رجل الشموخ والإباء - ( لذكرى طيب الذكر العم داود تركي رحمه الله )

single

ما أصعب أن تتوق للقاء إنسان سمعت عنه فأحببته وأحترمته دون أن تلتقي وتتعرف به عن قرب اللهم سوى من خلال ذويك او وسائل الإعلام.. لكن تقديره وحبه دخل الى قلبك دون استئذان.
هذا ما حدث لي مع رجل فريد من نوعه يحمل في ثناياه كل صفات الرجولة من شهامة وشجاعة وجرأة ونخوة وشرف ووطنية صادقة.. ولكن شاء القدر ان يختطفه من بيننا دون ان احظى بشرف التعرف اليه عن قرب اللهم إلا من خلال الأخوة والصداقة الحقة التي ربطت والدي به وباسرته الكريمة من خلال العم ابو خالد ونجله الأديب والدكتور المحترم اخي خالد تركي..
لقد كان هذا الراحل الكريم صاحب شخصية مميزة ومتميزة.. متعددة الجوانب.. حيث كان مناضلا وطنيا جريئا وصاحب مبادىء ومثل..على استعداد تام ان يضحي بحياته في سبيلها فعلا لا قولا.. اضف الى كونه شاعرا ذا حس مرهف وكلمة صادقة.. إذ جمع في حياته بين نضالين – نضال الموقف ونضال الكلمة.. فرغم كل التشرد والتهجير والهجرة من مسقط رأسه المغار عام 1948.. حيث كان في نيته اللجوء الى لبنان لكن الأقدار حالت دون وصوله وعائلته  الى هناك  وكان لوالدي الشرف والحظ بالإلتقاء بهما لأمر حال دون رحيلهم عن وطنهم ليظلوا لاجئين في وطنهم بدل ان يكونوا لاجئين في وطن الغربة... ليحطوا رحالهم في مدينة حيفا.. وليتابعوا مسيرة النضال من هناك..مع رفاقهم في الحزب الشيوعي.. من اجل المحافظة على ما تبقى من الوطن والعمل على نشر الوعي والحفاظ على الهوية والتراث والحضارة ..والمطالبة بالعيش بحرية ومساواة ونيل الحقوق. الأمر الذي عرضه الى كثيرمن الملاحقات والمضايقات والمطاردة من قبل السلطة وأذرع الإستخبارات حيث القي القبض عليه وزج به في السجن.. والحبس الإنفرادي.. حيث ذاق الأمرين مما  انعكس ذلك  سلبا على صحته ..حيث قضى وراء القضبان 13 سنة إلا ان ذلك لم يثن عزيمته وعزمه بل زاده صلابة في مواقفه ورسخ في نفسه ايمانه بنضاله وعدالة قضيته.. ولكن المرض وجد اليه سبيلا فأنهك جسده.. وبقي يعاني في المعتقل الى ان تم الإفراج عنه عام 1985 بواسطة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اثناء عملية النورس ..وقد اجريت معه العديد من المقابلات في وسائل الإعلام المختلفة محليا وعالميا ونشر العديد من المقالات والأشعار في وسائل الأعلام المكتوبة.. معبرا فيها عن آرائه ومواقفه بكل صدق ووضوح..حيث ضمنها في ديوانه الشعري ( ريح الجهاد ) وفي كتابه الوثائقي ( ثائر من الشرق العربي )..
وجدير بالذكر انه رغم كل معاناته الا انه بقي رجل الصمود والتحدي.. فقد استطاع المرض ان ينال من جسده ولكنه لم يستطع النيل من روحه ومعنوياته التي بقيت عالية شامخة.. فكان من يأتي ليعوده في مرضه كان يجد فيه مواسيا له مزودا اياه بالعزيمة والإصرار والتحدي..
ولكن الانسان مرهون بقدره " فاذا دنت آجالهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون " وهكذا وجد الموت اليه سبيلا ليلاقي ربه في شهر آذار هذا الشهر لينضم الى قافلة المجاهدين والمناضلين الأبرار أصحاب المواقف الوطنية الحرة والضمائر الحية والشموخ والإباء.. كسلطان باشا الأطرش والأستاذ كمال جنبلاط وغيرهم الكثيرين.. رحل ابو عايدة عن عمر ناهز 82 عاما عاشها بعرضها لا بطولها مخلفا الذكرى الطيبة والعطرة والمثال والقدوة في النضال والتحدي.. والصبر والصمود.. هؤلاء الذين كتب وسيكتب التاريخ سيرتهم باحرف من ذهب..
فان رحل ابو عايدة عنا جسدا الا ان روحه ستظل ترفرف في سمائنا واعماله ستبقى منارا ينير درب الأجيال القادمة
فالف رحمة على روحك ايها العم الوفي ولنا عزاء كبير بذويك الكرام فالى جنات الخلد يا ابا عايدة.

 


(بيت جن)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ألدروز والبربر

featured

غولية المرشقة!

featured

من هم الجهاديّون الجدد؟

featured

المتغطرسون لا يُحسنون القراءة

featured

عندما تئن المدن...

featured

فيديو قصير ومهزلة كبيرة: الفلسطيني يشبه.. الفلسطيني!