من البوم طالبة في الصف الرابع يوم الاستقلال

single


 *لماذا جميع الذين يكتبون ذكرياتهم في التعليم يتناسون عن عمد واصرار الكتابة عن مدارسهم التي كانوا يجرونها الى احتفالات بيوم الاستقلال  ويوزعون الحلوى على الطلاب؟!*


 
هناك زاوية من القش في ساحة الذاكرة أحرص دائمًا أن يبقى كبريت غضبي بعيدًا عنها، لأن اشتعالها يثير في النفس الوجع والهروب، وحتى لا أختار زمن التأنيب وجَلد الذات أحاول وضع محلول "المطرّي" على  ثياب الذاكرة الجافة.
وثوب يوم الاستقلال كان الثوب الواسع الذي يتحول الى خيمة نغني تحتها المواويل  و نرقص بين أعمدتها رقصات الدبكة، التي تبدأ خطواتها من المدارس التي كانت تضع البرامج والخطط لكيفية احتضان الفرح والتصفيق لمرور سنة جديدة على تعميق جذور وتوطيد دعائم الدولة، وتتناسل الخطط وهي تلهث من شدة الانهماك والتحضيرات للفقرات الفنية والرياضية والادبية،وتكون المباريات بين المدارس على اشدها في التزيين وتدفق الالوان، ورحلات المقصات والرسومات تنتهك الايام والليالي التي تسكب على بلاط الوقت الضائع دون جدوى للعلم والتعليم ومستقبل الطلاب، فقط كي تحظى المدارس بلفتة اعجاب من المفتش الذي يحمل بيديه علب الرضى و يوزعها على المديرين الذين يعيشون على بركة وزارة المعارف.
 ما هي المدرسة التي ستحصل على كأس البروز من وزارة المعارف؟ دائمًا كان هذا السؤال الذي يلف ويدور بين المدارس العربية – خاصة الابتدائية والاعدادية - ويكون السباق على أشده وعلى اسياخه الحامية تكون الهرولة ومطر الافكار الخلاقة التي تريد التحدي والفوز..!
بقدوم المفتش الذي غالبًا ما كان يرتدي البدلة الرسمية المنشاة والتي كنا نراها كأنها بدلة السوبرمان، ونراه دائمًا المفتش العملاق والجبار الذي بيده الحل والربط والترقي وزيادة المعاش، هكذا كنا نراه حين يتراكض حوله مدير المدرسة والمعلمات والمعلمون حاملين المباخر يبخرون الطريق، يفسحون له الممرات ويفتحون الصفوف كي يرى لمعانها من شدة النظافة، ونكون نحن الطلاب والطالبات قد لحسنا الطاولات والكراسي، نعم هكذا قالت لنا المعلمة - عليكم لحس الكراسي والطاولات حتى تلمع.. اريدها انظف من وجوهكم -  وما أن يرى المفتش المنشى الجامد الذي قرر ان لا يضحك ويتكلم، بل يهز برأسه كأنه طائر الهزاز المعرض الذي يقام تجسيدًا لفرحة الاستقلال، ويرى المجسَّمات التي تصور تطور الدولة واللافتات المكتوبة بإتقان وخط عربي مسنود الى مدرسة الجمال و التي تمجد الذكرى بحروف النفاق كافة،  يختار احدى اللافتات ويحدق بها، تعجبه  العبارة أم لا..؟! هكذا تكون الاحجيَّة التي تراود الجميع، من المدير الى المعلمات والمعلمين، ثم يرجعها المفتش  الى مكانها دون كلام، كأن العبارة التي قرأها  لا تستحق التعليق فمن البديهي أن يكون الطلاب الصغار  أوفياء للدولة ومخلصين للذكرى وينسى أن الكبار هم الذين كتبوها للصغار، وأن البراءة من الكبار براء.
كلما قامت احدى المعلمات بالشرح عن المجسمات المعبرة، وماذا يعني في مفهوم الاطفال الفرحين الذين يؤكدون بالمجسمات حبهم للدولة، تنتظر من المفتش  كلمة غزل او ثناء، لكن يخيب أملها، وتغطس في  تقاسيم وجهه لعلها تنتشل علامات الرضى لكن يفشلها بتكشيرته التي تزيد عن السابق لكي تظهر ترفعه عن الجواب.
 تنتهي فقرة المعرض والمجسمات الذي أكلت من اصابع الطلاب ومن مصروفهم الذي اشتروا به الدبق والالوان والصور والاشكال، أكلت من حصصهم التي ذابت على بلاط صراخ المدير الذي اصر ان تكون مدرسته أفضل المدارس في عيون وزارة المعارف التي ستضيف على ملفه النياشين واكاليل الغار.
 آخر الفقرات ساحة المدرسة التي ستشهد على الالعاب الرياضية والمقطوعات الفنية والقصائد العصماء التي نسجها معلم اللغة العربية ووزعها على الطلاب وأذكر أنني قرأت قصيدة بصوت عال ولكن كان التعليق من المعلم – ليش بتصيّحي وبتصرخي كأنك في طوشة هاي القصيدة بدها نعومة مش دبش وحجار. ويتململ المفتش خلال العرض الرياضي، ويظن طاقم التدريس أن المفتش في حالة النشوى والانبساط، والمدير يفرك الايدي فالكأس الذي سيضعه في غرفته أمام الضيوف والزوار قد أصبح قاب قوسين أو ادنى على الشفاه وقريبًا سينطقها المفتش، ويقف المفتش ويقف معه المعلمين والمعلمات احترامًا للقرار، لكن يطلب المفتش الدخول الى المرحاض فينظر المدير الى آذن المدرسة نظرة نارية حمراء وعلينا نحن الصغار بقرف واشمئزاز لأننا نسينا تنظيف المرحاض الخاص بالضيوف.
 ثم يبلغنا المدير في صباح اليوم التالي أننا خسرنا الكأس لأننا لا نتقن شيئًا، فالفشل طريقنا ولا فائدة من تعليمنا وخسارة على وقته ووقت المعلمين والمعلمات.
 وكأننا النمل المحاصر نهرع حين يتسع ثقب الأرض، كبرنا و اسرعنا وخرجنا من طوق المدارس الى الحياة.. كل في طريقه ولم نفشل لأننا لم ننظف المرحاض.
المدير الذي كان ينتظر الكأس كتب مذكراته بعد التقاعد، واذ هو البطل والوطني الذي لا يشق له غبار، ولم يذكر أيام الاستقلال والتحضيرات وصراخه وارتعاشه وهو يقابل المفتشين..
وأسأل لماذا جميع الذين يكتبون ذكرياتهم في التعليم يتناسون عن عمد واصرار الكتابة عن مدارسهم التي كانوا يجرونها الى احتفالات بيوم الاستقلال  ويوزعون الحلوى على الطلاب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المؤتمر السادس لحركة فتح!

featured

جذور التحريض في السلطة الحاكمة

featured

فليعلنوا عن دولة

featured

خفّاقة رايتك من جيل الى جيل

featured

رجال ونساء من فلسطين: حافظ صقر، مقاوِم عشق وطنه