رسالة مغلقة إلى الأستاذ المحامي وليد الفاهوم

single

 *تعقيب على مقال "كيف حالك؟"، أمس الاثنين 4.11.2010*

بسم الله الرحمن الرحيم
من سلفي ظلامي ما زال يعيش في أوّل القرن الأول
إلى
تقدمي مستنير يعيش في أوّل القرن الحادي والعشرين
تحية أخوية وبعد،

 

باسم كلّ أمثالي السلفيين الظلاميين أتقدّم بخالص شكري وامتناني للأستاذ وليد الفاهوم على كرم أخلاقه وسعة صدره وقد ترك لنا نصف رمضان لنصومه ونقومه بعد أن سبقه أحدهم، في رمضان الفائت، وشطب رمضان كله بجرّة قلم. نعم! هكذا بالضبط، بجرّة قلم! ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله، فشكرا للأستاذ وليد الفاهوم على أن أعاد لنا شطرا من رمضان. على كلّ حال، بعض الخير أفضل من عدمه. غير أنّ هناك مشكلة صغيرة وهي أنّ القرآن الكريم قد فرض علينا صيام رمضان كاملا غير منقوص أو مشوّه، من الهلال إلى الهلال! فماذا نحن فاعلون يا أستاذ وليد الفاهوم بالقرآن الكريم؟!
      كان هذا كلام الجد والآن إلى الهزل. . . كيف تشطب الآخر في موضع وتقلعه من أصله، لا تبقي منه شيئا ولا تذر، ثمّ تدعوه للتغيير والإصلاح في موضع آخر؟! إن دعوتك للإصلاح غير مقبولة ومردودة من أصلها لأنها غير صادقة وقد كتبت للمماحكة. نحن نعرف ذلك مثلما تعرفه أنت بالضبط. المشكلة هي في أن وليد الفاهوم يخلط، بعلم يقين لا بجهالة، بين الإسلام وبعض المسلمين. ورحم الله من قال حين قال: "الحمد لله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين". إن كنت تكتب للمسلمين الصادقين الذين يحرصون على دينهم فهم ليسوا بحاجة إلى مقالاتك فاترك الإسلام لهم يقيمونه بعلمهم وإيمانهم، وإن كنت تكتب لهؤلاء المتنطعين، كما تقول، فهؤلاء لا يقرأون مقالاتك، ولو كانوا يقرأون ويجيدون القراءة والفهم لما كانوا من هؤلاء أصلا وأنت تعلم هذا الكلام، أو لا تعلمه؟!
      لقد مللنا الحديث الممجوج عن حرية الرأي والرأي الآخر التي تُرتكب باسمها الكثير من الحماقات. قلت في نفسي: يبدو أنّ رمضان هذا الذي يناصبه الفاهوم أشدّ العداء قد ارتكب جريمة نكراء بحقّ الرجل وإلا فما علة هذا الهجوم عليه كل اثنين وخميس؟! لكن رمضان، هذا الذي يعلّق الفاهوم عليه كلّ مآسي الإنسانية، ليس هو رمضان الذي أعرفه وأصومه وأقومه إيمانا واحتسابا! رمضان كما نعرفه، أخي الأستاذ وليد الفاهوم، يشكّل جانبا بارزا من الهوية الكلية للأقلية العربية الفلسطينية العاملة الكادحة والمضطهدة التي لا تنسى أن تدافع عنها بحزم، بعد الهجوم على رمضان! رمضان الذي نعرفه هو هذا الذي يصومه الناس البسطاء ويقومون ليله ثمّ بعد ذلك يتوجّهون إلى أشغالهم وأعمالهم وإلى أندية الحزب الشيوعي والتجمّع الوطني للمشاركة في نشاط هنا ونشاط هناك. رمضان الذي نصومه ونقومه إيمانا واحتسابا لم يمنع الكثيرين، في يوم من الأيام، من التصويت لا للحزب الشيوعي ولا للتجمّع الوطني. وإن تنصّلت أنت وغيرك من أنصار رمضان، أو من هؤلاء المحسوبين عليه، لفقد الحزب الشيوعي والتجمع الوطني كلّ منهما أكثر من نصفه! ولبقي كلّ منهما مشوّها ممسوخا فاقدا لكلّ أسباب المنعة الفكرية! في رمضان الفائت، أخي الأستاذ وليد الفاهوم، كنتُ من جملة المصلين الذي يقومون ليله وكان يقف على يميني رجل على قدر حاله بالضبط، لا أكثر ولا أقل من ذلك، ورجل آخر على يساري من المحسوبين على الثلة المثقفة والمفكرة، وكان كلّ منهما يصلي ويرفع يديه إلى السماء تضرّعا إلى الله تعالى سائلا إياه أن يعيد أمجاد الخلافة الإسلامية بكامل هيئتها ونصيبها ونصابها، ثم كنتُ أراهما بعد ذلك بدقائق معدودات أمام نادي الحزب الشيوعي يكاد كل منهما يستلم بابه ويقبّله على طريقته وهو يقول: لا لسياسة الغباء الفكري! إنّ رمضان، الذي جعلته معادلا موضوعيا وغير موضوعي للسلطة الإسرائيلية، قد تبرّأ منذ كان من كلّ ممارسات القاعدين المقعدين التي تحاول أنت وغيرك، غير فالحين، ربطها به. رمضان الذي نعرفه بريء من كلّ هذه المعاني الملحقة به جورا وزورا! المشكلة هي في أنك تعرف هذا الكلام حقّ المعرفة، أو هي في أنك لا تعرفه؟! إنّ حرية الرأي التي تؤمن بها وتسيء إليها وتخطئ في ممارستها تمنح الآخر حقا مبدئيا في الوجود ومكانا فعليا في العمل الفكري والأيديولوجي. إنّ رمضان الذي يدعو غيرك إلى محوه وتدعو أنت إلى تشويهه أبقى منه ومنك. إذن، ما حاجتنا إلى مقارعات محكومة بالعقم الفطري والأزلي؟! فلنحتكم إذا إلى مصالحة تعطي الحقّ لكلّ مركّبات الهوية القومية والوطنية والحضارية في البقاء. هذه المركّبات التي تتداخل وتتعالق بصفة غريبة عجيبة أثبتت قدرتها على البقاء عبر التاريخ، مثلما أثبتت نجاعتها برغم كلّ المثبطين المرجفين.
      وفي الختام نطمئن الأستاذ وليد الفاهوم بأننا لا ندعو إلى التدليس أو إلى نهج سياسة "الطبطبات" ولسنا من هواة "المقارعة لأجل المقارعة"، لأننا نؤمن بأنّ الصدام الحقيقي المبرّر أنفع من المصالحة المزيفة والضحك على اللحى. غير أنّ المونولوجات التي تطلع أنت بها علينا من حين لآخر تبدو مفتعلة، لا حاجة لنا بها، أقصد الصائمين في رمضان القائمين في ليله، مثلما أقصد السكارى المترنّحين المغيّبين على أبواب الحانات والمواخير. في كثير من المقالات التي تكتبها أخي وليد الفاهوم، وها أنا أعترف بأني أقرأ بعضها من حين إلى حين لأوسّع من دائرة ثقافتي وأملأ مساحتها ومحيطها، لا أسمع نقدا بل حقدا. إنّ مطلب اليوم وأمس وغد هو قدر كبير من الجرأة على المصارحة الحقيقية وقول الحقّ والحوار بعيدا عن عقم المونولوجات. صحيح، قد نلجأ إلى حوار مفتوح، صريح، قاس وشديد المرارة، لكننا لسنا بحاجة إلى مونولوجات تلغي الآخر وتشطبه بقليل من الحكمة بكثير من قلة الحيلة والدراية.

 

واسلم لأخيك السلفي الظلامي،
إبراهيم طه
نا أعترف أنني أقرأ بعضها، أ

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم أسود في تاريخ الكنيست

featured

ليس للعراق إلا دمه!

featured

روسيا وإسرائيل – نزوة، أَم غزوة، أَم غزل من طرف واحد؟

featured

الزيتونة المناضلة

featured

من أجل إعادة تنظيم وتفعيل لجنة الدفاع عن الأراضي

featured

أجواء ميلاد المحبّة في غياب الأمن والعدالة

featured

الأزمة الفلسطينية، أزمة عربية: خلاصة (4-4)