الجدار الى زوال، مع الاحتلال!
كلما قمت بزيارة القدس وبيت لحم ورام الله وغيرها من مناطق الضفة الغربية صدمني بل قل صعقني منظر الجدار الفاصل العازل الصهيوني وتصورت حالة هؤلاء التعساء اقصد الاسرائيليين الموغلين في العنصرية لانني أرى تعاستهم في أفكارهم الهزيلة: كيف لهم ان يتصوروا ان هذا العمل الشيطاني سوف يحد من طموحات الشعب الفلسطيني ما أتعسهم، هلا فكروا كيف تصرف الوحش النازي عندما حشرهم في غيتوات في ألمانيا وأنحاء واسعة من أوروبا، وكيف ان هذا العزل زادهم عزما وإصرارا على الحياة.
بهذا التصرف الصبياني العشوائي المتهور جعلوا الشعب الفلسطيني منعزلا هل لم يفكروا بما حل بهم عندما حشروا بغيتوات، الم تكن لهم تداعيات من إتعاس الشعب الفلسطيني.
كلما مررت بهذه الجدران راودتني فكرتان: تعاسة المحتل وضيق افق تفكيره . وتأثير هذا الجدار على نفسية الفلسطينيين الذين سلبت ارضهم وحاول المحتل المستبد ان يقهرهم في طموحاتهم بإقامة دولتهم العتيدة والمستقلة، وجعل حياتهم مريرة وليس اصعب ولا اقسى من ان تلغي الآخر وتحاول ان تمنع تطلعاته بعمل كولونيالي همجي. اكاد اصرخ بل اكفر كلما جابهني هذا الجدار المرعب نفسيا اكثر من رعبه المادي. لقد احتار المحللون هل يُعتبر الجدار الفاصل حدودا أمنية أو حدودا سياسية، وهل يعيد الدولة إلى عقلية (الغيتو) أم هو امتداد للابرتهايد بحق الفلسطينيين.
إن اليمين الإسرائيلي رأى في الجدار – في بداية الطريق- تنازلا عن دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. لا يمكننا اعتبار الجدار حدودا سياسية، بل هو جدار من اجل اعاقة اقامة دولة فلسطينية مستقبلا. ولهذا فان الجدار العنصري الفاصل له أبعاد سياسية واستراتيجية.
والجدار في العقلية الصهيونية اذا عدنا للتاريخ قليلا فكرة قديمة وقد تعود حتى إلى العقلية اليهودية الدينية: فان أسوار أريحا الحصينة طورت الجماعات المتعصبة اليمينية فكرة الاغيار والغيتو. وأصبحت الأسوار جزءا من الثقافة الاجتماعية للوجود الصهيوني حتى في اكثر المجتمعات انفتاحا.
برزت فكرة الاسوار والجدران كنموذج احتلالي في ادب الحركة الصهيونية عندما طرح هرتسل في كتابه (الدولة اليهودية): ان دولة اليهود المنشودة ستكون عبارة عن سور فاصل يفصل حضارة الغرب وتتقدمه عن- برابرة- الشرق.
ان خيال شارون منذ 1973 هو الذي ارسى لفكرة العزل العنصري لتكوين حدود يمكن الدفاع عنها، وإقامة المستوطنات في الضفة الغربية وتحويلها إلى معازل. ولن اناقش ضحالة هذه الفكرة لان أحسن فكرة للدفاع عن حدود بلادك تكمن في إرساء السلام والديمقراطية بين مواطنيك أولا وتطوير علاقات جوار مسالمة مع جيرانك، لكن هيهات ان يستوعب هؤلاء فكرة ارتباط الأمن بالسلام. بعد ذلك انتقلت الفكرة - فكرة العزل - إلى أجندة الأحزاب الكبرى فمن الليكود انتقلت الفكرة الى اجندة حزب العمل. ففي 1988 طرح حزب العمل اقتراح اقامة سياج بين الضفة الغربية وإسرائيل. لقد شكلت فكرة إقامة جدار العزل وخطة فك الارتباط استجابة للعقلية الاسرائيلية في الداخل وتنسجم مع متطلبات الحركة الصهيونية خارجيا ودوليا. في رأيي لماذا قويت فكرة الجدار الفاصل العازل:
1- ضعف الخط الليبرالي وازدياد قوة الخط اليميني والمتدين داخل الحياة السياسية الداخلية في اسرائيل.
2- عدم قدرة الجانب الاسرائيلي على تقديم استحقاقات للفلسطينيين فانعكست الآية ولطالما ادعت إسرائيل ان العرب والفلسطينيين غير قادرين على تقديم استحقاقات العملية السلمية.
3- ظهرت آثار سلبية نتيجة الانتفاضة: الوضع الاقتصادي المتدهور وتغير البنية الاجتماعية في المجتمع الاسرائيلي اذ ازداد اقبال اليهود الشرقيين على دخول الجيش.
4- ازداد الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية فقد زاد عدد المستوطنين عن 400 ألف مستوطن وزادت البؤر الاستيطانية عن 280 وأصبح من مهام الحكومات المتعاقبة المحافظة على المستوطنين والاستيطان لان هذه الحكومات جميعا هي التي شجعتها ومولتها.
5- تقريبا اضمحل وجود حزب العمل وضعف كثيرا بعد سقوط حكومة باراك.
كانت هذه اهم الاسباب الداخلية اما الاسباب الخارجية فاهمها:
1- تداعيات الحادي عشر من سبتمبر والهاء العالم بما يسمى الحرب على الإرهاب وتصنيف بعض رموز المقاومة بالحركات الإرهابية وكان هذا هدية قدمت لشارون.
2- الصعود المتنامي لحركة حماس سواء في سعة الانتشار الجماهيري او في علاقة حماس بفتح ما اشار الى ان حلكة حماس قد تكون جزءا من التركيبة السياسية او هي نفسها التركيبة السياسية المستقبلية.
3- الموقف الدولي من حتمية قيام الدولة الفلسطينية.
ما هي الأهداف المرحلية لإقامة جدار الفصل العنصري.
1- اضافة عنصر جديد لطاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، مما يجعل المفاوض الفلسطيني قد يقدم تنازلات.
2- لقد بعث الجدار الفاصل رسالة واضحة الى الشعب الفلسطيني عنوانها: المستوطنات والجدار هما نتيجة المقاومة مما جعل الاسرائيلي يفكر ان طموحات الفلسطينيين ستكون اقل من طموحاتهم في السابق، وهنا أود ان انوه ان كل هذه الافكار الاسرائيلية كانت حلم ليلة صيف مؤلمة لان النتيجة كانت على العكس تمامًا.
3- الضغط الاقتصادي على الشعب الفلسطيني وازدياد البطالة وسوف تصبح الحاجة ماسة أكثر للعمل داخل الخط الاخضر.
4- محاولة اقناع العالم ان الشعب الفلسطيني هو شعب همجي ولكن خاب ظنهم وخسروا.
اما من الناحية الاستراتيجية فأهم هدف سعى اليه اقامة الجدار العازل:
1- الغاء اقامة دولة فلسطينية مستقلة.
2- الغاء حق العودة.
ان الانتفاضة صرعت الإسرائيليين العنصريين وأثبتت مما لا يدع مجالا للشك ان الشعب الفلسطيني مصر على إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وكاملة السيادة هذه تشكل عقبة لإسرائيل بمختلف الأطياف والمفاهيم.
بعد الانتفاضة سعى شارون الى ضرب محاور مهمة فلسطينية: ضرب المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية والمؤسسات التابعة للمقاومة. استهداف النخب بالقتل والاغتيال ، محاولة ضرب الاقتصاد الفلسطيني بشتى الوسائل والصور .
واهم من كل ذلك تغيير معالم الاراضي الفلسطينية ببناء المستوطنات العشوائية وشق الطرق الالتفافية التي تلتهم نسبة كبيرة من الأراضي، وأخيرا بناء الجدار العازل العنصري
وتعتبر اقامة الجدار العازل هذا اخطر مشروع لإقامة الدولة العتيدة إذ يشكل طول الجدار 660 كم ما يقارب ضعف طول خط الهدنة ويضم الجدار نحو 10,2 بالمائة من الأرض الفلسطينية وتعتبر الأراضي المصادرة جراء الجدار من أخصب الأراضي نتيجة لأعمال التجريف التي دمرت كثيرا من أشجار الزيتون والحمضيات ، كما منع الجدار حق البناء 200 متر بعيدا عن الجدار.
ان الافكار الشيطانية العنصرية لم ولن تمنع تحرر الشعوب فالى جماهير شعبنا المحاصر ان الفجر سينبلج وتضمحل كل الخطط الاستعمارية وسوف تنتصر إرادة الشعوب مهما طال الزمن.
(كفرياسيف)
