إسرائيل ممثلة بحكومتها اليمينية العنصرية ومصر ممثلة بالسلطة الفعلية وهو المجلس العسكري الذي يعتبر الرئة التي لا تزال تتنفس عن طريقها الولايات المتحدة داخل مصر، ولا يزال مبارك يتنفس من العديد من حويصلاتها.
مصر وإسرائيل تصران على الاستمرار بدفن رأسيهما داخل تراب الاستخفاف بمواقف شعبيهما.
كل دولة منهما تعرف منفردة ويعرفان مجتمعتين بأن اتفاقية السلام بينهما قد شاخت وتقترب من حالة الاحتضار، لأن هذه الاتفاقية لا تمثل رغبات ومواقف الشعب العربي في مصر إنها خارج كل مقاسات تاريخه الوطني ومواقفه النضالية من القضية الفلسطينية، لقد فرضت على الشعب المصري فرضاً بعد أن حرم السادات هذا الشعب من الاستمرار بانتزاع نصراً حاسماً في حرب السادس من أكتوبر، كما نزع من نفوس هذا الشعب ما حققه من نصر من خلال سقوطه في فخ الاتفاقية المذكورة.
من خلال هذا الاتفاق لهث وراء النجومية ففصّله على مقاس إرضاء الولايات المتحدة وعلى مقاس جنون عظمته وغروره وافتعال حالات الانزواء والغيبوبة الروحانية التي كان يدخل نفسه فيها، رغم ذلك ولدت الاتفاقية عارية واليوم زادت عُرياً رغم أن المخلوع مبارك كان يحاول دائماً تغطيتها بعباءات سقوطه ورضوخه غير المسبوق للإملاءات الأمريكية، تمسك مبارك بهذه الاتفاقية الظلامية الضلالية بأظافره كي يستمر مع حاشيته الموسعة في سلب إرادة مصر وكرامتها وثرواتها.
جميع المؤسسات الحاكمة في كلتا الدولتين إسرائيل و مصر على علم بأن الشعب المصري بأجمعه لا يريد لهذه الاتفاقية أن تستمر فهو يقاومها ويرفض التسليم بوجودها والتعامل معها بشكل غريزي، إنه ليس بحاجة إلى أحد كي يحرضه ضدها، هذا إضافة إلى مقاطعة كافة الأطر الأكاديمية واتحادات جميع المهنيين والأدباء لهذه الاتفاقية ومحاربتها، إن السلطة الحالية في مصر تحاول تضييق خروق رفض هذه الاتفاقية عن طريق إرسال بعض الوفود المصرية إلى إسرائيل كرفع عتب،لأن الولايات المتحدة تعمل ما بوسعها من وراء الكواليس كما اعترفت الصحافة الإسرائيلية للتوسط بين المجلس العسكري الذي يرغب بالتطبيع مع إسرائيل وبين القوى الأصولية ( من الإخوان المسلمين والسلفيين ) الذين أثبتوا حتى الآن عجزهم وترددهم بالنسبة للتعامل مع قضية إتفاقية السلام مع إسرائيل.
نجحت الولايات المتحدة حتى الآن في الحصول على وعود قاطعة من قيادات الإخوان والسلفيين باحترام بنود هذه الاتفاقية بعد وصولهم إلى السلطة، هذا الموقف هو بمثابة انحراف عن أهم محور من محاور ثورة 25 يناير، وهو استمرار لسياسة مبارك وتركة من تركاته المتبقية وخداعاً للشعب المصري.
*هل لإرضاء خاطر الولايات المتحدة؟*
المجلس العسكري والسلفيون أكثر من يعرف عن حالة الجمود التي تعاني منها اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، إذاً لماذا يصرون على ضخ عصارات الحياة إلى هذه الاتفاقية؟ هل لإرضاء خاطر الولايات المتحدة وحليفاتها وقوى اليمين الفاشي في إسرائيل، المجلس العسكري و السلفيون يعرفون بأن القنصلية المصرية في تل أبيب غير مؤهلة لإصدار تأشيرة دخول لأي مصري يرغب بالدخول إلى إسرائيل خوفاً من أن يتهم هذا المواطن بالجاسوسية والعماله للمخابرات الإسرائيلية، إنهم يعرفون بأن إسرائيل عاجزة عن تنظيم أي نشاط أو عمل طبيعي لسفارتها في القاهرة بعد أن قامت الجماهير المصرية بمحاصرة هذه السفارة قبل عدة أشهر وكادت أن تفتك بموظفيها.
لم يبق في السفارة الإسرائيلية في القاهرة سوى أربعة موظفين بما فيهم السفير يعقوب اميتاي، حتى الآن لا يوجد مقر ثابت لهذه السفارة لأن المواطنين المصريين يرفضون تأجير مقر دائم لها كما أن الأمن المصري لا يضمن حمايتها، المضحك أن أسبوع العمل لموظفي السفارة الإسرائيلية في القاهرة لا يزيد عن ثلاثة أيام، لأن الموظفين لا يجرؤون على البقاء أسبوعاً كاملاً داخل مقرهم المؤقت، رغم هذه الحالة البائسة في العلاقات إلا أن المسؤولين في كل من القاهرة وتل أبيب يواصلان خداع المواطنين بأن اتفاقية السلام ثابتة ومتينة.
في نهاية الأسبوع الماضي أرسل المجلس العسكري في مصر مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة لقياس درجة حرارة العلاقات بين مصر وإسرائيل وكيف ستكون ردة الفعل في مصر على هذه الزيارة، لقد انقلبت هذه الزيارة وبالاً على هذا المفتي ولولا احترام المسؤولين في الأقصى ومن ورائهم جموع المصلين من الفلسطينيين لتعاملوا مع مفتي مبارك كما تعاملوا مع وزير خارجيته أحمد ماهر عندنا ساقته أقدام التطبيع لزيارة الأقصى قبل عدة سنوات.
الشعب المصري العظيم هو الذي قام بمحاسبة مفتي التطبيع الذي حوله المجلس العسكري إلى آلة ووسيلة رخيصة لارضاء إسرائيل والولايات المتحدة وفلول نظام مبارك، مقاطعة الأزهر لهذا المفتي ومطالبة مجلس الشعب بخلعه عن كرسي الإفتاء ومحاصرة بيته جميعها تشكل صورة قاتمة للعلاقات بين الشعب المصري مع حكومة الاحتلال، حاول المجلس العسكري تنفيس حالة الاحتقان التي سببتها زيارة المفتي فأعلن عن وقف تصدير الغاز لإسرائيل مع أن مصر لا زالت تزود إسرائيل بالنفط من حقول أبو ارديس بأسعار مخفضة.
المجلس العسكري وحكومة الجنزوري يحاولان التخفيف من وقع هذا القرار بوقف الغاز بالإعلان بأن سبب اتخاذ هذه الخطوة هو تجاري وليس سياسي وهذا كذب وافتراء، إن أسباب وقف الغاز سياسية محضة فقد جاءت بعد أن عجزت السلطات المصرية عن حماية الأنابيب التي تنقل هذا الغاز من مصر إلى ميناء أشدود على البحر المتوسط.
لقد تم تفجير هذه الأنابيب أربع عشرة مرة، أعمال التفجير هذه ما هي إلا رسالة واضحة للعالم بأن اتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل لا يمكن أن تستمر ما دامت إسرائيل دولة محتلة تتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني.
قالوا من الحكمة ان لا يكسر الأعرج عكازه على رأس عدوه، مع ان الشعب المصري قدمه مكسوره و يعرج الآن في الطريق الى لملمة حريته الضائعة، الا ان كسر عكازه فوق رأس اتفاقية السلام كان يجب ان يكون منذ إزاحة مبارك ونظامه الملعون.
