ده لمين ؟

single

عندما يكون مأتمٌ أو يرى أحدُ الموظفين أو الموظفات مكروهًا بعزيز ، يتم صرف إجازة ، تتعلّق أيامها بدرجة القربى . على فكرة ، أن نقول لأحد المفجوعين أو إحدى المفجوعات عند تأدية واجب العزاء : لا أراك الله مكروهًا بعزيز ! فمعناه أن نتمنى له أو لها الموت قبل ذلك العزيز ! لأن الموت لن يتوقف أبدًا كما الحياة . أمّا وقد أصبح العزاء غير مقصور على الخيمة والسرادقات والقاعات ، فقد غدا مقبولا بالإيميل والإس إم ... عوضًا عن البرقيات كما كان بالماضي القريب أو عن طريق الحمام الزاجل بالماضي البعيد ، ولست أدري بماذا كان بالماضي الأبعد . وكل طريقة للعزاء وكل شيء يكون بحسب ما استجدّ في روح العصر ! ما علينا .. بعدما توفى الله والد الممنتجة وغابت عن العمل شرعًا بالصحيفة التي تعمل بها ، أوجدوا بديلا مؤقتًا لها ، وكان هذا معجبًا ببعض الأسماء فغيّر "البنط" الذي تكتب به عادة . ولمّا كنت أفلّي الصحف ، انتبهت للأمر ، وتساءلت : هل هذا يغيّر من قيمة الكاتب ؟ أين وكيف يطبع اسمه ، أم أن المادة هي التي تقرر قيمة الكاتب ؟ وهل اضافة بعض الألقاب يزيد من هذه القيمة ؟ وخلصت إلى النتيجة ، أن الكاتب لا يكبر ولا يصغر إلا بما يقدّم ! وأنه فعلا الأسلوب هو الكاتب ! والكاتب المبدع يعرف من نصّه حتى لو كان اسمه غير موجود لا من تحت ولا من فوق . ومن لا يصدق ، فليتابع معي ذلك المأتم الكبير في غزّة ، حيث لا وقت لديهم لفتح دور عزاء طالما أن الموت بالجملة ، لا بالقطّاعي ... ولنتابع ما حكاه أحدُ أبناء النكتة المصريين ، دعونا نحوّره فلسطينيًا ، خصوصا في هذا الظرف من شرّ البليّة ، فيه يشن جولييت الجبّار الإسرائيلي المدجج بالسلاح حربه على نبي العرب "المسلحيين"  الشاب اليافع داؤود ، الأعزل إلا من مقلاع وحجر : تفاخر جولييت الجبّار بجبروته وقوته وطائراته (أمريكية الصنع) وزنّاناته وتكنولوجياته ودقتها في إصابة الهدف ، وبسرعة إيصال المعلومة في حربه الألكترونية ... أمام العربي الفلسطيني داؤود الصغير ، وأضاف فخرًا على فخر منجزاته العلمية الحديثة وعوالمه الافتراضية المحوسبة ... من الإبرة إلى الصاروخ ، وكل ذلك بكبسة زر ! واحتار الفلسطيني الشاب الصغير ، فكل ما يفاخر به كنعاني قديم ، ليس لديه لا أهرامات ولا بابيروس ولا كتابة هيروغليفية ... ليس لديه سوى آلهته التي تخلّت عنه في أحلك الظروف.. وليس له أي جديد يفاخر به سوى إرادته في المقاومة ، وقدرته على الإبداع . أخذ مظروفًا خاليًا من الكتابة ، وسأله : لمن هذه الرسالة ؟ قال له :  كيف لنا أن نعرف ، وهي غير معنونة ؟ قال : إنها لأمي ، وسترون كيف يعرف أي كنعاني عابر سبيل أنها لأمي . أخذ المظروف ووضعه بين أصابعه ومد لعابر سبيل إصبعه الأوسط سائلا اياه بلهجته الغزّاوية : ده لمين؟ فرد عليه هذا قائلا : ده لأمك ! قال له : أرأيتم ؟ هذه غزّة الآن ، وهذا هو إصبعها الأوسط ترفعه بكل فخر واعتزاز في وجه كل معتدٍ زنيم ...  فيا أهل غزّة ، ويا أيها الفلسطيني يحق لك أن تضحك حتى وأنت في سرادق المأتم الكبير !
قد يهمّكم أيضا..
featured

سباق مع الزمن

featured

الولد غالٍ والوطن أغلى

featured

فشل للأحزاب والقيادات السياسية

featured

كسر الجمود أم كسر الصمود

featured

فضيحة صمت نتنياهو