دروس من تجربة الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (2-2)

single

هذا التحرّك الشبابي قد لا يتكرّر من حيث قدرته على اجتراح معجزة


*تجربة الأجيال السابقة مفيدة، لمَن يريد أن يعتبر من الماضي. لكن التجارب لا تتكرّر، ولا يجب أن تتكرّر، وكل تجربة تغيير، أو انتفاضة، أو ثورة (حتى نحلم) يجب أن تكون صنيعة لحظتها، وعصارة أحلام شبيبتها، من دون تقليد، أو عودة إلى الوراء. لكن الأمل هو العامل المشترك، ومن دونه تزول حركات التغيير، وتسود الأنظمة إلى ما لا نهاية*


كان صنع القرار يتمّ خارج مكاتب «الحركة الوطنيّة»: كانت بضعة قيادات تستفرد بالقرار، الذي غالباً كان يأتيها على شكل أوامر، إمّا من ياسر عرفات، أو من النظام السوري، أو من النظام الليبي، أو من السفير السوفياتي في بعض الأحيان. وكانت الشؤون الماليّة سرّاً من الأسرار، كما في كلّ الميليشيات والأحزاب اللبنانيّة، لكن الحركة كان يفترض أنها تطرح شعارات التغيير الديموقراطي، الإصلاحي للنظام اللبناني، غير أنّ قادتها تصرّفوا كزعماء تقليديين. كان كلّ أمين عام لحزب، أو تنظيم من أحزاب وتنظيمات «الحركة الوطنيّة» يتلقّى مبلغاً شهريّاً مقطوعاً، مقداره مئة ألف دولار من النظام الليبي، وكان معظم الأمناء العامّين يتصرّفون بالمبلغ كما يشاؤون (بعض الأحزاب الصغيرة كانت تضع المبلغ في ميزانيّة الحزب مباشرة).
سابعاً: عدم التراجع أمام التهديدات. كانت «الحركة الوطنيّة» تتراجع أمام التهديدات، وأمام المدّ الرجعي. قرّرت «الحركة الوطنيّة» متأخرة (في عام 1980)، أمام حالة الفوضى المستشرية في بيروت الغربيّة، وتنوّع وتعدّد الميليشيات فيها (خلافاً لبشير الجميّل الذي «وحّد» البندقيّات في سلسلة من المجازر المتلاحقة)، بالإضافة إلى اختراقها من قبل عدد هائل من أجهزة مخابرات معادية، أن تنشئ، في مناطق نفوذها، مجالس للإدارة المحليّة، من أجل تدبير أمور المواطنين، وتقويض الدعاية الإسرائيليّة، التي كانت تبني على حالة النقمة الشعبيّة من فوضى السلاح، في تلك المناطق. لكن «الحركة الوطنيّة» لم تمضِ في مشروعها، بل تراجعت فور تجمهر كلّ القوى الطائفيّة الرجعيّة (المتمثّلة بـ «جبهة المحافظة على الجنوب» للطائفيّة الرجعيّة الشيعيّة، و»التجمّع الإسلامي» للطائفيّة السنيّة الرجعيّة) ضدّه. وكانت تلك القوى، السعوديّة المنشأ، تحرّض على المشروع، وتدعو إلى نشر سلطة الدولة (التي كانت مرتهنة بالكامل، في عهد سركيس، لبشير الجميّل). كما أنّ التنظيم البيروتي، «اتحاد قوى الشعب العامل» (وكان آنذاك، كما رجع بعد «عاصفة الحزم»، موالياً للنظام السعودي) قاد حملة شعبيّة واسعة ضد المشروع، الذي كان يمكن له أن يقضي على حالة الفساد المنتشرة، ويقرّب بين «الحركة الوطنيّة» وبين جمهورها.
ثامناً: أخذ زمام المبادرة، وعدم الوقوف في الدفاعيّة. في وقت كان حزب «الكتائب اللبنانية»، و»القوات اللبنانيّة» في ما بعد، مستمرين في طرح مشروعهما، وتعبّئة جمهورهما وراءه، وثابتين في التزامهما المشروع الشرّير والخطير، كانت «الحركة الوطنيّة» تتخبّط، ولا تأخذ زمام المبادرة، وكانت عسكريّاً وسياسيّاً في حالة الدفاع المُستمرّ، مّا أفقدها القدرة على المناورة، وعلى التحريك. حتى خطوط التماس كانت من صنع الفريق الانعزالي، ولم تعمل قوى «الحركة الوطنيّة» على تغييرها. وكان ياسر عرفات حريصاً، هو الآخر، على عدم تغيير خيوط «اللعبة» التي كان يتعامل معها (كما تعامل معها النظام السوري) على أنها ورقة تفاوضيّة لصالحه. قام حزب «العمل الاشتراكي العربي - لبنان»، و»الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» في بداية الحرب في 1975ـ 1976 بعمليّة لفتح ثغرة في جبهة (الشيّاح - عين الرمّانة) لكن قوّات «فتح» كانت تمنع مثل هذا التحريك للوضع العسكري. كانت تلك تجربة وحيدة.
تاسعاً: الكذب على الجماهير. لم تكن «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة» بشخص قياديّيها تصارح جمهورها بما يدور في الخفاء، وكانت تطرح شعارات لاتلتزم بها. لقد كان ردّ الحركة على مجزرة عين الرمّانة ضعيفاً للغاية، وطالب السلطة بتحقيق (والسلطة كانت متواطئة بالكامل مع الميليشيا التي ارتكبت المجزرة) وطرحت شعار «عزل الكتائب» (وكان الشعار من صنع وتصميم كمال جنبلاط ومحسن ابراهيم وجورج حاوي، الذين تخلّوا عنه في ما بعد). لكن الحركة لم تكن ملتزمة بالشعار، وكانت من وراء الجماهير، تقوم بحوارات ولقاءات سريّة مع بشير الجميّل ومع غيره. كان كمال جنبلاط، كما غيره من قيادات الحركة، على تواصل مستمرّ مع بشير الجميّل، وكان سمير فرنجيّة يقوم بدور الوسيط بين الطرفين. كيف يمكن تعبئة الجماهير وراء شعار لم تكن قيادة الحركة ملتزمة به أو جديّة في طرحه؟ والشعار كان صائباً في حينه، ولا يزال، لأن الطرف الواجب عزله هو الذي قام بالمجزرة، وهو الذي كان يريد «عزل» لبنان عن محيطه العربي، وربطه عضويّاً بالعدوّ الإسرائيلي. والحركة الوطنيّة رفعت علناً شعار «العزل» فيما قرّر وليد جنبلاط، بعد اجتياح إسرائيل للبنان في عام 1982، وتحت ضغط الدبّابات، إلى الرضوخ لمطلب مفاوضة بشير الجميّل (مع حركة أمل) على شرط تسليمه الجمهوريّة (وتمّ ذلك في لجنة استحدثها إلياس سركيس، عرّاب بشير الجميّل، تحت مسمّى، الإنقاذ الوطني). وموقف «العزل» كان صائباً لأن الميليشيا عينها قامت، فيما بعد، بمجازر متعدّدة ضد مسلمين ومسيحيّين، وضدّ مخيّمات فلسطينيّة. لماذا لم تكن الحركة تصارح جمهورها بحالة اللعب على الحبال، والمفاوضات من وراء جثث الشهداء، كي يحكموا عليها سلباً أو إيجابا؟ ربّما لأن الحركة كانت تخشى جمهورها، بعدما ابتعدت عنه، وزاد ابتعادها حتى بلغ الذروة قبل الاجتياح، عندما وجد العدوّ تربة خصبة كي ينقضّ فيها على مشروع المقاومة والصمود والمواجهة مع العدوّ.
عاشراً: الاعتدال وبال. خصوصاً في زمن مواجهة المؤامرات. قرّرت «الحركة الوطنيّة» أن تنتهج منهج الاعتدال في كل مراحل تاريخها، وابتعدت عن التطرّف، كما أن قيادة كمال جنبلاط، ووليد جنبلاط من بعده، ضمنتا أنّ الخيارات الراديكاليّة في مواجهة أخطر مشروع راديكالي جذري رجعي، المتمثّل في مشروع بشير الجميّل، لم تكن تُنتقى، وكان الإصرار دوماً على الخيار المعتدل، وعلى التهدئة، وعلى الحوار. كان الفريق الانعزالي يعطّل كل مشاريع الوفاق والسلام، فيما كانت «الحركة الوطنيّة» لا تعتمد، مهما كان، على خيار الحل، أو الحسم العسكري. صحيح أن كمال جنبلاط وصل متأخراً إلى قناعة حول ضرورة الحسم العسكري، في عام 1976 لكن المشروع عطّله النظام السوري، وحركة «فتح» (لم تكن حركة فتح، بشخصي أبو عمّار وأبو جهاد، جديّة في قرار المواجهة العسكريّة مع قوّات النظام السوري، التي تدخّلت عام 1976 لإنقاذ ميليشيات اليمين الرجعي من الهزيمة الأكيدة)
حادي عشر: الهوّة بين القيادة والقاعدة. إنّ الهوّة بين قيادات الحركة، وبين قاعدتها، كانت كبيرة. إن الثراء الذي لحق بمعظم قيادات «الحركة الوطنيّة» نقلهم من طبقة إلى طبقة، ومن منطقة سكنيّة إلى أخرى. طبعاً، إنّ بعض قادة التنظيمات اليساريّة الصغيرة لم تتأثّر بالدفق المالي، الذي لم يصبها منه إلا القليل، وكانت تنفقه على ضرورات العمل العسكري والتجهيز. كما أن الحركة التقدميّة خضعت لمعايير الزعامة الطائفيّة التقليديّة في تسليم القيادة إلى كمال جنبلاط، وإلى ابنه من بعده.
ثاني عشر: الإدمان على الدفق المالي. كان الدفق المالي على الحركة المفسدة الكبرى. تحوّل المال الخارجي، من وسيلة لبناء حركات مقاومة وطنيّة، إلى هدف بحدّ ذاته، لإطعام أخطبوط بيروقراطي، نسي الذين أنشأوه سبب وجوده. أبنية وقواعد ومكاتب لا يعلم أحد جدواها. كانت «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة» في الستينيات، وأوائل السبعينيات، أفعل وأجدى وأقرب من الجماهير، عمّا أصبحت عليه في ما بعد، ولم تكن تملك لا المكاتب ولا الأبنية، ولا القواعد الثابتة، التي كانت أهدافاً ثابتة أمام طائرات العدوّ، والتي كانت تخلّ بأبسط قواعد «التكتيك العسكري» الذي كان يتعلّمه مَن مرّ في معسكرات تدريب الثورة الفلسطينيّة. كان المال الليبي يتدفّق على الحركة، إلى درجة أن الحركة ابتاعت مبنىً كاملاً، وكان فضفاضاً، ولم يكن هناك من سبب لملء كلّ تلك المكاتب (أذكر حجم مكتب الأمين العام التنفيذي للحركة الوطنيّة). والبيروقراطيّة الإداريّة التي تمخّضت عن التمويل، لم تكن تحسّن البتّة في أداء التنظيمات. على العكس، جعلتها أكثر جموداً ولينينيّة ومركزية. كما أن المال الهابط، ولّد ظاهرة التفرّغ، التي جذبت مقاتلين يفتقرون إلى العقائديّة. كان المال وفيراً إلى درجة أنه كان هناك إفراط في نشر المجلاّت والصحف: كانت مجلّة «الهدف» التي أطلقها العظيم، غسّان كنفاني، تنشر في سنواتها الأولى، بعد 1969 ثبتاً بالتبرّعات الصغيرة، التي كان عرب حول العالم يجمعونها للمجلّة، لكن «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين» باتت تنشر في سنوات الطفرة الماليّة (التي كان ياسر عرفات يستعملها لأسر باقي التنظيمات الفلسطينيّة واللبنانيّة) مجلّة غنيّة (وأنيقة بلا سبب)، وتنشر جريدة يوميّة «الثورة مُستمرّة». (وكان معظم مواد تلك الصحف اليوميّة مُصوّرة من صحف أخرى). كانت الثورة أفعل في سنوات فقرها وعوزها.
لن تتكرّر تجربة «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة»، بسيّئاتها وإيجابيّاتها، كما أن الحكم عليها يجب حكماً أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف، والعوامل الخارجيّة، التي أثّرت في مسارها، وفي قدرتها على التغيير. والتحرّك الشبابي الجاري في لبنان، اليوم، قد لا يتكرّر من حيث قدرته على اجتراح معجزة تغيير النظام، كي لا نقول إسقاطه، لكن تجربة الأجيال السابقة مفيدة، لمَن يريد أن يعتبر من الماضي. لكن التجارب لا تتكرّر، ولا يجب أن تتكرّر، وكل تجربة تغيير، أو انتفاضة، أو ثورة (حتى نحلم) يجب أن تكون صنيعة لحظتها، وعصارة أحلام شبيبتها، من دون تقليد، أو عودة إلى الوراء. لكن الأمل هو العامل المشترك، ومن دونه تزول حركات التغيير، وتسود الأنظمة إلى ما لا نهاية.



* كاتب عربي

قد يهمّكم أيضا..
featured

طبخ حمامة السلام في طنجرة أوباما

featured

مسؤولية الشعوب في نُظم ديمقراطية الغرب

featured

هل الاسلام السياسي هو الحل؟ (2)

featured

كلمات مُرسلة لسعيد نفاع

featured

تكريم الاتحاد

featured

لماذا "تعرف وتحرف" يا براك اوباما!