تكريم الاتحاد

single
تعرفت على جريدة الاتحاد سنة 1956، وهي سنة ذات دلالات، فيها كان العدوان الثلاثي على مصر من قبل إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، فيها صمد الشعب المصري والجيش وعبد الناصر الذي ركب سيارة مكشوفة تحت القصف العدواني، وفيها كان الإنذار السوفييتي الشهير بواسطة الرئيس بولغانين فتوقف العدوان صاغرًا يجر أذيال الخيبة والجريمة والعار، وانسحبت إسرائيل صاغرة من سيناء وقال الشاعر يومها:
لفّ ذيله وانسحب
لستُ ادري ما السبب
الشاعر يدري السبب ونحن ندري، صمود الشعب والجيش والقيادة ودعم الحليف الشيوعي. أما الولايات المتحدة فكانت تتهيأ لتحلّ محل فرنسا وبريطانيا في المنطقة، وهكذا كان وهم معها.
في تلك السنة حدثت مجزرة كفرقاسم لدَبّ الرعب في العرب هناك؛ دَبّ الصمود وليس الرحيل رغم بشاعة الجريمة، وكان دور الشيوعيين في الكشف عن الجريمة بواسطة أصحاب الاتحاد توفيق طوبي وماير فلنر، وكان قرش شدمي عقاب المجرم.
في تلك السنة نفى الحكم العسكري عددًا من الشيوعيين من المثلث ووادي عارة إلى قريتنا، استقبلهم الناس كضيوف أعزاء، تعرفت على الشيوعيين وعلى الاتحاد.
سنة 1958 قامت في قريتنا مظاهرة جبارة من اجل استرجاع ارض "الخيط" المصادرة، ورددت أنا وكامل شعار: تسقط حكومة ابن غوريون، تسقط حكومة السلب والنهب، ووصلت جريدة الاتحاد من الرامة بواسطة كمال غطاس ورفاقه عن طريق "شقيف الكاف" وجبل حيدر الوعِر الصعب المرتقى، لكن الشيوعيين ارتقوه.
زادت معرفتي بالاتحاد التي هبّت للدفاع عنّا، وتوطدت معرفتي بالاتحاد في ثانوية الرامة في نفس السنة ولليوم ودائمًا.
في سنة 1987 كانت الاتحاد في معركة "الزابود" وقام أهالي قريتي بتكريم الاتحاد في مقرها الحالي، وأقمنا معرضًا للاتحاد ودورها في مبنى المجلس المحلي، مقر طاقم النضال.
تعرفنا على الاتحاد المبدئية والمسؤولة والشجاعة، تقول الحقيقة، ولو كانت مُرة، وكم صدق الكاتب يوري بيليار: الحقيقة تغذي الشجاعة والشجاعة عماد الحياة.
قول الحقيقة كلّفها وكلّف حزبها ثمنًا، ولو مؤقتًا، وقفت بشرف. فالشريف من يصفعك بالحقيقة في وجهك.
حوربت منذ صدورها من الاستعمار البريطاني في فلسطين، من الصهيونية، ومن الرجعية، هؤلاء وأمثالهم وأتباعهم يرمون حجارتهم على الأشجار المثمرة. وظلت الاتحاد وتظل غنية بالعطاء كالماء الذي لا ينقطع على خط الاستواء، والأنهار التي لا تعود القهقرى إلى الوراء.
وكم من موزّع وضعها على عبّ اللحم، عند القلب، خاصة زمن الحكم العسكري. وكم من دروب وعرية قطعت لتصل إلى كل قرية، إلى الناس، في الليالي والنهارات، في الزمهرير والهاجرة، ، وتلقفها الرفاق من فوق النعامين لتصل إلى عكا.
وكم من يد طاهرة طرية وقوية للنساء اللواتي اعتُقل رجالهن في أيار سنة 1958، حملت الاتحاد إلى قرائها، كان المعتقلون بالمئات، ولسان حالهن يقول: من يخشَ الذئاب لا يذهب إلى الغاب.
لم تكن الاتحاد في حياتها في بحبوحة من العيش، كانت في بحبوحة من احترام وحب الناس لصدقها وجرأتها ومسؤوليتها، ضد الطغاة وأتباعهم، فلكل دار ذبابها، من على صفحاتها مع شقيقاتها باللغة العربية الجديد، الغد، الدرب، قرأنا ودرسنا أدب المقاومة، وتعرفنا على الأدب العالمي والعربي الإنساني والأممي، على نضال الشعوب والعمال في كل بقاع الأرض.
كنا نستمع إلى إحدى الإذاعات العربية تعتمد في تحليلها السياسي على كلمة الاتحاد، لكنها لم تُشر ولا مرة واحدة إلى الحزب الشيوعي مؤسس جريدة الاتحاد. كانت تذكر جريدة الاتحاد الصادرة في حيفا.
الشرف متبادل بين الاتحاد وحيفا، حيفا درج الموارنة، والمؤتمر، والحريري، وحدّاد، والوادي والخوري وكل أصدقاء الاتحاد، قبل سنة، عَنّ على بالي ان أسجل في مفكرتي الصغيرة بعض الأقوال والشعارات والصور المعلقة في مكاتب الاتحاد:
صورة لإميل توما، والأم الفلسطينية التي تلوي يد جندي الاحتلال مع بندقيته، جنازة جمال عبد الناصر، العدد الأول من الاتحاد، درع الاتحاد، لوحة لناجي العلي تقول: تعيش الطبقة العاملة، (...) بهيك عيشة يا زلمة!!
وعدد من الأقوال اللطيفة جدًا: يا ربي كل هالشغل وفِش معاش!! مع صورة امرأة لايبة. الشعب يريد تغيير الرئيس، قِسم الأمراض النفسية والعصبية، مهندس عمليات قتل الجراذين، قسم العناية المكثفة... الخ. هذه الأقوال، في منتهى اللطف، ومع ذلك يُصدرن ويصدرون الاتحاد اليومية.
فكل الاعتزاز بهذا المنبر الفكري والأممي والطبقي والسياسي والاجتماعي وعامليه وحُماته، التكريم لهذا المنبر ولهؤلاء ، فأنا واحد من كثيرين..
لتظل الاتحاد صادقة الانتماء، مصرّة على البقاء، وغزيرة العطاء.
قد يهمّكم أيضا..
featured

أزمة «وول ستريت» والشرائح القلقة اجتماعياً..

featured

"القادير"

featured

رسالة مغلقة إلى الأستاذ المحامي وليد الفاهوم

featured

جذور التحريض في السلطة الحاكمة

featured

ليكن النجاح حليفكم يا رُسل شعب يتعذب!

featured

والعرب، وينهن؟

featured

"حرية بثلاثين كلمة"

featured

عودة الى عودة خوري التجنيد جبرائيل نداف!