هذه الدور لنا، وهذه الأرض لنا. وهذا الشجر وهذا الحجر ملكنا، منذ جدنا الأول، واجداد جدنا الى يوم الدين.
لا ابالغ في حديثي هذا مطلقًا لأني أكره المبالغة في كل أمر. وربما لأني من صغار الاجسام، وكبار النفوس طولي مائة وسبعون سم ووزني ستون كيلوغرامًا واحمل رأسًا مركبًا من مميزات الهدوء والعقلانية والاتزان والصراحة والصدق وأكره النرجسية، لأنها سوس الخشب ومصيبة المصائب في شرقنا العربي.
وهذه الجيوش المنظمة من عمال النمل لنا، عرفتها وكثيرًا ما راقبتها وما زالت الى الآن في ارضنا، قريبًا من دورنا تنظف فتافيت الخبز اليابس من حولنا والقصل والتبن والردايد سواء من القمح او الشعير او الذرة وفضلات الحبوب بعد الغربلة والكربلة.
النمل في مستعمراته القريبة منا جار ونعم الجار، وليس كالذين في مستوطناتهم يعتدون على إخواننا في الليل والنهار، بالشوارع، والدور المسكونة منذ عقود ودهور.
ولم يفكر النمل يومًا بطردنا من ارضنا الطيبة، كالذين يفكرون بدولة يهودية خالية من عربنا.
وهذا النحل نحلنا، كيف ومن اين جاء لست أدرى. يحوم حول دورنا يفتش عن الماء ليشرب ويتسلق على اشجارنا وورودنا يمتص الرحيق ويلقح الازهار زهرة زهرة ويعود لجرنه يملأ الأقراص عسلًا فيه شفاء من كل داء الا داء السم " الموت ليس له دواء ".
-2-
فاذا قلنا للذين تآمروا على الشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية من شرقنا العربي المثخن بالجراح، والزعامة الصهيونية، وحكام بريطانيا المتآمرة، ان ارض فلسطين كانت ولا زالت معبأة بأصحابها الفلسطينيين يشتغلون: بالتجارة والزراعة والكتابة والحدادة والبناء وتربية المواشي، ولم تكن في يوم من الأيام ارضًا بلا سكان، يصدق البعض من الناس، ويكذب البعض الآخر.
وبالفعل ان الدعاية المغرضة التي نشرتها وعممتها إسرائيل ومن مع إسرائيل ما كانت الا الباطل المفضوح محليًا وعالميًا. وصدق القول ان الباطل كان زهوقا.
ولو سلمنا ان دعاية إسرائيل صادقة كل الصدق، وارض فلسطين خالية من السكان، لكن إسرائيل قاتلت في يافا وحيفا وعكا والبروة وشعب والليات غرب مجد الكروم والكثير من القرى والمدن الفلسطينية.
هل كانت تقاتل حيوانات البر ام سكان فلسطينين؟
اذكر ولا بد لي من رسم صورة حقيقية لا زيادة فيها ولا نقصان عن اليوم الأول من احتلال شاغورنا الشمالي. في ذلك اليوم صاح الناطور في كل حارة وحارة من سكان قريتنا دير الأسد وطلب منهم باسم جيش إسرائيل التجمع جنوب جامع الشيخ محمد الأسد رجالًا ونساء وأطفالا. هناك في ذلك المكان تجمع المئات من الناس. وهناك طلب الجيش بالميكرفون من المواطنين ان يخرجوا من القرية الى لبنان وسوريا ومن يخالف أوامر الجيش يعرض نفسه للموت. وعلى قرب من الناس أطلق الجنود النار على أربعة شبان واردوهم قتلى وهكذا لم يبق في القرية الا الطيور والحيوانات.
وبدلًا من الهروب الى لبنان تجمعت حشود الناس في المنطقتين: السكن والبيارة التابعتين لدير الأسد. وكون هنالك روابط حميمة بين سكان دير الأسد وسكان قرية يركا فقد توجه المرحومان أبو السعود الاسدي وأبو جبر قاسم حسين يوسف اسدي واتفقا مع مشايخ يركا على الرجوع الى بلدنا بسلام وامان وعلى هذا الأساس عاد الناطور الى الاهل في السكن والبيارة وبأعلى صوت ينادي الناطور: يا سامعين الصوت صلوا على النبي اولكم محمد وثانيكم علي وثالثكم فاطمة بنت النبي، ارجعوا الى بلدكم، وطنكم بسلام مطمئنين وآمنين.
ومن تلك الفترة نحن في وطننا نعمر ونبني ونتزوج ونكثر من البنين والبنات ونعلمهم اقتداء بالرسول الكريم محمد صلعم الذي قال "علموا اولادكم من المهد الى اللحد" وبالمسيح عليه السلام وهو القائل "العلماء الذين ينتفع بعلمهم ملح الأرض".
-3-
نعم. وها نحن نعيش فوق ارضنا الطيبة، الشاغور والجليل والمثلث والنقب. ولنا اخوة في الدم والامل في الضفة وقطاع غزة، إذا اصابتهم مصيبة نتألم ونتوجع. وهكذا ألمنا يؤلمهم وفرحنا يفرحهم اسأل الله العلي القدير ان يهدي شعب إسرائيل ويفتح صدره ويديه للسلام ولا طريق للأمان والاطمئنان الا السلام وبقيام دولة فلسطين الى جانب إسرائيل او دولة موحدة للشعبين.
نعم وجذورنا هنا منذ أربعة آلاف سنة قبل ميلاد السيد المسيح وصدق معلمنا وأستاذنا الدكتور بطرس دلة في مقاله الذي نشر في جريدة الاتحاد اليومية الصباحية، عدد الخميس، الصفحة العاشرة 20 أيلول 2012 تحت عنوان فلسطين والنظريات التاريخية والمزورة، وجاء فيه ان اول الشعوب التي سكنت هذه البلاد، كان الشعب الكنعاني العربي. ولذلك لا يشكن أحد بعروبة فلسطين قبل مجيء اليهود الى البلاد.
ولو عدنا الى المصادر والى علاقة الشعب اليهودي بهذه البلاد لوجدنا ان المصادر تذكر قصة مجيء إبراهيم الخليل أبي اليهود الى البلاد حوالي 1850 قبل الميلاد وكانت البلاد واقعة تحت حكم الكنعانيين. كما وجد مدينة القدس التي أقامها اليبوسيون وهم عرب ايضًا وكنعانيون اصلًا. وقد اضافت شهادة المؤرخ اليهودي إبراهيم دوتي وهو يهودي امريكي الجنسية كتب كتاب "البدايات والنهايات" لدولة اليهود أكد فيه ما يلي: حاول شعب إسرائيل دخول فلسطين أكثر من مرة بعد هروبهم من مصر ومن بطش الفراعنة الا ان الكنعانيين كانوا يصدونهم في كل مرة، والكنعانيون هم عرب.
-4-
وبناءً عليه يكافح الشعب الفلسطيني بالروح والدم من أجل البقاء وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
يناضل اتباع سيدنا محمد والى جانبهم اتباع سيدنا المسيح عليه السلام وكلاهما من غير ريب من أصول عربية عريقة المنبت كما قلنا من قبيلة قريش ومن الغساسنة والمناذرة في شمال اليمن وجنوبها، ولا ينكر أحد من عربنا ان الادباء والمفكرين المسيحيين في المهجر وموطنهم الأصلي من أمثال ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وأبي محمد مارون عبود وغيرهم لا يحصون قدموا للحضارة العربية الوجبات الكافية لرفع لغتنا وقوميتنا محليًا وعالميًا. الامر الذي يشدنا انا نحفظهم في صدورنا وان نسمي بعض الأندية والمكتبات والشوارع على أسماء بعضهم، والعجب كل العجب في حين لم يكن أي بناء مدرسي لتلامذة وتلميذات قرية البعنة في الشاغور الشمالي في الخمسينات من القرن الماضي تبرع الدكتور أديب الخازن بعدة دونمات وتكاليف بناء مدرسة عند موقع البركة ومنذ ذلك الحين حتى اليوم يتعلم بها مئات الطلاب والطالبات. الغريب في الأمر كيف لم تسجل على اسم المتبرع الدكتور خازن.
والمفروض رد الجميل بأجمل منه او مثله يدفع الكثيرون ممن عندهم عشرات الدونمات لعمل الخير في قرانا العربية ونحن العرب بحاجة ماسة للتبرع لما ينفعنا وينفع أبناءنا واحفادنا لان التمييز بعطاء الميزانيات سواء للتطوير او البناء بين الوسط العربي والوسط اليهودي كبير. وحدث بلا حرج عن الفروقات في هذا المجال ما وجدت للحديث من سبيل. ففي الأوساط الراقية وخصوصًا في دول أجنبية الكثير من المرضى يبعثون التحيات والشكر الجزيل لأولئك الأطباء الذين عالجوهم واهتموا بهم مُبروزة بتحفة لها قدر وقيمة، فكم بالحري تبرع الدكتور خازن الذي يقدر بملايين الشواقل الا يستحق تسمية المدرسة على اسمه وبالإضافة لهذا كله الكثير من المرضى كان الدكتور خازن يعالجهم وبعد المعالجة يقول لهم "يلا مع السلامة وأجري على الله". آمل إعادة النظر في هذه المسألة مع الكثير من الامتنان.
-5-
اجل ولقد لعبت الشخصيات العربية المسيحية الفذة أمثال يني يني رئيس مجلس كفرياسيف المحلي وحنا مويس رئيس مجلس الرامة المحلي وجبور جبور رئيس بلدية شفاعمرو دورًا اساسيًا ومشرفًا في استقبال وتهيئة كل الظروف المناسبة لجميع الطلاب المسلمين والمسيحيين على حد سواء في مدرسة كفر ياسيف الثانوية ومدرسة الرامة الثانوية من جميع قرى الشاغورين الشمالي ويشمل مجد الكروم البعنة دير الأسد ساجور نحف والرامة والشاغور الجنوبي سخنين عرابة ودير حنا. وهكذا استقبل جبور جبور رئيس بلدية شفاعمرو جميع الطلاب من قرى شفاعمرو والمنطقة حولها وقد أدوا الواجب مع كثير من المشقة والجهد لأبناء امتهم ووطنهم كالذين ينبغي ان يؤدوه الى انفسهم.
ثم أطلّت مجموعة من الشيوعيين العرب ومعهم رفاق يهود أمثال توفيق طوبي واميل حبيبي وماير فلنر وحنا إبراهيم وجمال موسى وحنا موسى وحسن بكري ومحامي الشعب حنا نقاره وغيره بلا حصر ولا عد وبهممهم زرعوا في كل قرية من قرى ومدن الجليل فروعًا للحزب الشيوعي اخذت على عاتقها تنظيم أمور شعبنا والحركات التقدمية من الشعب اليهودي كأفضل ما يكون التنظيم.
والحق يجب ان يقال على رؤوس الأشهاد: هذا الكادر من قادة الحزب باتفاق الدول الاشتراكية وروسيا تمكن من ارسال الآلاف من طلابنا للدراسة في الجامعات الاشتراكية دون مقابل الأمر الذي رفع من نسبة المثقفين عندنا ورسخ حق الأولويات للتعليم الجامعي في اذهان العرب الفلسطينيين مسلمين ومسيحيين، وانطلاقًا من هذا الموقع المنور او المضيء نحذر الذين يديرون ظهورهم لشعبنا ويحاولون شطب حقه في إقامة دولته من سجلات التاريخ فهل يضيع دين وراءه مطالب؟ وهل اهل الوطن من اتباع عيسى واتباع محمد ماء على طبق بالنسبة لسياسة رئيس الحكومة نتنياهو ومن يدور حوله؟.
بقينا في وطن الآباء والاجداد نزرع شتى أشجار الفواكه والتين والزيتون والخروب والصبر ونفلح ارضنا بكل أنواع الحبوب كالقمح والشعير والعدس والفول ونشم روائح اللوز والقندول والورد الجوري والياسمين.
ونصطاد السمك من البحر المتوسط وبحيرة طبريا، ولقد كان بيننا وبين وطننا تعهد والتزام ان نأخذ ما نشاء ونلبس ما يحلو لنا وما يليق بنا وان ندفن في تراب الوطن.
وهكذا التزمنا ونحن أخلص الاوفياء.
(دير الأسد)
