أعمدة وسنديان دولة فلسطين (2)

single

في صف مستقيم لا يلويه الا انحناءات الطريق رقم 85 وانشاءات مخطط سكة حديد لقطار سريع، لم ينشأ لحاجات اهل البلاد في القرى و البلدات: مجد الكروم، البعنة، دير الاسد، نحف وصولا الى فراضة تقع جميعها و بدون استثناء على يسار الطريق المتجه من عكا الى الخالصة و سهل الحولة في شمال الجليل كأن اليسار قدر اهل فلسطين. في اول سيرنا على ذلك الطريق يلقنني ابو اليسار اسماء البلدات لدرس حفظه عن ظهر قلب و النعومة تعشق اظفاره ليكون بحب الوطن معمدا و يعمدني من بعده و انا في عقد الخمسين، هو ليس بكاهن و لا برجل دين، لكن والديه، اهله و ربعه البسوه ثوب القداسة والاولياء الصالحين:
انظر الى اليسار هناك ذاك المكعب الاسمنتي، تلك نبعة الماء التي كان من مائها يرتوي المارة من ابناء القرى المجاورة وقد جعلتها "الدولة" قطعة اسمنتية تستر فضيحة من سرق الماء ليخزنها الى حين او بسقيها لمن غُرر بهم للحياة السهلة متلهفين. على طول الطريق و باستثناء البروة، فان جميع القرى والبلدات الفلسطينية تقابلها مستوطنات، جَلبٌ يسمون انفسهم اسرائيليين. ألم يصبح الجميع عربا فلسطينيين و مستوطنين مواطني واحة الديمقراطية اسرائيل؟ لماذا هذه و تلك متقابلتان والطريق السريع يفصل بينهم و كأنه صبار يكرس تربص المستعمرين و المستوطنين بأهل البلاد الاصليين وقانون "حاضر غائب" يشهره الاحتلال و يسن له العنصريون في الكنيست القوانين؟ أوليس عدوا للانسانية من درب كلابه وغرس في غريزتهم حقدا كرها لكل من يلهج لسانه بعبارات "الله اكبر" فيتحول الكلب الى مسعور لئيم؟ اسألكم بالله من اللئيم، الكلب ام انسان اصابه الهوس اين منه سعار الكلاب و الذئاب مجتمعين؟
لحظة عناق الماجد يستقبلنا على ارض المطار، سألت ابا اليسار بصوت خفيض لماذا غلّبت (اتعبت) الرجل الم تقل ان القطار الى عكا سهل و سريع؟ هذا ماجد، رد ابو اليسار باقتضاب. جلست في المقعد الخلفي استمع الى شرح و اسماء مدن (مستوطنات) لم اسمع بها من قبل و طريق طويلة لا تعرف نهاية و السيارة ذبابة فوقها و التلال الخضراء على الجانبين واعمدة الكهرباء تنشر النور في كل مكان، كأن البشر يتحدون الطبيعة وظلام الليل لينشر مكانها ظلما لمن استقبل اجداده في سالف العصور و الزمان من جاؤوا البلاد للتعبد و الحج قاصدين، فلبس عقولهم و اسيادهم الشر يمتطيه شيطان رجيم. نظرت في نفسي وسألتها؛ قسطندي، ماجد ومعهم يوئيل هل سخرهم لي الله كما يدعي بعض مدعي الدين؟ ألم يك اسهل على الله ان يمنع الشر فيريح عباده و بيوته واضرحة رسله ومقامات اوليائه الصالحين والقديسين على الارض التي اليها بعث بأنبيائه المرسلين و جعلها و حولها مباركة؟ ام ان البسطاء والفقراء و المؤمنين بدون السيف ليسوا الا فريسة، يُكثر الاجتهاد في سقي الانتظار للناس الاكليروس ورجال الدين. لماذا القرضاوي يفتي بقتل المسلمين ثم يُفتي بتحريم زيارة القدس للمؤمنين؟ منذ متى اصبحت زيارة السجين ممنوعة في سجون "الكفار" الظالمين؟ ام انها دهنقة و تخريف؟ واصاب من لقبه بـ "مفتي المارينز" و كم من مفتي للمارينز والبيت الابيض والويست منستر بثوب الايمان كذبا متجلببين، لكن حبل الكذب قصير، فصدق القول في الاخوان المسلمين حين خلع عنهم فقراء و بسطاء مصر ثقة وامانة ما كانوا لها اهلا فـ "كسروا عصاهم في اول غزواتهم"، جيش مصر و خلفه الشعب العظيم استردوا الامانة و سلموها لمن يستحق حملها و لهم عيون صقر تراقب من القريب على الوطن من كانوا متطاولين.

*برعاية غدر خدام جلالتها!*


بعد ساعتين ودقائق كثيرة من السفر انقض مفجرا جمجمتي سؤال لم ينفعني تجاهله ولم ينقذني من تقليبه في باطن العقل شرح الاحبة من كنت في صحبتهم مرتاحا امين. هل حقا سُلبت هذه البلاد الواسعة في ايام قلائل؟ وكيف تمكن الصهاينة من فرض نفوذهم عليها؟ لا لم تؤخذ بالمعارك و لا بالحرب، بل تسلم وتسليم، امر جزم به معترفا خادم جلالتها السير هنري غرونيي الذي ابلغ زواره وفدا من عصابات الارهاب الصهيوني انه عند مغادرته مقره و فلسطين الى بريطانيا منقلبا سيترك مفاتيح حصون الدولة و مستودعاتها و مراكز البوليس (الشرطة) تحت سجادة مكتبه. تحت رعاية غدر خدام جلالتها صاحبة التاج المرصع بمؤامرات الاستيطان في: ايرلندا، فوكلاند، مضيق جبل طارق، موزمبيق و لولا يقظة ناصر الامة و جمالها الشجاع الامين لضُمت الى تاج جلالتها لؤلؤة قناة السويس، واسياد العرب يغطون في جب استسلام عميق ووعد شريفهم بالولاء المطلق لجلالتها حتى لو كانت له من الظالمين.
سبحانك يا الله لماذا تمهل من كانوا للاستعمار والنهب عبيدا و للخيانة خدما متذللين؟ اولو الامر في فلسطين من رجال دين واقطاعيين وسياسيين سلموا امرهم لوعود موظفي ملكة بريطانيا وبأكاذيب خدمها العرب علفوا ارواحهم و بطونهم بفتات المال مكتفين الا من رحم ربي فقضى شهيدا او لاجئا او فوق ارضه مرابطا و بالشيوعيين مستعينا لمواجهة من دنسوا الارض و التاريخ سارقين. اليوم فهمت سبب غضب امي و حسرة تخفيها ام سمعان، نهلة مرقس دلة، قلبها ولسانها يلفهما صمت طويل وعيونها تقول "خليها في القلب تجرح و لا تطلع لبرا وتفضح". على صواب هي ام سمعان وقد باغتها الكبر و قبله حسرة دفينة عُمرُها من عُمرٍها، لكن من كان في عمر الشباب يناسبه القول "من رأى منكم منكرًا فليقومه بيده، وان لم يستطع فبلسانه و ان لم يستطع فبقلبه و ذلك اضعف الايمان". اين ايمانكم يا من جعلتكم من علمكم و دينكم سجادة يتبختر فوقها دوسا حكام كانوا لشعوبهم مستعبدين؟ أين انتم يا حكام السوء من اهل فلسطين؟ فوق ارضهم مرابطين و اعظم الجهاد بقول كلمة الحق في حضرة مستبد جائر صادحين. لماذا تمنعون عنهم زيارة اهلهم في اوطانهم؟ وكثيركم اعتاد السياحة على شواطئ طبريا ونهاريا وهرتسليا ومن خمارات و ملاهي تل ابيب اتخذتم ملاذا وعلى شركة "ال عال" ربما سفرتم "المجاهدين" الى افغانستان وربما الشيشان واذربيجان للفتنة والارهاب زارعين ومربين.

*وثيقة السفر، وثيقة الدونيّة..*


أزفت لحظة طال انتظارها عقودا، نعم عقود مديدة، التقيت و قسطندي مرقس خريف 1980 و بعدها بوقت قصير انضمت الينا بادرة التي اثمرت على العجل يسارا و بعد ذلك توالت سبحة الاحباء، نهلة، ام سمعان، سميرة، عبلة لنصبح عائلة بماء الياسمين مقطرة، وبأشعة الحنين مخضبة كسنديانة او زيتونة، رمانة، تينة والناس والمخلوقات من حيوانات ذات القوة والعزة واشجار مثمرة، متينة و بطول العمر مشهورة متشابهين. عندما افترقنا في 1989 اودعت بادرة، ام اليسار، وثيقة سفري، لأتقلب على لهيب الغربة والفرقة وجور أشقاء مستقوين بالايام و السنين فريسة مطيعة ومطية لأقوياء البشر مُتخذين.
نسيت "وثيقة سفر خاصة باللاجئين الفلسطينيين" بعد ان حصّنتني جلالتها "بجواز سفر" يحرس تاجه فهدان، وداخله ينطق اني مواطن بريطاني اصيل، تسأل بلغة الآمر جلالتها تسهيل دربي. حقا، نسيت، من اين لمليكتنا بهذا السحر، ما ان يلمس جواز سفرها ضباط عن انيابهم مكشرون يحرسون حدود عتاة الحكام المستبدين حتى تنقلب وجوهم الصفراء بالابتسامة ناطقة مرغمين مكرهين. بعد حصانتي وتدثري برداء المواطنين رحت ابحث عمن اضعت من الاحبة كأن النكبات و الافتراق قدر الفلسطينيين، لا فرق بين مواطن دولة اسرائيل او دولة فلسطين او لاجئين اعدمتهم حياتهم قوانين خنق تساوى فيها الاشقاء والاعداء. لم الجأ الى "صوت اسرائيل" واذاعتها بذرت في النفس كره "ابو طافش" وحديثه بالسم معجون وابي كان له من الكارهين المبعضين. حكاية العثور عليهم واحدة من معجزات الصالحين واساطير علاء الدين وحكايات الف ليلة و ليلة و شهرزاد تحايل المستبد شهريار قاتل النساء.
عندما التقينا شتاء 2008 ردت لي بادرة، ام اليسار وهي لقيم اليسار أم رؤوم وحامية امينة لوصية الثوريين؛ وثيقة السفر، بل وثيقة الدونية واهانة ضباط الحدود و الجمارك العرب والفرنجة لحاملها كأنهم به وباء فتاك يتجنب ذكره الاطباء والبشر منه مرعوبين. كانت الصورة لا تشبهني بعد طول سنين. طربت نفسي لأمانة وصبر بل مخاطرة من حملتها عبر الحدود لتحفظها عقدين من الزمن ونيف ليوم لقائنا فأصبحت بعشق روح ام اليسار مسكونا وانا العبد المسكين ولدت وفطرت عن والدي احترام وحب النساء وانصافهن من جور عادات ظلمت النساء والضعفاء والمستضعفين. (يتبع)



 (الكاتب باحث يعيش في لندن، المملكة المتحدة)
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

قمة ترامب مع العرب

featured

لا حرية دون عدالة

featured

هيك رَبِّتيني يا ماما

featured

دروس من تجربة الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (2-2)

featured

ذكريات حول الأول من أيار

featured

عن الذكاء والغباء السياسيّين

featured

تأميم مشروع القطار الخفيف في تل أبيب: شهادة فشل للقطاع الخاص

featured

دور اجتماعي وثقافي لأماكن العبادة