ودخل "دين السلام" منيب

single

على صوت المذياع يعلن دخول قوات الهاجاناه الى البلدة القديمة في القدس، وفي تلك اللحظة العصيبة من يوم 19 ايار لعام 1948 في قرية الجديدة أجاء المخاض أم المنيب ليولد الشاعر منيب فهد الحاج، ليتلاءم التاريخ برمزيته مع المولود برمزه، ليعايش النكبة مذ ولادتها.
ولد الشاعر في كنف عائلة ارتبطت الارض بمعاشها وحياتها، ليفجر من ذرات ترابها المغتصب حمما من شعر، ولظى من نثر في وجه مالكها الجديد.
إكتسب مذ صغره حب المطالعة من ابيه ومهارات تأمل وتدبر.. وتفكيراً صامتاً ذا أفق رحب أملاه عليه الوضع القائم (الحكم العسكري)، الامر الذي عكس شخصية مباشرة تحترف المواجهة.. تلعن الصمت والمداهنة.. تتمرد على الخنوع والرضا، كذلك صَقل الإباء في جل كتاباته.
الوضع القاتم داخل الخط الاخضر في تلك المرحلة الزمنية التي شكلت برزخا بين الامل والرجاء وبين القدر والقضاء و حالة الخنوع واللاحول واللا قوة في طفولته كانت الحافز للتعليم والدراسة والاطلاع، وهي ذاتها الوازع للكتابة وكسر حاجز الصمت. فبدأ يكتب للصحف في سن 16، ليحترف الكتابة بشتى ضروبها في ذلك الجيل بعد ان حاز على الجائزة الاولى في مسابقة ادبية إنشائية أجراها صندوق العمال والفلاحين للطلبة الثانويين. 
تخرج من ثانوية ينّي بكفرياسيف عاقدا عزمه على تعلم اللغة العربية في جامعة حيفا عشقا للّغة وجهادا في سبيلها، اذ رأى انه في تلك الفترة توجب عليه وجيله الحفاظ على التراث الفلسطيني تحت المد اليهودي، والتصدي لبزوغ عمليات الأسرلة والتهويد بدءا من الارض لأسماء المواقع للمأكل والمشرب. وقد كتب في تلك الفترة المقال التربوي، الخاطرة، المقال الادبي والنقدي باللغتين العربية والعبرية.
بعد تخرجه من الجامعه 1971عمل في سلك التعليم. في عكا والمزرعة وشعب.. ليضيء هناك مشكاة العلم والتنوير مواجها التعتيم والتجهيل الذي انتهجته السياسة الاسرائيلية، الا ان مشكاته قد أُخفت نورها وأُهمدت نارها بعد فصله من السلك التعليمي 1976،  فما لبث خمس سنين الا وتم بتره من جسم المعارف الاسرائيلية لاسباب سياسية كان آخرها قصيدة كتبها في ياسر عرفات وعبدالحليم خدام - وزير خارجية سوريا آنذاك-، وبناء على قرار اللجنة المكوّنة من فرد واحد تم منعه من مزاولة أي عمل في اي دائرة حكومية وبهذا تم اقصاؤه عن الحياة العملية في اسرائيل لتمارس الآلة الاسرائيلية على مفكري عرب الداخل سياسة التجويع بعد سياسة التجهيل. وقد شكّلت تلك الفترة الحبكة الحياتية عنده اذ اعتزل الدنيا وتزهد فيها إنفرادا بقرطاسه ومداده. . الامر الذي رمى  الى شلّه إجتماعيا في منزله متوحدا وافكاره. ورغم القرار المُجحف الذي كان ليكسر قلمه ويبتر لسانه إلا أنه ما فتئ يكتب وينشر ويصُفُّ كتبا ودواوينا ابتداءً من المشاركة الابداعية في الصحف المحلية ومساهمته اسبوعيا في كل جريده وحتى "بيادر العشق والغضب" – الاسوار عكا 1978- الذي أبدع فيه برسم روائع من الصور الشعرية.."عن شعبي الباحث عن زهرة الياسمين".."لا تلوّح بالراية القديمة".. "علّموني الفاتحة".."في ظلمة الغريزة".."صار مهر الارض أغلى". ومن أروع ما أبدع أبو نَيزَك وأعذب ما زقزق قرطاسه على فُنن أراض ٍ صودرت وأجمل ما سطر مداده من زيت أشجار جُرفت: لا تجرحوها أرض شعبي..من غضبة الشعب الابي حذارِ- فزارع الرياح لا يلقى سوى الاعصارِ.
ثم  ديوان "في انتظار النهار" –الاسوار عكا 1989- والذي لخّص فيه الحالة الشعبية لاربعين عاما تحت الاحتلال، وولادة جيل سلاحه الحجارة من خلال استجوابات شعرية وخطابات مقفّاة للحاكم والمحكوم. فكان خير من عبر عن عرب الداخل بنوائبهم وآمالهم..مصائبهم ورجائهم..فهذا الديوان يمثل صفحة تأريخية وتجسيدية لوجدان عرب الداخل وكمائن ضميرهم المستتر في غطاء التهويد.. ومن القصائد المعبرة "حال الوطن".."هل انتمو حقا عرب؟".."المجد للثائر والذل للجائر".."اطمئن يا وطني".. "صمود".."المأساة والمدن المخمورة".. وصية الشهيد".."حب بلادي"... "حتى اذا شاب الزمان".
ثم ديوان "هل يزهر بستان الاحلام؟!"- دائرة الثقافة 1995- وفيه يعلق آمال الفلسطينيين على اتفاقيات السلام المبرمة حديثا في تلك الآونه..الا انه يترك المجال مفتوحا للجديد بإستفهامه وسؤاله حول إمكانية تحقيق الاحلام والتعويل بذلك على اتفاقيات وتنازلات (اوسلو). لاسيما بعد تضخم الجرح وبلوغه الثـُنـُن بإضافة بغداد الى الوجع العربي. ومن القصائد التى عبرت عن موازنة الجراح بالاتفاقيات " اه من جرح بلادي"..   " الفرات ما عاد عذبا".."يا لجديد العُهر الدولي". "آه يا بغداد المفجوعة".."حصّن ميناء صمودك".. "عروبتي".
واخيرا وليس بالخاتم "لم تصبح الريح حمامة"- 1999- والذي يتنبأ فيه عن خسران مبين في كامب ديفيد الثانية ويبين فيه أن ريحاً تلفظ وابلاً من الدمار لن تصبح حمامة تحمل غصن زيتون..
استقرأ الشاعر كعادته الجو السياسي وشحناته وتنبأ بما ستتمخض الاوضاع العالمية وملامح حملها اذ قال:" لم أصدق ان تلك الريح قد صارت حمامة- وستأتي من بلاد الدم والطوفان- في منقارها خير علامة- لم أصدق أن بحرا هادرا- قد صار خلا وصديقا للبواخرْ- لم أصدق أن ذئبا كاسرا..يرعى المصائرْ- لم أصدق ان ذاك الذئب بالسلم يجاهرْ- فابقَ يا شعبي ساهرْ- كذبوا لم تصبح الريح حمامه"  كما ونشر في هذا الديوان قصائد وجدانية يعزف بها مشاعر حميمية وينشد ألحانا تخصه شخصا منفردا بها.." عزف على وتر الذات".. "عزف على وتر القلب" وهما بابان احتضنا شعر الحب والحنين الى شباب لم يشأِ القدر أن يعِشه الشاعر.
جغرافّية أشعاره: يشكل الاصرار.. الصمود والاباء العامل الاساسي في شعر منيب الحاج، وذلك لحتمية نبوءة شعره وواقعية فكره، كينونته ونموه..."اُصرُّ أن يُظلني علم- كسائر الامم- يزين الوطن- هل تسمعون يا بشر- أم أن في آذانكم صمم؟!". يتمتع شعر الحاج بمباشرة الخطابة دون إبهام اوغموضٍ يُغمِدُ فيهما نواياه وذلك إيمانا منه بعدالة قضيته ولعدم إمتلاكه نوايا دفينة او ضمائر كامنة فضميره كان طلقا لا يخاف ولا يخجل، يفتخر به كحق يؤخذ علانية.
"سوف تنمو دولتي حتما ستكبر- مثل الشمس سوف تطلع- من زنود الكادحين- من عيون المعدمين- مثلما تجري دماء في الوتين"، نراه شاعرا يوسفيا يجمّل شعره بصراحته وتصديقه لرؤيته، دافعا القارئ للايمان بحتمية وقوع الحلم. فالوضوح والمباشرة والمصداقية تلخص سمات ابيات منيب فهد الحاج. ورغم كونه شاعرا حالما الا انه واقعي الوصف متصالح مع ظروف شعبه وامكانياته.."بمسرى النبي ومهد المسيح- وفي كل زاوية من بلادي يهب المنونْ- وفي كل بيت وفي كل درب بهيج يكونْ-  يطوف بكل المدائنْ- يطوف بكل زقاق وشارع -فيعصف حزن بكل القلوب- وتغلي الدموع بكل العيونْ"..
تَغُصُّ أشعار منيب فهد الحاج بالقصائد التي تُعنونها أسئلة إستنكارية توحي بحالة سوداوية ووضع قاتم، إلا أن الشاعر يداوم على ترصيع القصيدة بأبيات تشحذ التفاؤل وتطعّمها بكلمات تسن الهمم.. كقصائده: "كيف صار العشق؟".."متى يعود لعشه طير الحمام؟!".. "هل نحن غير اُمة اَمه؟".. "ياسادتي اين السلام؟".. "هل تعود ؟".. "من؟"..
كما وتعج قصائده بالاستجوابات المباشرة بالفكرة الواضحة والعبرة الصريحة، فتركيبة أبياته تركيبة تسلسلية جريانية من حيث صهر المعاني وصبّها شعرا، نتحسس في قصائده جريانا منطقيا وكأن القصيدة معادلةٌ رقميةٌ تنم عن عقليةٍ "لوجيكية".
تميز منيب الحاج بكونه شاعرا دائم التوجه الى الضمير المخاطَب :.. "الى الذين يحلمون الاحلام الخبيثة".. "الى هاجرة".. "الى اتباع نيرون".. "خطاب الى العراة في ضوء الضمير".."خطاب الثائر الى السيد الجائر".. "يا امريكا".. "بيان".. رسالة الى معاوية وشاعر ويسوع".. "الى الصامتين عن أعمال القمع والتنكيل".. "يا هذا العالم".." لا تخنقوا الضوء الاخير".
كانت السبعينيات عقدا مفصليا في حياة آل الحاج أثَّرت على حساسية الشاعر وتركت ندبات في نفسيته، إلا أنه أبدا لم يفقد الامل.. أبدا لم يُضجره ملل، من هطول النوائب لم يُصبه كلل، او يُتعب جسمه النحيل ثِقل..آثر التفاؤل والاستبشار:.."ما دام لم يزحف على قلوبكم ملل- ما دام لم يطح بها ذعر ولا وجل- بشراكم يا اخوتي- لم يبق الا موجة او موجتان امام مركبكم ليبلغ مرفأهْ- لم يبق الا ليلة او ليلتان من السهرْ- ان انتفاضتكم لمفتاح لفوز منتظرْ".. فقد كان الشاعر يخاطب اطفال الانتفاضة طفلاً طفلا وكأنه يناديهم باسمائهم فردا فردا:" واصهر بحرارة ايمانك اغلال القهْر- واغزل بالعزم عباءة نصرْ".
ورغم إصراره على شرعية المقاومة وحقه في دعمها معنويا وادبيا الا انه كان شاعرا  متوازنا  عقلانيا  لا ينفخ بأبواق المقاومة على حساب الابرياء ولا ينعق في ميدان الحرب ليصير من الاغنياء على حساب أراض ٍ جُرفت وبيوت هُدّمت، فقد دعا للسلم اذ دعت له الامم (مباحثات سورية):
يكفينا دمعا وأنينا          فالقلب يفيض بأحزانِ
يكفينا آلام نزيف          قد عانى منه الشعبان ِ
اجنح للسلم فقد جنحوا   ولتهجر سيف العدوانِ
وهنا نرى عدالة أحكامه ورجاحة عقله في وصف السلم بالحل الأمثل لكلا الشعبين، لانه آمن دوما بحق الجميع في الحياة والوطن، اذ أهاب بالجميع لرَي برعم السلم الغَض:.. "تعالوا نذيب صقيع العداء- بشمس المحبة- تعالوا لنهجر دربا محاطا بشوك وشر- كفانا انزلاقا على طريق الحقد والهم- تعالوا لنحمي أولادنا من وخزة اليُتم."
لم يكن منيب فهد الحاج مجرد دارس  ومحب ٍ للّغة العربية بل باحثا  في الألسن، عرفناه بقريحته المتـَّـقدة وبصيرته النيّرة المتأجِّجةِ باحثا لجذور وأصول الكلمات العربية والعبرية في العرف الاجتماعي والسلوك المجتمعي، اذ كان يتأمل ويتدبّر في الكلمات ومعانيها وضروب استعمالها، يربط بين جذر الكلمة وأصلها في الوعي الجماعي لدى متحدثيها، ككلمة شحاذ (سائل الصدقة) إستنبط أنها اُطلقت على السائل لانه يشحذ (يسن=يحفز) المروءة ويستفز الكرم، فعزلة الشاعر وترفعه عن الاضواء والناسِ طوعا وكرها في آن معا جعله دائم التأمل والتفكر في الوعي الجماعي في مجتمعنا.
في العقد المنصرم إشتغل الشاعر بالخواطر والتي كانت تنشر في صحيفة الاتحاد.. ربما شهدت حالة الخواطر نضج فلسفته الشخصيه فارتأى صياغة الفلسفة نثرا بعد أن ارتقى بها في الماضي شعرا.
صباح الخامس من ايلول دخل منيب فهد الحاج دين السلام وأسلم روحه لبارئها عن عمر ناهز الواحد والستين عاما، توفي الشاعر ويشده حنينُ النيب الى عالم آخر لقوله: يشدني الحنينْ- لعالم ما فيه سَوط أو أنين- لعالم هنيء مافيه حاكم لعين".
فنجد في اشعار الفقيد انه كان توّاقا ليَقطُن يوما المدينة الفاضلة في هذا العالم، فربطه بالمادة وجدانٌ أفلاطونيٌّ لا سيما وهو الذي تزهّد في الدنيا واعتزلها مُذ فصله من سلك التدريس. رأيناه في حياته هائما  يشده الحنين، حالما  بعودة المنفي الشريد..بعالم ٍلا يقاد بالنار والحديد.. بعالم ٍ ما فيه مَسْغَبة ولا يَغُصُّ بمَتربة.. بعالمٍ يتعطر بالود والمحبّة، فما انفك الشاعرُ حتى آخر انفاسه يطارد "غزال السلم الوسيم" فما خارت قواه وما فترت عزائمه وهو يشدو حقنا بالوطن والسلام " لن أستريح حتى يحل السلام في وطن المسيح- حتى يسود العدل في وطني الذبيح- حتى يعود النوم للجفن القريح"..وظل الشاعر يلهث خلف غزال السلم من الجليل الى بيروت الى بغداد الى غزةَ حتى ارتطم بجدار المنون دون أن يزهر بستان احلامه.
رحمه الله أتانا من جرح الجليل بالبينات فما أنصفناه ولا أكرمناه، ربما لأنه لم يبحث عن أضواء أو راتبٍ شهري من السلطة الفلسطينية أو منصب رسمي في إحدى الدول العربية..أعطانا واجبه ولم نعطه حقه إلا عندما احتضنه التراب لانه "صار مهر الارض اغلى".
- خرس لسان الرثاء من وَطْء مصابنا فيك، يا أبا نـَيْزَك لا نملك أن نبكيك وأنت القائل: ما شيمة الرجال أن تبكي إذا مال الزمان. ما لنا إلا أن ندوّي صرختك في وادي الصبر :
"عيوننا ستائر سوداء.. يتيمة الضياء.. قد كنت الضياء.. عيوننا مشدودة نحو السماء.. تستمطر الرجاء.. والعيد جاء.. يلفه البكاء.. يا ليتنا كنا الفداء".

قد يهمّكم أيضا..
featured

محمود درويش باق فينا ما حيينا

featured

سَجِّل: أنا مصري..!

featured

ألشعب الفلسطيني لا يقبل بمحمية اسرائيلية تحت يافطة دولة فلسطينية

featured

حكي السرايا... حكي القرايا

featured

خطيئة المفاوض مع الإسـرائيليين

featured

مكافحة العنصرية ليست من «امتيازات البيض»