"حل الدولتين مات": عاش الاستيطان!

single

ترتفع من حين إلى آخر أحاديث سياسية تدعو إلى ترك خيار حل الدولتين والاتجاه إلى حل "الدولة الواحدة"، ومنها من بات يرى أن "حل الدولتين قد مات"، وهناك من يريد أن يضفي على توجهه هذا طابعا "فكريا" أو "أكاديميا"، فإذا كان الاجتهاد السياسي مشروعا، ففي هذه النقطة بالذات يجب أن لا يخفى على أحد أن لدى أوساط معينة من التي "تبنت" هذه الفكرة، يطغى طابع المماحكة السياسية الفارغة، بهدف مقارعة خصم سياسي، وكأنه بالإمكان التلاعب بمصير شعب واقع تحت الاحتلال، وفاقد لكل مقومات الحياة الطبيعية في وطنه، ليصبح ملهاة وأداة لتحقيق مكاسب سياسية، والظهور على منابر من قش.

في هذه المرحلة بالذات، التي نرى فيها، وبحذر شديد، بعض التحولات في الخطاب السياسي على مستوى الحلبة الدولية، ليختلف في مضمونه بعض الشيء، عما كان قائما في السنوات الأخيرة، وفي ظل دعوات متنامية لوقف الاستيطان كليا، نجد من يرى أن "حل الدولتين قد مات".

بداية لا يوجد شعار سياسي أبدي، أو حل مرحلي أبدي، ولكن كل الوقائع الميدانية والسياسية تؤكد صحة مشروع الدولتين بالمفهوم الفلسطيني الوطني لهذا الحل، وليس بالمفهوم الصهيوني، الذي يقفز عليه البعض من دون أدنى حدود المسؤولية السياسية والوطنية، ومن أجل مقارعة "الآخر"، وخاصة عند مفهوم "الشعبين"، فالحركة الصهيونية تعتبر كل أبناء الديانة اليهودية في العالم "شعبا"، بينما واضعي الشعار تحدثوا عن اليهود في إسرائيل فقط، الذين تبلوروا مع مر السنين ليكونوا شعبا.

ومن المثير جدا أن من بين الداعين "للدولة الواحدة"، والذين باتوا يهاجمون، ولا يناقشون، "حل الدولتين" يتشبثون بحكاية "الشعب اليهودي" متبنين، بوعي أو من دون وعي، البدعة الصهيونية.

أما الدعوة للتوجه لمشروع "الدولة الواحدة"، فهي عمليا التسليم، وحتى الاستسلام الكلي للوضع القائم، الذي يواصل الاحتلال فرضه على الأرض الفلسطينية، من استيطان ونهب للأرض الفلسطينية، إن كانت المفتوحة، أو ما تبقى من أراض زراعية، تؤمن القوت اليومي للمواطنين الفلسطينيين.

فحكاية "أن الوضع الناشئ على الأرض لا يمكن تعديله، ولم يعد بالإمكان الفصل بين دولتين"، هو استنتاج يتصل اتصالا مباشرا، وحتى أنه ينصهر بموقف الإدارة الأميركية، الذي كرره في الأيام الأخيرة الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي قال: إنه بسبب الوضع القائم فإن قسما من المستوطنات سيبقى بيد إسرائيل في إطار الحل الدائم.

وكلنا يعلم ان ماكنة الاستيطان لا تتوقف، وفي جعبة حكومة الاحتلال مشاريع لبناء آلاف البيوت الاستيطانية، أورثتها حكومة إيهود أولمرت للحكومة الحالية، وبطبيعة الحال هذا ليس نهاية المطاف.

هذا من ناحية، والنواحي كثيرة، ولكن إحدى هذه النواحي، فقد "أدهشني" أن أحد دعاة "الدولة الواحدة" يقول إنه "يتوقع من الفلسطينيين تطوير نماذج للعيش المشترك تضمن المساواة للطرفين"، وفي هذا أخطر بكثير من السذاجة، فتحت مقولة كهذه بالإمكان زج الكثير من "التوقعات"، مثل أن "الداعي" يطلب وقف حالة المقاومة الفلسطينية على أشكالها، ليكون الفلسطينيون "أولاد أوادم"، "ليسوا عنيفين"، و"ينبذون الإرهاب"، على اعتبار أن مقاومة المحتل لربما تكون "ذروة الارهاب"، وإلا فما الذي يتوقعه "الداعي" من شعب لا يستطيع ضمان لقمة خبزه لليوم التالي، في ظل قيود الاحتلال وتنكيله وبطشه، وكيف من الممكن أن يكون واجب الاثبات مطلوبا من الشعب الضحية، وليس من الطغاة.

حين يطلب البعض التوجه إلى "مشروع الدولة الواحدة"، فهذا يعني أن الحديث يجري عن خلق جمهور واحد متجانس، وكما علمت طبيعة المجتمعات في كيان الدولة الواحدة، فإن القوة الاقتصادية هي المقرر في طبيعة الحكم والنهج السياسي، وهوية الفئة الحاكمة، وهنا "قد يغيب" عن دعاة "الدولة الواحدة" الواقع المؤلم لظروف الشعب الفلسطيني مقارنة بظروف الشعب الإسرائيلي على كامل الوطن التاريخي، دون الحديث عن أوضاع اللاجئين في الدول المجاورة.

فما هي المقومات الاقتصادية والبنيوية وحتى العسكرية، التي يملكها الشعب الفلسطيني، والتي بإمكانه أن يستثمرها لتكون أداة ضاغطة على المؤسسة الإسرائيلية لتتخلى عن المقومات الجبارة التي لديها، وتتطوع لتتحول دولة ثنائية القومية متساوية، بكل ما في الكلمة من معنى، وتقبل بتدفق ملايين اللاجئين الفلسطينيين، الذين لا نقاش اطلاقا حول حقهم الكامل بالعودة إلى وطنهم.

هل يتوهم هذا البعض أن تفكر المؤسسة الصهيونية القلقة بهاجسها الديمغرافي، وعلى ضوء التراجع المتواصل لأعداد اليهود في العالم، بأن تتطوع وتقبل باقامة كيان دولة سيبتلعها ويبتلع كيانها، ويبتلع رموزها الدينية والدنيوية، ومزاعمها بما يسمى "حقها التاريخي" في هذا الوطن.

قد يكون حلم "الدولة الواحدة" يفرضه الوضع القائم على الأرض بعد 30 أو 40 عاما، أو أقل وأكثر، ولكن الوضع القائم اليوم يتعارض كليا مع هذه الفكرة، ويُدخل الحلبة الفلسطينية إلى متاهة من النقاشات، في وقت تتأكد فيه الحاجة الماسة إلى وحدة الشعب الفلسطيني خلف المشروع الوطني الفلسطيني الذي من بنوده الارتكاز على حل الدولتين.

ختاما في هذه المعالجة القصيرة، فالموضوع أكبر من أن يناقش كليا في هذه المساحة الضيقة، أنه منذ سنوات تضرب جماهيرنا العربية في البلاد، وليس وحدها، بل أيضا شعوبا أخرى في المنطقة، أجواء من البلبلة السياسية بفعل جهات ما، تبدأ من لهجة التخوين، وتزوير التاريخ وشطب كل ما سبق، مرورا بخطاب التيئيس، وهذا عمل ليس عفويا وليس عملا طائشا، بل مبرمجا تصل خيوطه إلى أماكن بعيدة، قريبة إلى منابع التدلير وغيرها، والهدف واضح: أن شعبا مبلبلا ومتخبطا سياسيا، تتشوش الرؤية أمامه لن يقوى على النضال، فعلى الأغلب إما أنه سيقع في حالة صراع داخلي مع نفسه، أو أنه سييأس وستُشل حركته، ولكن هذا كلام من الضروري أن نأتي عليه بشكل أوسع مع الدلائل الدقيقة والكبيرة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

وعاد الشيخ سعد

featured

من ذكرياتي مع الاتحاد

featured

الدبلوماسية الحمقاء والاحتلال الوحشي البربري – همجية العدوان على غزة نموذجا

featured

وفد "حماس" في القاهرة

featured

"الاتحاد" تناديكم يا اهلها واحبتها !

featured

تناقضات وضربات قانون التسويات

featured

الدليل والاتهام

featured

نذير شرّ يلوح في الأفق!