• رغم زيارات نتنياهو المتكرّرة إلى الكرملين لم تغيّر روسيا من مواقفها في المحافل الدولية، وما انفكّت تزوّد إيران وسوريا بأسلحة نوعية قد تتسّرب إلى حزب الله. فماذا وراء هذا التعويل الإسرائيلي على موسكو؟
تثير العلاقات بين روسيا وإسرائيل علامات سؤال، واستفهام، كثيرة، مؤخرًا. فقد عاد نتنياهو أول أمس من الكرملين، في رابع زيارة له إلى العاصمة الروسية خلال أقل من سنة. بالمقابل، التقى نتنياهو أوباما في هذه السنة مرة واحدة فقط.
ويطرح مراقبون إسرائيليون تساؤلات حول مغزى هذا الغزل تجاه موسكو، مقابل الجفاء والصدّ مع باريس وواشنطن. فرغم التصريحات الودية والإطراءات المتبادلة، فمن الصعب الإشارة إلى تغيّرات جوهرية في مواقف روسيا من القضية الفلسطينية وقضايا المنطقة. ففي أيلول 2015 صوّت مندوب روسيا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالح مشروع قرار مصري يطالب بفرض الرقابة على المنشآت النووية الإسرائيلية؛ وفي آذار الأخير صوّت الروس ضد إسرائيل في مجلس الأمم المتحدة ومع مشروع قرار فلسطيني لإصدار "قائمة سوداء" للشركات التي تقيم علاقات تجارية مع المستوطنات؛ وفي آذار صوّت الروس مع مشروع قرار فلسطيني في اليونسكو، يخصّ مدينة القدس، ينفي المزاعم الصهيونية بشأن "الهيكل".
إنّ سعي نتنياهو إلى توثيق العلاقات مع روسيا، لا سيما "التنسيق الأمني بهدف منع الاصطدام"، مردّه، بحسب خبراء إسرائيليين، قلق تل أبيب المتزايد من التعاون الإستراتيجي الروسي مع إيران وتزويدها بمنظومات صواريخ إس 300 وغيرها من الأسلحة المخلّة بالتوازن العسكري، ومع سوريا في المواجهة المفتوحة مع الإرهابيين، وكذلك مع حزب الله، حيث يأخذ الإسرائيليون على الروس، في الغرف المغلقة على الأقل، تسرّب أسلحة نوعية إلى حزب الله.وبالمقابل، تعكس هذه المساعي تخوّفًا إسرائيليًا من تصدّع نظام القطب الواحد ومن الفراغ التي تخلـّفه الولايات المتحدة في المنطقة، وبالتالي تريد إسرائيل تعزيز علاقاتها مع القوى الدولية الصاعدة، كروسيا والصين والهند، المرشّحات للعب دور مركزي في النظام العالمي الجديد. إضافةً إلى هذا كلـّه، تملك إسرائيل مقوّمات جذب عديدة اقتصادية وتكنولوجية، لقوّة عظمى كروسيا، لا سيما في مجال الطاقة، ناهيك عن وجود أكثر من مليون مهاجر روسي في إسرائيل، ما زالوا متمسّكين بثقافتهم الروسية ولهم شبكات علاقات متشعّبة مع رؤوس أموال وجهات متنفّذة في روسيا.
وفي السياق الراهن، تريد تل أبيب التملـّص من الضغوطات الدولية لإحياء العملية السياسية، وخصوصًا المبادرة الفرنسية، معوّلةً على دور روسي ريادي، بمستطاعه تحصيل ضماناتٍ ما مع أعداء إسرائيل - إيران سوريا وحزب الله. هذه المصلحة الآنية الإسرائيلية قد تلتقي مع مصلحة روسيا الإستراتيجية لاحتلال موقع أكثر تأثيرًا في الساحة الدولية، وفي المنطقة خصوصًا، ومساومة الغرب على ملفات أخرى كأوكرانيا وكغيرها. ولكن يبدو أنّ نتنياهو لا يصغي إلى الأصوات المحذّرة من هذا الرهان والتي تعتبره"خيارًا محدود الضمان" ناتج عن تخبّط سياسي أكثر منه عن تخطيط استراتيجي. فالموقف الرسمي الروسي ما زال يعتبر قرارات الشرعية الدولية مرجعًا لأي حل سياسي.
ورغم هذا كلـّه، فما يبعث على القلق هو أنّ الموقف الرسمي الفلسطيني ما زال أسير أوهام "النوايا الأمريكية الحسنة" وبدائلها الأوروبية الهشّة، والأنظمة العربية لا ترى أبعد من كروشها وعروشها، وحتى الأنظمة غير الخاضعة والتابعة للإمبريالية لن تفضّل قضية فلسطين على مصالحها هي. ويجب أن ندرك أنّ روسيا ليست الاتحاد السوفييتي. ويجب أن نتذكّر، أيضًا، أنّ أحد أسباب تأييد الاتحاد السوفييتي لقرار التقسيم الجائر عام 1947، كان تصوّر ستالين، الخارج للتو منتصرًا من الحرب العالمية الثانية، بأنّ إسرائيل قد تتبلور كدولة اشتراكية وتقدّمية، مقابل الزعامات العربية المتهالكة اللاهثة وراء بريطانيا، وبأنّ دعم الاتحاد السوفييتي لإسرائيل قد يدقّ إسفينًا بين الحركة الصهيونية والاستعمار العالمي. وقد جاء موقف ستالين آنذاك مفاجئًا للجميع، ومعاكسًا للسياسة السوفييتية ومنافيًا للموقف الأيديولوجي للحركة الشيوعية، بل معاكسًا حتى لما جاء في كتابه "الماركسية والمسألة القومية" (1913).
