يمكن للجيوش أن تقصف وتدمّر وتقتل وتفتك وتقترف شتّى البشاعات. لكن هذا لا يشكل أيّة ضمانة للانتصار. فما هو الانتصار؟ أهو مراكمة جرائم الحرب القذرة في السجلّ العسكريّ؟ أهو قصف المدارس والمساجد المستشفيات؟ أهو تمزيق أجساد الأطفال وأمهاتهم وآبائهم وجدّاتهم وأجدادهم بأحدث الصواريخ؟ أهذه انتصارات؟! هذه جرائم قتل جماعية.
الجيوش أداة لتحقيق انجازات ونقاط سياسية واقتصادية وعسكرية. حين يقف جيشٌ مقابل جيش ويدحر أحدهما الآخر، تفرض دولة الجيش المنتصر شروطها التي تخدم مصالحها. لكن الأمر مختلف تماما في حالة جيش يحاول كسر مقاومة ضد احتلال وحصار يمارسهما الجيش نفسه.
لقد اقترف الجيش الاسرائيلي بقرار وأوامر من حكومة إسرائيل جرائم بشعة تجعل القلب والضمير ينتفضان. لم يأتِ كل هذا القتل لأجل القتل. فالقتل العشوائي جاء وسيلة لفرض املاءات سياسية وعسكرية. وهو ما لا يقلّل من إجراميّة الفعل. بل على العكس، فضحيّة القتل ليس هدفًا فقط بل وسيلة أيضًا. يجري قتل الضحية كفرد بوصفه هدفًا وقتل إنسانيته عبر جعله وسيلة. هذا هو الانحطاط الإسرائيلي باختصار.
لم يحقق مجرمو الحرب أي هدف سياسي أو عسكري. لقد قتلوا. أرادت اسرائيل تأليب أبناء وبنات الشعب الفلسطيني على المقاومة عبر الفتك بالمدنيين. ولكنها فشلت. لم تفشل المؤسسة الإسرائيلية في تحقيق أهدافها لأنها تفتقر للقّوة. فهي متخمة بها الى درجة خطيرة. فشلت لأن المقاومة لم تنكسر ولم تستسلم ولأن هؤلاء المقاومين خرجوا من جرح شعبهم وليسوا غرباء عن همومه ومصالحه وقضاياه. إنهم أبناؤه البررة. هؤلاء ليسوا، كما حاول بنيامين نتنياهو تصويرهم كذبًا، مثل "داعش".. تلك المرتزقة التي تخدم مصالح اسرائيل بالذات ويا للعجب!
لقد فشل الرهان الإسرائيلي لأن هؤلاء المتغطرسين في المؤسسة الحاكمة كلها لا يُحسنون القراءة. إنهم يقرأون أبجديّات غريبة عن ألسنة الشعوب وحقوقها. في عمق هذه العقلية والممارسة التي تُنتج كل منهما الأخرى يكمن جهل مطبق. إنه الجهل بمفاهيم وقيمٍ أساس مثل تحرّر الشعوب، مقاومة الاحتلال، والكرامة الوطنية. وهي مفاهيم لن تنال منها شتى صنوف الإجرام السياسي المنظّم مهما توحّشت. لأنها مفاهيم وقيم راسخة عميقًا في روح التحرّر الإنسانية. ولنا في التاريخ عِبر، ولنا في الشعوب عِبر، ولنا في الشعب الفلسطيني صانع مآثر الصمود عِبر.
لم يأتِ جهل المتغطرسين الذي يسيطر على عقليتهم وممارستهم من فراغٍ. إنه نتاج ظروف تاريخية وسياسية محددة. هناك شبه كبير في الظروف التي أنشأت إسرائيل والولايات المتحدة. في الحالتين أقيمت مؤسسة الدولة من قبل مهاجرين على أنقاض شعب الوطن الذي تم تمزيقه وتهجيره بمعظمه. لم تعش الدولتان تجربة تحرّر، بل قامتا على مسرح جريمة. في أنظمة كهذه قد يتمادى المتغطرسون في الظنّ أنه يمكن اغتيال روح التحرر الإنسانية بالسلاح. لكن الأكيد الأكيد أنهم سيفشلون. سيبقون على ما هم عليه: قتلة، مجرمون وفاشلون. بينما سيظلّ المستقبل للشعوب المصرّة على التحرر. وسيظلّ الشعب الفلسطيني على موعد مع حريته مهما توحّشت مؤسسة إسرائيل الكولونيالية. ملاحظة: هذه مقاطع حرفيّة مع تعديلات طفيفة جدًا، مما كتبته بعد عدوان اسرائيل على اهالي قطاع غزة عام 2009! ما الذي تغيّر؟! هل تغير شيء؟!.
