همج داعش.. "تطوّر" طبيعي للرجعية الوهابية
?*لم تأتِ عقيدة «داعش» من العدم، أو من فراغ. من يقرأ «وثيقة المدينة» التي نشرتها عن حكمها المزمع في الموصل يتبيّن معالم العقيدة الحاكمة في قطر والسعوديّة. هي الوهابيّة التي تنتشر في دسائسها وكراهيّتها وفرقتها وبغضها من خلال الثورة النفطيّة (والغازيّة) ومن خلال مراحل الهبّات الجهاديّة التي بدأت أميركا برعايتها في سنوات الحرب الباردة. الموجة الأولى أتت في الثمانينيات عندما شكّل الثلاثي الأميركي - السعودي - الباكستاني جيشاً من الظلاميّين المتعصّبين لصدّ الشيوعيّين!*
- حال المالكي كحال حميد قرضاي. لم يكن أحد قد سمع به خارج نطاق «حزب الدعوة» في المنفى. هو ترك العراق مبكراً ولم يبرز اسمه ولا حتّى بعد غزو العراق. لكن قصّته رُويت في الصحافة الأميركيّة وإن حاولت الأخيرة ان تتناساها في الأيّام الماضية. كان السفير الأميركي الأسبق في العراق زلماي خليل زاد، يبحث عن مُرشّح شيعي لرئاسة الوزراء كي يخلف إبراهيم الجعفري. استقرّ رأي خليل زاد عليه لأنه - كما قيل - ذو سمعة حسنة. الآن تلوم أميركا الشعب العراقي على اختيار المالكي!
لم تكن هجمة «داعش» في الحسبان إذ أن إعلام آل سعود وآل ثاني استمرّ على مدى أكثر من عام يزعم ان «داعش» ليس إلا صنيعة النظام السوري والإيراني فقط لتشويه صورة «الثورة» السوريّة (على افتراض أن «الجبهة الإسلاميّة» و«الجيش السوري الحر» و«جبهة النصرة» لا تضفي على «الثورة» تلك إلا بياضاً ناصعاً مثل أفعال مساحيق الغسيل).
ومزاعم معارضة المنفى (أو معارضة التنازع بين النظاميْن القطري والسعودي) تستند إلى فرضيّة أن النظام السوري لا يقاتل «داعش»، لكن عندما يقاتل النظام «داعش» تصرخ أصوات المعارضة الخارجيّة مُجتمعة أن الطائفة السنيّة (برمّتها) تتعرّض للقصف من قبل النظام.
النظام السوري، طبعاً، ليس بعيداً من ألاعيب استخباراتيّة غريبة ومتناقضة - نعرف ذلك في لبنان معرفة وثيقة - لكن من المُستبعد ان حركة تخوض حرباً طائفيّة شعواء ضد طوائف بحالها، وتتلقّى تمويلاً ودعماً من أعداء النظام السوري - تكون أداة بيد نظام تسعى إلى قلبه. لكن من المضيعة للوقت التعاطي بمنطق أو باحترام أخلاقي (مهني) مع إعلام آل سعود وآل ثاني (وتوابعه السوريّة واللبنانيّة) في أي من الشؤون السياسيّة (أو غير السياسيّة). هؤلاء - الأنظمة وأدواتها لا الشعوب - يعيشون في دهاليز قرون بعيدة من حاضرنا.
أما على الصعيد العربي، فيمكن رصد تغطية موضوع «داعش» منذ إطلاق تنظيم «الدولة الإسلاميّة في العراق والشام» في مقالات ليبراليّي آل سعود وآل ثاني وآل مَن استولى مثلهم على مصادر نفط وغاز وكاز من المُستعمِر الذي رعاهم منذ النشأة. هكذا تدرّجت حكاية «داعش» كرونولوجيّاً في سرديّة الإعلام المذكور، وفي بيانات ليبراليّي 14 آذار السوريّة:
1. ليس هناك من تنظيم «داعش». هذه كذبة إعلام الممانعة وذلك لتشويه اسم وصورة «ثورة» ناصعة. كيف يمكن أن يكون هناك تنظيمات إسلاميّة جهاديّة فيما دور الإخوان المسلمين ضعيف جدّاً بوجود سهير الأتاسي (ورفيقة أخرى لها وإن تغيّر اسم الرفيقة بحسب المقال) التي تقود «الثورة» المسلّحة وهي ثورة علمانيّة نسويّة ليبراليّة.
2. هناك تنظيم «داعش» لكنه تنظيم صغير ولا تأثير له بوجود قائدة «الثورة» المُسلّحة العلمانيّة، سهير الأتاسي (مع رفيقة أخرى لها).
3. إن تنظيم «داعش» موجود لكنه صنيعة النظام الإيراني والسوري.
4. «داعش» هو خطر مدلهمّ ولهذا يجب دعم الفصائل المُسلّحة ذات التوّجهات العلمانيّة والليبراليّة، أي تلك التي تتلقّى دعماً من النظاميْن القطري والسعودي.
5. «داعش» هو خطر على المنطقة لأن النظام السعودي قرّر ذلك وبأوامر أميركيّة. إذا كان النظام السعودي قد قرّر ذلك فلا مفرّ من الطاعة الكليّة.
6. إن «داعش» هو تعبير عن الغضبة السنيّة التي تعاني من التجبّر الشيعي الطائفي.
7. هو ليس بـ«داعش» في العراق. إن حزب البعث والعشائر العربيّة هي التي تتحرّك أما تنظيم «داعش» فهو صغير جداً، ولا تتعجبوا لو أن سهير الأتاسي (مع رفيقة لها طبعاً)، التي تقود «الثورة» المُسلّحة في سوريا تقود «ثورة» مجيدة أخرى في العراق.
8. «داعش» هي ليست كما تظنّون وتظنّن. الحقيقة هي ان الطريقة النقشبنديّة - وهي شديدة الاعتدال مثلها مثل الوهابيّة - تتحرّك لكن هناك من حَشر شعارات «داعش» المزيّفة.
* الإعلام السعودي والقطري انتظر الأوامر!*
وقع ليبراليّو الإعلام العربي في حيرة من أمرهم. ماذا يقولون أمام شعارات وبيانات «داعش» في العراق. هي «ثورة» بمقياسهم ومعاييرهم لكن الإعلام السعودي والقطري انتظر لساعات وصول الأوامر. قد يُكرّر رضوان السيّد مقولته: إن أي نقد للحركات الجهاديّة الطائفيّة المدعومة من آل سعود هو هجوم على الدين الإسلامي (من يذكر آراء رضوان السيّد قبل عقد من الزمن؟).
لم يكن حدث هجمة «داعش» مثل غيره في المنظور الأميركي. استفاق المحافظون الجدد على فرصة أخرى للحثّ على مزيد من الحروب ومن الغزوات الأميركيّة التي - مرّة أخرى - ستعلّم الأعداء العرب والمسلمين درساً لن ينسوه ما حيوا. يريد هؤلاء إعادة «تحرير» العراق، وفييتنام لو أمكن. مُرّة كانت الهزيمة. السيناتور لندسي غراهام (من أوثق حلفاء السناتور جون ماكين والاثنان في السياسة الخارجيّة على يمين جنكيز خان بقليل) دعا الإدارة الأميركيّة للتعاون مع إيران في التصدّي لخطر «داعش» (والرجل معروف بأنه من أنصار قصف إيران حتى من دون سبب نووي).
الإعلام الخليجي أصيب باضطراب ملحوظ. تأخّر ردّ فعل النظاميْن المُذنبيْن، السعودي والقطري، أكثر من يوم واحد وكان موقفا الحكومتين متطابقين. لاما، مثلهما مثل إعلام الإمبراطوريّة، شخصاً واحداً، هو نوري المالكي. لكن من هو نوري المالكي الذي كان يحظى بالتهليل والتكبير عندما شنّ حملة ضد «جيش المهدي» وصاحت أصوات من الحزبيْن في واشنطن بأن هذا هو مُخلّص العراق؟ وزاد من تقدير الحكم الأميركي للمالكي عندما تصدّى بذراعيه وجوارحه للاعتداء بالنعال على راعيه جورج بوش.
هذا هو حال الاستعمار. لا يستقرّ على قرار لأن الفشل والتعثّر هو مساره ومآله. كان الاستعمار الأميركي في فييتنام يلقي باللوم على هذا الجنرال في جنوب فييتنام أو ذاك، أو كان يقول ان الاستعمار الأميركي سيسود لو ان هناك طاغية فعّال في جنوب البلاد. من انتقد حميد قرضاي في أفغانستان غير الحكومة الأميركيّة؟ هل كان هناك من سمع به في الإعلام قبل ان تختاره أميركا، ثانياً، بعد ان وصل اختياره الأوّل عبد الحقّ، في طائرة أميركيّة من دبيّ (بعد أن حُشيت ملابسه بعشرات الآلاف من الدولارات، كما حُشيت عباءة عبد المجيد الخوئي بعشرات الآلاف من الدولارات) إلى أفغانستان وأعدمته قوى طالبان على شجرة باسقة؟ لكن الحكومة الأميركيّة غير راضية أبداً عن قرضاي لأنه يتذمّر من قتل المدنيّين جرّاء القصف الأميركي في بلاده، كما أنه رفض ان يعطي القوات الأميركيّة مناعة ضد المقاضاة عن جرائم حرب قد ترتكبها. هذا الوقح يريد ان يعيّر القوّات التي انتقته بجرائم حرب؟
وهذا كان حال المالكي. لم يكن أحد قد سمع به خارج نطاق «حزب الدعوة» في المنفى. هو ترك العراق مبكراً ولم يبرز اسمه ولا حتّى بعد غزو العراق. لكن قصّته رُويت في الصحافة الأميركيّة وإن حاولت الأخيرة ان تتناساها في الأيّام الماضية. كان السفير الأميركي الأسبق في العراق زلماي خليل زاد، يبحث عن مُرشّح شيعي لرئاسة الوزراء كي يخلف إبراهيم الجعفري. استقرّ رأي خليل زاد عليه لأنه - كما قيل - ذو سمعة حسنة. الآن تلوم أميركا الشعب العراقي على اختيار المالكي. المالكي نجح فقط... فقط في الموازنة بين ولائه الأميركي وولائه الأيراني. لم تكن أميركا تعترض على ذلك، ولا إيران. لكن هو اليوم وحده مسؤول عن «داعش»، أو هكذا يُقال.
*الهبّات الجهاديّة التي رعتها أميركا*
لم تأتِ عقيدة «داعش» من العدم، أو من فراغ. من يقرأ «وثيقة المدينة» التي نشرتها عن حكمها المزمع في الموصل يتبيّن معالم العقيدة الحاكمة في قطر والسعوديّة. هي الوهابيّة التي تنتشر في دسائسها وكراهيّتها وفرقتها وبغضها من خلال الثورة النفطيّة (والغازيّة) ومن خلال مراحل الهبّات الجهاديّة التي بدأت أميركا برعايتها في سنوات الحرب الباردة. الموجة الأولى أتت في الثمانينيات عندما شكّل الثلاثي الأميركي - السعودي - الباكستاني جيشاً من الظلاميّين المتعصّبين لصدّ الشيوعيّين ورعاتهم السوفيات آنذاك.
ولّدت تلك الحملة اسامة بن لادن بقابلة (دوليّة) أميركيّة - سعوديّة مشتركة. الموجة الثانية كانت في الحرب السوريّة. نفذ صبر أميركا بعد ان كانت تنتظر انهيار النظام السوري على طريقة مبارك وبن علي، أي من دون جهد جهيد (وهي كانت متمسّكة بالطاغيتيْن، وهيلاري كلينتون في كتابها الجديد، «اختيارات صعبة»، تعترف بتمسّكها بمبارك). كانت مسألة أيّام فقط، في سوريا: مسؤول أميركي يلي مسؤول يلي وزيرة الخارجيّة آنذاك: بشّار سيرحل بعد أيّام أو أسابيع، على أكثر تقدير. سلمّت أميركا أمرها للحكم القطري والسعودي (وكانا على وئام - مصطنع كالعادة - قبل انتفاضة السيسي). بدأ الإعداد لتشكيل جيوش من الظلاميّين الجهاديّين من أجل ضمان انهيار نظام يترنّح. (يتبع)
* كاتب عربي – "الاخبار" البيروتية
