراد من منطقة "سدية برير"، وفي نهاية شهر كانون الثاني من هذا العام صادق المجلس الوزاري المصغر للاسكان على إقامة المنجم.
فما هو الفوسفات؟ يستخرج الفوسفات لاستخدام مادة الفسفور. "الفسفور هو عنصر ضروري لجميع أشكال الحياة: وهو عنصر أساسي في العمليات الفيسيولوجية والبيوكيميائية، لبناء الأنسجة الحيوانية والنباتية، وعمليات الأيض. وهو واحد من ثلاثة عناصر التغذية الضرورية، إضافة إلى النيتروجين والبوتاسيوم، التي يتوجب على النبات استخلاصها من الأرض، وبدونها لا يمكنه النمو على الكرة الأرضية وأن يصبح غذاء للحيوان والإنسان. تتواجد صخور الفوسفات في بطن الأرض، وهي تكاد تكون المصدر الوحيد في عالمنا الذي يزودنا في الفسفور" (*). طبعًا هذا بالإضافة إلى الفسفور المتواجد بشكل طبيعي في الأرض والمواد العضوية.
صخور الفوسفات في إسرائيل "تتواجد بشكل أساسي في النقب الشمالي والأوسط، وهي جزء من "حزام الفوسفات المتوسطي". يتم استخراج الفوسفات بشكل حصري من قبل شركة "كيل روتم" من ثلاثة مواقع أساسية: وادي تسيون، أورونوميشورروتم". عائلة عوفر هي المالكة لشركة كيل روتم. عيدان عوفر هو الرأس الأكبر لهذه المملكة ويعيش في لندن.
لا توجد اليوم منافسة كبيرة في العالم في مجال الأسمدة الفسفورية، ولذلك فإن أرباح الفوسفات عالية. "95% من صناعة الفوسفات المحلية هي للتصدير، مقابل عائدات تم تحديدها وفق أوامر المناجم والتي تصل إلى 2% من قيمة صخور الفوسفات. في عام 2012 وصلت قيمة العائدات إلى نحو 5,4 مليون دولار، في حين يقدر حجم الانتاج لهذه الصناعة بنحو مليار دولار". لا ينبغي الاستهانة بأهمية التصدير لاقتصاد الدولة. لكن، وكما في العديد من الحالات الأخرى، فإن معظم الأرباح تعود إلى عائلات كبار رؤوس الأموال، بينما لا يستفيد المواطنون في إسرائيل من أرباح الثروات الطبيعية لدولتهم. علاوة على ذلك، فإن تكلفة الأضرار البيئية ومعالجة مخلفاتالجير والتحلل الإشعاعي، وصحة السكان، هي أعلى بنحو 30 مرة من العائدات التي تدفعها شركة كيل روتم للدولة.
سدية برير
توجد مناطق الفوسفات غربي مدينة عراد ومنذ أكثر من عشرين سنة تحاول عائلة عوفر وضع اليد على هذه المناطق، وقد خصصت الدولة للشركة منطقة "سدية برير"، والتي تقدر بنحو 15,000 دونما. تقع منطقة سديه برير على بعد ثلاثة كيلومترات شرقي كسيفة، وثلاثة كيلومترات غربي عراد. تجري الرياح عادة من الغرب إلى الشرق، مما يعني أن سكان عراد هم الأكثر تضررًا من غبار التحلل الإشعاعي. ووفق الدراسات فإن سبعة أشخاص "فقط" سيموتون في عراد سنويًا بسبب هذا الغبار، وليس واضحًا تمام كم سيموتون بسبب التحلل الإشعاعي.
وهذا كله ليس مفاجئًا، فنتنياهو متورط شخصيا في هذه القصة. فخلال مناقشات إقامة المنجم حصلت وزارة الصحة على تقارير مهنية تبين المخاطر الصحية على سكان المنطقة. ردًا على ذلك قامت عائلة عوفر بتقديم رأي مهني مدفوع الثمن يبين عدم وجود مخاطر صحية. ووفق تقرير القناة العاشرة فقد تم "إعادة الكرة إلى وزارة الصحة التي عادت وحذرت من خطورة الغبار. لكن وفي أعقاب ضغوطات من الشركة، تقرر التوجه إلى مستشار خارجي ليقرر بخصوص تلك التقارير، ولكن لا أحدًا يريد تفسير ما ومن وراء تغيير القرار. وقد علمت القناة العاشرة أن من فرض تعيين المستشار الخارجي هو مكتب رئيس الحكومة".
المنطقة التي تريد عائلة عوفر السيطرة عليها تقع أسفل القرية البدوية الكبيرة الفرعة، والتي يصل عدد سكانها سوية مع قريتي الزعرورة وغزة إلى نحو 15.000 نسمة. تم الاعتراف بقرية الفرعة بتاريخ 19 شباط 2006، لكن النزاع حول مخطط منجم الفوسفات في سديه برير يعيق منذ نحو عشر سنوات المصادقة على الخارطة الهيكلية للقرية.
بغية إقامة المنجم في تلك المنطقة يجب اقتلاع 10,000 نسمة من السكان العرب المحليين. اقتلاع العرب وهدم بلداتهم هي جزء من سياسة الدولة تجاه مواطنيها العرب. فالدولة تبحث عن كل حجة ممكنة بغية "تطهير" الأرض من سكانها العرب وحشرهم وتركيزهم في بلدات فقيرة أقيمت لهذا الغرض.
لا يحاول سكان الفرعة حتى مجرد محاربة مخطط إقامة المنجم. ففي تقرير "دي ماركر" قال خليل جبري من سكان الفرعة: "السكان محبطون ويعرفون أنه تمت المصادقة على إقامة المجم رغم نضال سكان عراد ورغم جميع التوصيات ضده، ورغم الخبير المختص الذي جلبوه من الخارج، ورغم موقف وزارة الصحة. لقد عجز وزيرا صحة عن تغيير الوضع، لذلك يقول السكان هنا: كيف لنا أن نغيّر هذا القرار. لكن، حتى لو تمت إقامة المنجم على بعد متر واحد من هنا، فلن يقوم شخص واحد بترك المكان. جميع سكان الفرعة ولدوا هنا. لا يوجد شخص واحد انتقل إلى هنا من مكان آخر، لذلك سيبقى جميعهم هنا. فإذا أصبنا بالسرطان فليكن".
خطر نشوء "قرى الموت"
كنت في قرية الفرعة عدة مرات للحديث مع السكان. الدولة توظف أموالا طائلة لتمويل عمليات هدم المجتمع هناك. ومنذ عشر سنوات وممثلو الدولة يعملون لصالح كبار أصحاب رؤوس الأموال وفي خدمتهم، ويبثون الأكاذيب بين الجيران، ويتسببون باليأس وفقدان الأمل، ويهددون ويرهبون السكان. والسكان العرب هناك لا يدرون على من يعتمدون. في الزيارة الأخيرة للفرعة ذهبت مع سريت عوقد من عراد، من قيادات النضال ضد سديه برير. خلال الزيارة قال لنا خليل جبري نفسه: "السكان يقولون أنهم سيبقون هنا حتى لو تعرضنا للسرطان". فقالت له سريت "وجود الفوسفات في باطن الأرض لا يتسبب بالتحلل الإشعاعي. ولكن عندما يتم الحفر واستخراجه يؤدي الأمر إلى التحلل الإشعاع الذي سيقضى على الجميع ويتسبب بأمراض لأطفالكم. إذا لم نوقف هذا المنجم لن تستطيعوا البقاء هنا. في الصين تم نقل بعض السكان إلى مناطق استخراج الفوسفات. واليوم تسمى تلك القرى بقرى الموت".
في بداية شهر شباط تظاهر العديد من السكان اليهود الحريديم والعلمانيين من عراد والعديد من السكان العرب من الفرعة. كانت تلك مظاهرة جبارة التي أخافت نتنياهو. لقد كانت تظاهرة قوة وتواصل بين السكان. وكان لي شرف المشاركة في تنظيم تلك المظاهرة، وساعدنا النائباندوف حنين ويعقوب ليتسمان من خلف الكواليس؛ كما شارك فيها أعضاء كنيست ونشطاء عرب وقيادات من النقب.
صحيح أنه ليس من السهل الانتصار في معركة تجتمع فيها مصالح الرأسماليين مع الحكم ومع المصالح القومجية، لكن المعركة لم تحسم بعد.
وفي سياق نضالنا هذا سوف تعقد لجنة التوجيه العليا لعرب النقب ندوة شعبية بمناسبة يوم الأرض، اليوم، 28 اذار، في القاعة الرياضية في قرية كسيفة، من أجل شرح المخاطر البيئية والصحية لإقامة منجم الفوسفات في "سديه برير".
نضالنا مستمر!
**مصدر المعلومات في هذه المقالة من موقع سديه برير على الإنترنت www.nobarir.com,، ومن محادثات مع د. سريت عوقد، من سكان عراد، التي تقود النضال ضد إقامة المنجم هناك منذ نحو عشر سنوات.
