مـن ذاكـرة الـمـيـلاد والـرحـيـل...

single

*(نواة الكتابة التالية كانت - في الأصل- منشورًا وضعته على صفحتي في الفيسبوك، في الخامس والعشرين من تشرين الأوّل الماضي. لكن لاحقًا، شاءت لي الظروف أن أتزوّد بمعلومات أكثر وأدقّ، فأضفت وحذفت)*



حين اطّلعتُ مصادَفةً، قبل ما يربو على عشرين عامًا، على رسالة بريديّة غير قصيرة بخطّ اليد بعثَتْ بها إلى إدجـار صديقةٌ أوروبيّة أو –على الأغلب- أمريكيّة، في أواخر ستّينيّات القرن الماضي (1968 أو 1969 –على ما أظنّ)، تخاطبه فيها وتسأله عن بعض الأمور وتستفسر، حينذاك امتصّني ذهول شديد وحزن أشدّ. الشابّ رحل عام 1965، والصديقة الأجنبيّة صاحبة الرسالة المكتوبة بالإنجليزيّة لا علْم لديها بما حدث له! هالَني الأمرُ. في تلك اللحظة، أحسستُ برأسي يملأه فراغ هائل؛ إذ وجدتُني غير قادر على استيعاب ما أقرأ وما أستنتج تمام الاستيعاب. يا لَلحياة... ما أبهاها! ما أقساها!

* * * * *
كنتُ قد تجاوزتُ سنّ الخامسة بقليل حين أخبرني أهلي أنّه في يوم مولدي تحديدًا (25/10/1965) حلّت بالبلدة فاجعة. في ذاك اليوم، رحل أحد خيـرة شبّان عبلّين: إدجـار نـاصـر داود، الشقيق الأوسط لداود ("أبو إدجـار") وسـمـيـر ("أبو إيـهـاب"). بطريق الخطأ نُقِش على شاهد ضريح إدجـار أنّه توفّي عام 1966. قد ينسى الجميع تاريخ رحيل إدجـار، إلّا مَن كان يوم مولده رحيلًا موجِعًا. أنا لا أنسى ذلك. لا يمكنني أن أنسى.
حين رحل إدجـار ضحيّةَ حادث سير، وهو يقود سيّارته عائدًا إلى القرية (في منطقة "خلّة اخلعو" –ما بين "الحَبْل" وَ "صَفْتا عادي")، لم يكن قد تجاوز العشرين إلّا بثمانية شهور (فقد وُلِد في الثاني عشر من شباط عام 1945). هذا الشابّ الرجل عُرِف بنشاطه واستقامته وأَرْيَحيّته. أهلي، وجميع مَن عرفوه ممّن أعرف، تحدّثوا ويتحدّثون عنه بحبّ فائق، وإشادة معجَبة.
 في البداية، آلمَني جدًّا أن أسمع أنّ يوم رحيل ذاك الشابّ المحبوب هو نفسه يوم مولدي أنا. أيّ شؤم، وأيّ نحس؟! في ما بعد، انضافَ إلى الألم إحساسٌ غريب لم أستسهل تفسيره آنذاك؛ إحساسٌ بأنّ تَعانُق الرحيل والولادة في يوم واحد بفارق بضع ساعات حدثٌ مثير هو ومهمّ.

* * * * *
أذكر أنّه في صباي، حين طالَعَتْني طلعةُ إدجـار البهيّة لأوّل مرّة، عبر صورة له احتفظ بها المرحوم أبي (ضمن مجموعة قُصاصات اقتطع أبـو تـومـا كلًّا منها من ورقة نعي في صحيفة أو من دعوة لحضور جنّاز الأربعين، وجميعها صوَر لورود عبلّينيّة رحلت مبكّرًا)، أذكر أنّ حزني عليه تَضاعف. كيف للجَمال والبهاء والإشراق أن يغيّبها كلّها الغيابُ بلحظة قدَريّة قاسية كتلك؟!

* * * * *
في مرحلةٍ من عمري بعيدةٍ عن الطفولة، حين اطّلعتُ بعض الاطّلاع على معتقَدات التناسخ والتقمّص واستهوتْني دون أن أعتنقها، تساءلتُ مرارًا: أليسَ من المحتمَل أو الممكن –إنْ صدق التناسخ أو التقمّص- أن تكون روح هذا الشاب العبلّينيّ الوسيم الرائع قد حلّت في جسدي؟ كان السؤال يلحّ عليّ لأنّ الفضول استبدّ بي؛ إذ لم أستطع إلّا على هذا النحو أن أفسّر سرّ إعزازي الفائق لهذا الشابّ المحبوب تفسيرًا يبدو لي متكاملًا ومقْنعًا.

* * * * *
أمّا ما زاد إحساسي بالفاجعة والوجع، فكان ما حدّثتني به (قبل نحو عَقدَيْن) العزيزة أمّ تـوفـيـق، زوجة خالي المرحوم جـمـيـل تـوفـيـق طـعـمـة غـبـريـس...
بعد أن ذكّرتْني أمّ تـوفـيـق بِنَدْرة السيّارات في القرية آنذاك، حدّثتني أنّها توجّهتْ في اليوم التشرينيّ الرابع والعشرين (الأحد – 24/10/1965) إلى إدجـار، لعلّه يستطيع بسيّارته أن ينقل شقيقة زوجها (المرحومة أمّ تـومـا –أمّـي) إلى المشفى في الناصرة، لأنّها كانت على وشك أن تنجب مولودها الخامس والأخير. اعتذر إدجـار لأمّ تـوفـيـق بأدبٍ جَمٍّ قائلًا (أحاول جاهدًا في ما يلي نقل ذلك حرفيًّا ممّا سمعته من زوجة خالي): "عَلَوّاه يا خالتي! متأسّف كتير. والله عندي مشوار برّا البلد... وكتير مستعجل".
كان لدى إدجـار التزام سابق حالَ دون ممارسة أَرْيَحيّته التي عُرِف بها. كان منشغلًا باستصدار تأشيرة دخول تُمكِّنه من السفر إلى الولايات المتّحدة، رغبة منه في دراسة الطبّ هناك، وكانت تذكرة السفر جاهزة. قبل ذلك، كان قد تلقّى دراسته الابتدائيّة في عبلّين، وتابع دراسته الثانويّة في المدرسة الثانويّة البلديّة في الناصرة، وانتقل في بداية الصفّ الثاني عشر (أو الحادي عشر) إلى الكلّيّة العربيّة الأرثوذكسيّة في حيفا، وهناك أتمّ هذه المرحلة.
في ما بين تخرُّجه من الثانويّة ورحيله، عمل إدجـار أحيانًا معلّمًا بديلًا في مدرسة عبلّين الابتدائيّة، ووكيلًا لشركة التأمين "الجليل" التي كان لها مكتب صغير في عبلّين (في غرفة في وسط القرية يعرفها العبلّينيّون الكبار بـِ "أوضة مريم الغربال"). ومن الأنشطة التي انخرط فيها أنّه كان من مؤسِّسي فريق كرة القدم العبلّينيّ "النهضة" الذي حقّق إنجازات رياضيّة حقيقيّة، وأنّه كان حارس مرمى مرموقًا يعتمد ذاك الفريق على قدراته كبيرَ اعتماد ("كانت عمدة الفريق عليه" –هكذا يقول لي العمّ أبو سليمان). وقد أخبرني شقيقه الأكبر داود أنّ فريقًا رياضيًّا يهوديًّا رفيعًا من مدينة حيفا عرض على إدجـار الانضمام إليه، لكنّه اختار البقاء في صفوف فريق قريته المُحِبّة.
في ساعات المساء من ذاك اليوم التشرينيّ، أصرّ السائق الجديد أن يوصل بسيّارته إلى مفرق عبلّين وشفاعمرو ("الناعمة") أحدَ أصحابه العبلّينيّين الذي كان يقيم في حيفا، شاهر صبحي عزّام. في طريق عودته إلى قريته (في ما بين السابعة والثامنة مساءً)، والطقس ماطر غير مريح لقيادة سيّارة، هناك في منحدر طفيف في منطقة "خلّة اخلعو"، على مَبعَدة نحو كيلومترين اثنين من عبلّين، اصطدمت سيّارته الصغيرة بشاحنة كبيرة، وأسفر ذلك عن تعرُّضه لإصابة بالغة الخطورة تركته بين الحياة والموت نحو عَشر ساعات. في الخامسة من فجر يوم الإثنين (الخامس والعشرين من تشرين الأوّل)، في مستشفى "رمبام" في حيفا، غادرت الروح الطاهرة الجسد الفتيّ. وفي اليوم التالي (الثلاثاء)، عاد إلى قريته التي أَحَبَّ وأحبّته... عاد إليها في نعش! عاد إلى منزله في حارتنا. عاد ليحتضنه ثرى عبلّين، فكانت له جنازة مَهيبة لا زال الناس يتحدّثون عن عدد المشيّعين الهائل فيها، وترك الكثيرَ من العيون الدامعة والقلوب الملتاعة، من بينها قلوب أناس لم يعرفوه ولم يعاصروه؛ أناس سمعوا عنه وأحبّوه –وأنا أحد هؤلاء، أنا الذي قَدِمتُ إلى الحياة بعد أن لفظ إدجـار أنفاسه الأخيرة بنحو عشر ساعات، في الثانية من ظهر ذاك الإثنين الفاجع.

* * * * *
يتناقل أهل بلدتي في ما بينهم أنّه بعد جنازة إدجـار بيوم أو يومين شاهد بعضهم، مرّة أو مرّتين، شعاعًا ينبعث من القبر النديّ. تصديق ذلك أو عدمه لا يعنيني في شيء في هذا المقام. ولست أسوق ذلك إلّا لأشير إلى المنزلة الرفيعة التي يحظى به هذا الرائع في الوجدان العبلّينيّ. إن كان في الأمر توهُّم أو اختلاطٌ في الإبصار، فلا عجب ولا تسخيف. لا عجب في إحاطة الواقعيّ بِهالة من الأسطوريّة والغرائبيّة حين يَغْرب نجمٌ سَنِيٌّ عزيزٌ. ليس في تلك الإحاطة إلّا الحزن الصادق والإعزاز الفائق.

* * * * *
قبل سفر إدجـار إلى "الناعمة" البعيدة عن عبلّين قرابة خمسة كيلومترات، نصحه صاحبه وزميله في إدارة فريق "النهضة" يوسف سليمان مارون ("أبو سليمان") بألّا يركب الخطر؛ فهو سائق جديد، وصاحبهما العبلّينيّ المقيم في حيفا يمكنه أن يُرجِئ عودته إليها في حافلة الصباح، وأن يبيت في منزل أهله في القرية. وحين اعتلى السيّارة، رافقهما (هو وشاهر عزّام) صديقه وزميله على مقاعد الدراسة الابتدائيّة بطرس سليمان مارون ("أبو إلياس") الذي اقترح عليه أن يتولّى عنه قيادة السيّارة. كان العمّ بطرس هو كذلك سائقًا جديدًا، لكنّه حصل على رخصة قيادة السيّارة قبل إدجـار، وكان من المتوقّع والمفترض أنّه أكثر خبرة منه. غير أنّ فرح السائق الجديد بقيادة المَرْكبة (وكذا شأن كلّ سائق جديد –على ما يخيَّل إليّ) فاق منطقَ الأشياء. أصرّ إدجـار أن يقود هو المَرْكبة. أصرّ السائق الجديد النبيل على فعل الجميل هو بنفسه، وكانت النتيجة أن غاب القمر قبل أن يكتمل بدرًا. "إدجـار منيحو هو اللي قتلو" –هكذا يقول لي العمّ أبو سليمان (والد زوجتي، الأستاذ المتقاعد الذي يكبر الراحلَ سنًّا بعامين اثنين) وعلى محيّاه ابتسامةُ أسًى شفيفٍ. لولا الرغبة في السفر وفي السياقة، ما رحل إدجار.
في ما قبْل، أرهقني السؤال العبثيّ: ترى... لو عَدَلَ إدجـار عن السفر في ذاك اليوم الماطر، أما كانت الحياة ستتبدّل لدى البعض أو لدى الكثيرين؟ ووجدتُني لاحقًا أَعْدِلُ عن الانشغال بهذا السؤال المرهِق المُشْجي، حين تذكّرتُ أنّ النجاة من الهلاك في ساعةٍ ما قد لا تتكرّر في ساعة خطر أخرى. بل ربّما كانت الحياة –في أحد وجوهها المستغرَبة القاتمة- مجرّد حالات مؤقّتة من النجاح في النجاة من الفناء.

* * * * *
منذ وعَيْتُ على الدنيا، كلّما جاء الخامس والعشرون من أوّل التشرينَيْن، بل كلّما تذكّرتُ يوم مولدي، وجدتُ ذكرى رحيل إدجـار قد مَثَلتْ شاخصةً أمامي. أحزنُ عليه، ثمّ أفرحُ له؛ أفرح لأنّه شديد الحضور في غيابه. ذكراه حياة...
(عـبـلّـيـن)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليصدر تعليماته لنفسه وزمرته!

featured

﴿..وَالزَّيْتُونِ﴾

featured

الصحافة العبرية قد تكون هي الاسوأ من بين صحافات العالم

featured

نظام بشع يُفقر العمّال

featured

عروسة الثلج "هدى"

featured

ماذا تفعلون بزيتونة مثمرة إذا ما أصابها بعض مرض؟