تأميم مشروع القطار الخفيف في تل أبيب: شهادة فشل للقطاع الخاص

single

لعلها مفارقات التاريخ أو ربما سخريات القدر هي التي جعلت بالذات الحكومة الأكثر يمينية ورأسمالية ونيوليبرالية في تاريخ البلاد تقوم هي بالذات بتأميم مشروع البنى التحتية الأكبر بتاريخ البلاد واسترداده من أيدي الشركة الخاصة التي فشلت مرة تلو الأخرى بضمان تنفيذه الى أيدي الدولة من جديد ليتم تنفيذه بإشراف وبأموال الدولة وليكون القطاع العام المسئول الأول والأخير.


* 11 مليار شاقل


مشروع القطار الخفيف في تل-أبيب يعتبر المشروع الأكبر في البلاد. والحديث يدور عن شق خط سكة حديد بطول 22 كم بحيث تكون بدايته في مدينة بيتح تكفا ويمر من تل أبيب ليكون قسم منه فوق الأرض والقسم الآخر كقطار تحتي لينتهي في مدينة بات-يام. تكلفة المشروع تقدر بـ11 مليار شاقل. شركة MTS فازت بمناقصة المشروع في العام 2006.
وتم التوقيع على الاتفاقية بين الشركة الفائزة والحكومة بشهر أيار من العام 2007 وبحسب الإتفاقية المذكورة فإن شركة MTS ستتوصل الى تأمين المبالغ المطلوبة للقيام بتنفيذ المشروع خلال عام واحد فقط أي حتى العام 2008، أي ان الموضوع المادي للمشروع سيتم انهاءه خلال عام واحد من توقيع الاتفاقية وان الخط الأول للقطار الخفيف أو ما إصطلح على تسميته "بالخط الأحمر" سيكون جاهز للتشغيل حتى العام 2013. لكن تبين لاحقاً ان الشركة الفائزة لن تستطيع الوقوف بوعوداتها وحتى اليوم أكثر من سنتين بعد الموعد المحدد لم تستطع الشركة تأمين المبلغ الكافي للقيام بتنفيذ المشروع.
الدولة في المقابل إستمرت مدة سنتين بالتهديد والوعيد من دون اتخاذ إجراءات عينية بحق الشركة المذكورة بل بالعكس قامت الحكومة مرة تلو الأخرى بإرجاء تنفيذ تهديداتها لموعد متأخر.


* تحالف العمالقة وتجسيد العولمة


MTS هي شركة مشتركة تم إقامتها من قبل 5 شركات عملاقة للتقدم والفوز بمشروع البنى التحتية الأكثر ضخامة بتاريخ الدولة، الشركات التي تتشارك تحت مظلة MTS هي:
* شركة "أفريقيا إسرائيل" - وهي من أكبر شركات الاستثمار في اسرائيل ويمتلكها الملياردير الإسرائيلي ليف لفاييف.
* إيغد – شركة الباصات المعروفة الأكبر في البلاد.
* شركة سيمنس (SIEMENS)- شركة التكنولوجيا الألمانية العملاقة وهي من الشركات الضخمة بالعالم بمجال التقنيات المتطورة.
* شركة CCECC الصينية- وهي إحدى شركات البناء الأضخم في الصين.
* شركة سوارس دي كوستا SDC البرتغالية- شركة متخصصة ببناء خطوط سكك الحديد للقطار الخفيف.
* شركة HTM الهولندية – شركة مواصلات ضخمة هولندية ومتخصصة بتشغيل خطوط القطار الخفيف في هولندا ومناطق مختلفة من العالم.

 


 

* القشة التي قصمت ظهر البعير


في الأيام الأخيرة وبعد مرور فترة طويلة من عدم الالتزام بالتعهدات والتهديدات الكثيرة التي قامت بتوجيهها الدولة لمدة أكثر من عامين ونصف دخل الطرفان الى مفاوضات حثيثة بعد الضغط الجماهيري الذي أخذ يشتد بالفترة الأخيرة على الدولة نتيجة الإستمرار بجر الأرجل طوال الفترة السابقة. الهوة بين الدولة وبين شركة MTS تمثلت بمبلغ 250 مليون شاقل أي ما يوازي 3% من تكلفة المشروع ككل. علماً ان الدولة قدمت للشركة ضمانات بالمشاركة بتمويل المشروع بمبلغ 7.1 مليار دولار بالإضافة لإعطاء الشركة حق تلقي أرباح المشروع لفترة ال- 32 عاماً القادمة. إلا ان الشركة تطالب بإعطاءها مهلة أطول لتوفير بقية المبلغ المطلوب للمشروع وتطالب الدولة بإعطاءها ضمانات إضافية وشبكة أمان في حال عدم تمكن الشركة من تنفيذ المشروع في موعده. وهو الأمر الذي رفضته الدولة وقامت مؤخراً وزارتي المالية والمواصلات بالرضوخ بعد عامين ونصف من التأجيل الى الضغوطات السياسية والشعبية التي أدت بهم الى تأميم المشروع ومحاولة تنفيذه من قبل الدولة.

 

* نضال متواصل وعمل دؤوب


أحد المهنئين الأوائل لقيام الدولة بتأميم المشروع المذكور كان فرع الجبهة الديمقراطية في تل-أبيب وكتلة "المدينة لنا جميعاً" في البلدية ورئيسها النائب الجبهوي د. دوف حنين والذي كان أحد أوائل مثيري قضية المواصلات العامة في البلاد بشكلٍ عام وموضوع تأميم مشروع القطار الخفيف/التحتي في منطقة تل أبيب بشكلٍ خاص.
في جلسة لجنة الإقتصاد البرلمانية التي عقدت بتاريخ 22.6.2009 بمبادرته شدد النائب حنين على وجوب أخذ الدولة لدورها وعدم محاولة الهروب من مسؤولياتها بتحويلها الى جهات ومستثمرين خاصين مقابل حصول هؤلاء على إمتيازات ومراكمة لرأسمالهم على حساب مشاريع حيوية لكافة المواطنين. حنين أعرب في تلك الجلسة بالإضافة الى معارضته المبدأية لقيام الدولة بتمرير مشاريع ضخمة وحيوية من هذا النوع الى مستثمرين خاصين عن شكوكه بقدرة هؤلاء المستثمرين وخصوصاً في ذروة الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالنظام المالي العالمي من تحمل وزر مثل هذا المشروع الضخم من دون محاولتهم إبتزاز المال من الدولة ومن خلالها المال العام مرة تلو الأخرى. وهو الأمر الذي حصل بالفعل خلال العامين والنصف السابقين.
كما هو متوقع، الكثير من أعضاء الكنيست قاموا بالوقوف الى جانب أصحاب رؤوس الأموال والشركة المنفذة للمشروع، حنين أشار ل-"الإتحاد" ان الأمر متوقع: "من الواضح ان النواب في الكنيست يمثلون طبقات وتوجهات مختلفة وليس من الغريب أنه حتى بعد مرور كل هذه الفترة تجد انه لا زال هناك داخل أروقة الكنيست وفي نقاشات لجانها من يقوم بالدفاع عن أصحاب رؤوس الأموال ويحاول إعطائهم فرصة إضافية، فرصة التي بالتأكيد لا تعطى لأي مواطن عادي لا يملك ملايين ومليارات الدولارات مثل هؤلاء المستثمرين. لكن أيضاً علينا النتباه انه بالنهاية بهذه القضية انتصرت "الحتمية التاريخية" على "نظام السوق الحر" والذي فشل بالقيام بهذا المشروع الضخم."


* رهن الناس للرأسمال


وعن سؤالنا حول قدرته وقدرة كتلة الجبهة إتخاذ الموقف الصحيح والوصول الى النتيجة الصحيحة قبل عدة سنوات من تبني ذات النتيجة التي وصلت اليها وزارتا المالية والمواصلات قال حنين: "الموضوع هو في صلب فكرنا الشيوعي والجبهوي وتأكد ان وجهة النظر لحزبنا وجبهتنا هي الصحيحة بعدم جعل المواطنين رهائن "لنية أصحاب رؤوس الأموال الطيبة" لأن هذه النية غير موجودة. وقيام الدولة وأخيراً بتأميم المشروع يسري عليه مقولة "مكرهٌ أخاك لا بطل" لقد رأت الوزارات المختلفة ان طريقة تعامل الشركة المنفذة للمشروع لا تنقصة السخرية فلم يكن أمام الدولة من مفر الا تأميم المشروع."
للقضية هناك بعدٌ بيئي يضاف الى البعد الإقتصادي الذي يدور أساساً الحديث حوله. حيث اننا عندما نتحدث عن منطقة تل-أبيب وعن الشروع ببناء سكة حديد تحتية فالحديث يدور أيضاً عن المياه الجوفية التي سيتم سحبها وضخها من هناك وشركة MTS التي كان من المفروض ان تقوم بتنفيذ المشروع لم تنس تقديم طلب بأن تنال حصة من المياه الجوفية في المنطقة، فعلى ما يبدو ان بطون أصحاب رؤوس  الأموال لا تعرف شبعاً أبداً.


* "سريع في المدينة": أسرع وأوفر


بالتزامن مع مشروع القطار الخفيف الذي كان يفترض البدء بالعمل به خلال هذه الأيام وبداية عمل القطار بأحسن الأحوال خلال العام 2013 وبسبب التأخير الكبير في تنفيذ المشروع ومشكلة المواصلات التي أصبحت لا تطاق في منطقة وسط البلاد وفي تل-أبيب-يافا بشكلٍ خاص والتي لن تحتمل الانتظار حتى العام 2016 بعد ان قامت الدولة بتأميم المشروع فقد قام النائب دوف حنين وكتلة "المدينة لنا جميعاً" وبدعم من كتلة "يافا" بالعمل على إيجاد حل بديل وسريع وغير مكلف لمعضلة المواصلات في تل أبيب-يافا فكان طرح فكرة مشروع "سريع في المدينة" ("مهير بعير") إحدى تجليات عمل كتلة "المدينة لنا جميعاً" وتفاعلها المتواصل مع القضايا التي تشغل بال المواطنين من مختلف مشاربهم في تل أبيب-يافا.
يقول حنين عن المشروع: "نحن طبعاً لسنا ضد القطار الخفيف ونحن لازلنا نطالب الحكومة والدولة بعد تأميم المشروع تنفيذه بأسرع وقت ممكن. لكن وحتى لا يضطر المواطنون من الانتظار لسنوات طويلة أخرى لحين تنفيذ المشروع الضخم للقطار التحتي/الخفيف، فقد إقترحنا حل مشابه لكن من دون قطار ومن دون أن يكون تحتي."
الحديث يدور عن مشروع يعتمد على خطين للحافلات الأول يحيط بالمدينة بشكلٍ دائري في حين يقطع الثاني المدينة من الشمال الى الجنوب وبالعكس. كما ينص المخطط على إعطاء أفضلية لحافلات المواصلات العامة في الإشارات الضوئية وفي المسالك على الشوارع بشكل يخدم فكرة تخفيف استعمال السيارات الخاصة داخل المدينة حيث ستكون الحافلات العاملة على الخطين متوفرة كل بضعة دقائق وتكون التذاكر مخفضة بشكلٍ خاص مع توفير أماكن ومواقف للسيارات بأسعار مخفضة.
المشروع والذي أعلنت عنه كتلة "المدينة لنا جميعاً" في الـ 15 من شهر حزيران هذا العام نال استحسان المواطنين بشكلٍ كبير وليس أدل على ذلك من كثرة التغطية الإعلامية للمشروع وإنضمام نشطاء من مختلف أحياء المدينة للقيام بحملات إعلامية غير مكلفة داخل المدينة من خلال توزيع المنشورات وتثبيت اليافطات على البيوت داخل المدينة وعن ذلك يقول حنين: "الأجواء تشبه الى حدٍ كبير أجواء الانتخابات البلدية الأخيرة حيث قلبت كتلة "المدينة لنا جميعاً" كافة  الحسابات وقامت مع كتلة "يافا" بتجميع وتقريب المواطنين في المدينة من مختلف مشاربهم وأحياءهم. أعتقد أن هذا هي القيمة المضافة الخاصة بفكرنا اليساري وهي القدرة على ملامسة هموم الناس بأبسط الأمور الحياتية ومعالجتها بشكل شعبي، برلماني، جذري ومهني من كافة الجوانب وهو الأمر الذي قمنا به بشكل متواصل من خلال الوصول الى كل زاوية في المدينة حيث قام الناشطون بتوزيع منشورات 55 مرة خلال الفترة الأخيرة وانا شاركت ب- 14 منها، بالإضافة لاستغلال المجال الواسع الذي يوفره عالم الانترنت اليوم للقيام بحملة إعلامية ضخمة بأقل التكاليف ومتسلحين بمجموعة من الشباب المتحمسن، والعمل على التغلب على كافة الصعوبات وهذا بالفعل ما حصل بمشروع "سريع في المدينة" فنتيجة الضغط الشعبي الذي ولدناه في المدينة، فإن وزارة المواصلات اليوم تدعم المشروع وترى أنه الحل الأمثل على المدى القصير وحتى انجاز القطار الخفيف. علينا الاعتراف أيضاً أنه الحل الأمثل من ناحية أيديولوجية، فنحن نبحث عن حلول جماعية وليس عن حلول فردية ونريد ان نحمي البيئة ونوفر المواصلات في المدينة أيضاً لأبناء أحياء الفقر والطبقات التي لا تملك سيارة خاصة وليس فقط لؤلائك الذين يملكون."
الأمر الأكثر إثارة بمشروع "سريع في المدينة" هو بساطته من جهة، إذا ما قورن بمشاريع تكلف المليارات من الشواقل، وقدرته على استقطاب أعداد كبيرة من المتطوعين والنشيطين الى دائرة العمل السياسي المحلي بقضايا تهمهم وتمس حياتهم الخاصة على أمل ان يكتسب هذا الزخم بالنشاط المحلي بعداً قطرياً أكبر في المستقبل.
 للاستزادة حول مشروع "سريع في المدينة": http://city4all.org.il/metro4all/

قد يهمّكم أيضا..
featured

العرب والسياسة – أين الخلل؟!!

featured

ودخل "دين السلام" منيب

featured

نَشْوَة، شماتة، استعلاء وإنصاف

featured

الخطر الأكبر على إسرائيل نتنياهو ونهجه

featured

قَوِيَ العرب فصعّد اليمين هجماته

featured

جريمة ترانسفير أمامنا!