أسفرت نتائج الانتخابات لبلدية الناصرة عن هزيمة كبرى للجبهة. وكان هنالك مَن نعت الهزيمة بالعاصفة أو الهزة أو الزلزال. قد نختلف على التسميات لا على كونها هزيمة مفصلية أنهت حقبة قديمة وسجلت بداية أخرى جديدة في تاريخ الجبهة وبلدية المدينة. حقبة توجب الجرأة في تحليل ما حصل، وتفرض على الجبهة إعادة بناء – فكريًا، وسياسيًا، ومبنًى تنظيميًا، وتحالفًا، ونهج عمل وممارسة.
اعتراف الجبهة بالهزيمة وبكونها مأزومة، وهذا ما تدل عليه تصريحات العديد من قياداتها وفيض المقالات النقدية المنشورة في صحيفة "الاتحاد"، أمر فضيل ونقطة انطلاق سليمة. لكن النقد الذاتي وحده لا يكفي إن لم تلازمه وتتبعه إجراءات تصحيحية عميقة وجريئة، وإلا ستكون لهزة الهزيمة الكبرى ارتدادات سلبية أخرى.
لا تأتي الهزائم بالصدفة او فجائيًا. وهي ليست نتاجًا لأخطاء صغيرة وعابرة، وإنما حصيلة لتراكم أخطاء وإخفاقات وانحرافات سبقت. تسبق الرعد ومضات برق لم يُعرها قادة شيوعيون وجبهويون الاهتمام الكافي. أصيبَ البعض برأيي بضعف وقصر النظر والتحليل، رؤية ورؤيا. كفّ بعض هؤلاء عن تقديم أجوبة للتحديات الجديدة التي أخذت تواجه شعبنا. وضعفت صلتهم بالناس ميدانيًّا وكذلك التحامهم اليومي القطري والمحلي بقضاياهم وهمومهم. وتخندقوا وراء انجازات الماضي وكأنها هي الجواب على متطلبات الحاضر. وركضوا وراء مكاسب تكتيكية آنية على حساب الاستراتيجية. لم يتجددوا ولم يجددوا، فبأي حق توهموا إذًا أن رصيد انتصاراتهم القديمة سيقودهم إلى انتصارات جديدة في واقع فوّار متغيّر؟ مَن ينام على سرير انتصارات ماضية أسكرته ملقيًا برأسه على وسائد أكاليل الغار، قد يستيقظ ويوقظنا على وخز أشواك العار. واللاعب الذي لا يجيد اللعب ولا يأبه للبطاقات الصفراء التحذيرية، تلو البطاقات، التي أشهرها "الحكَم" امام نظره، ستأتيه حتمًا بطاقة حمراء تلقي به خارج الملعب.
تغيّر شعبنا كمًّا وكيفًا وتركيبة اقتصادية واجتماعية وثقافية، على مدى العقود الثلاثة الماضية. تراجعت جاهزيته وفعاليته الكفاحية السياسية الوطنية والتقدمية اجتماعيًا. ومكان الجماعية النضالية اشرأبت الفردانية والانتهازية وشراء الذمم ومقايضة الولاء بالمال، وأوهام حل القضايا المعيشية الخاصة بفصلها عن القضية العامة لشعب فقير مهمَّش ومحاصَر ومخنوق بالركض القاتل وراء لقمة العيش. من جهة أخرى تزايد عدد وتأثير فئات وسطى من شعبنا، من أصحاب مصالح خاصة ومن كبار موظفين وأصحاب مهن حرّة، أخذت ترى أن من مصلحتها الارتباط بالسلطة الحاكمة في البلاد أو على الأقل الابتعاد عن ارتباطها بالكفاح الجماهيري لشعبها وبطليعته السياسية.
تعددت الأحزاب والحركات الوطنية، وبطلت المقولة القديمة من سبعينيات القرن الماضي: "إما مع الشيوعيين أو مع السلطة العنصرية الحكومية". وانتهت معها منذ ثلاثة عقود إمكانية فوز مرشح الرئاسة وقائمة العضوية للجبهة بغالبية الأصوات في أية انتخابات محلية في البلدات العربية دون تحالفات مع قوائم أهلية أو حزبية أخرى، إلا في الناصرة. وها هي الانتخابات الاخيرة تثبت ان الناصرة لم تعد استثناءً.
ترافق كل ما أوردناه أعلاه مع الارتداد الاجتماعي نحو الهويات الأضيق التفريقية والعصبية، على حساب الهوية القومية الوطنية الواحدة والجامعة. أقصد الدينية والطائفية والحمائلية والعائلية وحتى الحاراتية. وبرزت وتعاظمت جماهيرية تيارات "اسلاموية" لم تتورع عن تطييف الدين وتحزيب الطائفة.
من الطبيعي ان تُلقي كل تلك المتغيرات بظلالها وأثرها على نتائج انتخابات بلدية الناصرة. وأن يزداد تأثيرها طرديًّا أمام عدم وعي الآخرين لسيرورتها أولا، ولوجوب وضع خطة واتخاذ إجراءات لهزيمتها أو على الأقل للحد من آثارها السيئة، ثانيًا. كل شيء كان في تبدل وتغيّر. ولم يكن من شيء ثابت... إلا الحركة، حركة موات القديم ونشوء الجديد. حركة التغيّر والتغيير. لكن وحدها "الجبهة" لم تعِ كما يجب المتغيرات الحاصلة ولم تتغيّر ولم تغيّر بشكلٍ كافٍ، لذا جرى تغييرها. ولا اقول إن هذا التغيير كان للأفضل.
*جدلية الموضوع والذات*
أضيفُ إلى المتغيرات المحلية الموضوعية التي ورد ذكرها سابقًا، متغيرات أخرى خارجية على الصعيد الفلسطيني والصعيد العربي الشرق أوسطي وحتى العالمي، بتأثيراتها المختلفة التي يطالنا رذاذها وأكثر. قوى اليسار العالمي في تراجع واندحار منذ عقود، وكذلك تيارات الفكر القومي والوطني العلماني واليساري والتقدمي. وبالمقابل هنالك صعود للتيارات الإسلاموية.
المد الوطني المحلي والفلسطيني والعربي والعالمي في تراجع ووهن وشرذمة. وهذه هي الفرصة المؤاتية لإسرائيل لرفع عنصرية يهودية الدولة وتنكرها لمستحقات السلام العادل والمساواة لمواطنيها العرب. ولمرافقة هذا من قبلها بتشجيع ودعم ورعاية كل من يتساوق مع مخططها منا نحن الفلسطينيين الباقين في وطنهم لطمس هويتنا القومية الجامعة. لذلك من الظلم والتجني – قد يقول البعض – تحميل الحزب الشيوعي (الجبهة) المسؤولية الذاتية عن الهزيمة الحاصلة محليًا وانتخابيًا في ظل هكذا أوضاع وظروف موضوعية تخلّف الهزيمة.
من الخطأ التنكر لدور وأثر الظروف الموضوعية. وأحيانًا تفرض تلك انتصارها حتى لو لم ترتكب القوى المقاومة لها أية خطيئة ولا حتى خطأً، لا في وعيها ولا في اتخاذ كل الاحتياطات والمواقف السليمة والأدوات الصحيحة لدحرها.
لكن الظروف الموضوعية الاجتماعية، لا الطبيعية – الفيزيائية، تفعل فعلها من خلال الذوات البشرية. وواجب القوى السياسية الطليعية والتقدمية أن لا تعلّق كل أخطائها وهزائمها على مشجب تلك الظروف ولا تنشر غسيلها الوسخ على أحبالها. بل من واجبها أن تسأل ذاتها، ومن واجبنا نحن الشعب ان نسائلها ونحاسبها إن لم تفعل كل ما يجب فعله للتغلب على تلك الظروف أو على الأقل للحد من آثارها السيئة.
عندما ينهض رب البيت من منامه مريضًا وتكون العدوى قد انتقلت لزوجته ولأبنائه على مختلف أجيالهم... من واجبنا ان نسأله: ماذا أكل وأطعم وارتدى وألبس ذاته وأهل بيته في الأمس؟ ولماذا مناعة أجساد – وعقول – أهل البيت واهية وضعيفة إلى هذا الحد، وهل لإغلاق النوافذ والأبواب أثر على رطوبة وعفونة وتسميم الأجواء؟ ولنفرض يا رفاقُ ان نعامة جاءتكم مشتكية انها بينما كانت تدفن رأسها في رمال الصحراء فاجأتها مخلوقات انقضت عليها وأدمت جسدها وكادت تمزقه إربأ. ماذا كنتم ستقولون لها؟ أنا كنت سأقول: ولكن يا "رفيقة" يا نعامة، لماذا دفنتِ رأسك في رمل الصحراء ومنعتِ عن نفسك الرؤية والرؤيا؟!
*للطيور أجنحة وللبشر عقول*
خاضت جبهة الناصرة، منذ انتصارها التاريخي الأول عام 1975، تسع جولات انتخابية للبلدية. انتصرت في ثمانٍ منها وخسرت التاسعة الأخيرة. والموجة التاسعة، حسب الميثولوجيا اليونانية، هي الموجة المهولة الأكثر تدميرًا والتي تسبقها موجات وتيارات جوفية يغفل الربان – القبطان عن رؤيتها واستشفاف ما سيتلوها...
بهذا تكون الجبهة رأست وأدارت البلدية وحدها على مدى 38 سنة متتالية. لم تحدث هذه "العجيبة" الانتخابية في أية بلدة عربية أو يهودية في البلاد إلا في الناصرة. وان كان حدث أمر شبيه له، مثلا في يافة الناصرة، يكون قد حدث بسبب تحالفات الجبهة مع قوى وقوائم أهلية أخرى ضمنت رئاستها وإدارتها.
على الأكثر حدة من نقاد الجبهة، وأنا منهم، أن يكونوا موضوعيين ويعترفوا انه لم يكن بالإمكان أن يحدث هذا لولا خطها السياسي القومي والوطني والتقدمي اجتماعيًا، وحرصها على النسيج الاجتماعي الوحدوي للمدينة، والانجازات الخدماتية والتطويرية لإدارتها للبلدية وأمانتها وعدم فسادها.
حصلت الجبهة في الانتخابات الأولى عام 1975 على 67,3% من الأصوات للرئاسة وعلى 66,7% من الأصوات للعضوية. واستمر حصولها على غالبية مطلقة من الأصوات للرئاسة في كل جولاتها الانتخابية الثماني. كذلك للعضوية ما عدا في جولتي 1998 و 2003.
لكن نسبه أصواتها للرئاسة كانت في تراجع. حصلت، مثلًا، في انتخابات عام 1978 على 62,6%. وعلى 57,5%عام 1989 – وهذه الانتخابات الأولى التي خاضتها الإسلاموية. وعلى 62,5% عام 1993، وهذه آخر انتخابات يخوضها توفيق زياد، إذ توفي عام 1994. وكان حتى زياد، القائد التاريخي والشخصية الشعبية الجماهيرية والخريزماتية قد حصل في عقر "بيته" – حارته وحيّه – التي نشأ فيها وكان اسمه على لسان كل صغار وكبار أهلها على نسبة أصوات اقل من تلك التي حصل عليها في الحي مرشح الرئاسة المغمور للإسلاموية. وحصل رامز جرايسي على 52,4% في أول انتخابات رئاسة يخوضها عام 1998، وفي الثانية عام 2003 على 48,9%، وفي الثالثة عام 2008 على 53,9%. وحصل في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة الأخيرة في آذار 2014 على 38,5% فقط وخسر الرئاسة.
منعًا للاستطراد وللتكرار أرجو من القارئ العودة إلى المقالات الأربعة المنشورة ضمن سلسلة مقالات قرائتي لنتائج الانتخابات الأخيرة – التاسعة. وأذكّر فقط بأن تلك كانت أصعب وأعقد وأغرب وأطول انتخابات تخوضها المدينة عمومًا والجبهة خصوصًا، والأكثرها عنفًا واقتراعًا طائفيًا.
دخلت الجبهة الانتخابات مثقلة بجراحها وشبه مأزومة. إنسحب منها القائم بأعمال رئيسها، علي سلام، ونائب ثانٍ هو محمد عوايسي، وشكلا قائمة منافسة ومعادية للجبهة. كذلك الأمر بالنسبة لقائمة "شباب التغيير" التي كان غالبية قادتها ومؤسسيها أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي والجبهة. وتنافست الجبهة في هذه الانتخابات، ولأول مرة في تاريخها، مع أربعة مرشحي رئاسة.
رغم هذا أسفرت الجولة الاولى للانتخابات بتاريخ 22 تشرين الأول 2013، عن فوز جرايسي بالرئاسة بنسبة 43% من الأصوات وبفارق 9 أصوات فقط لصالحه، وعن خسارة الجبهة لغالبيتها المطلقة في العضوية وحصولها على 8 مقاعد من بين 19 مقعدًا للمجلس البلدي. أي خسرت مقعدين. وهذا طبيعي ومفهوم – واحد لقائمة سلام وآخر لشباب التغيير. لكن جرى فرض جولة ثانية للرئاسة بتاريخ 11 آذار 2014 بقرار من محكمة العدل العليا بعد تدخل فظ من قبل السلطة السياسية والأمنية لليكود.
انسحب في الجولة الثانية ثلاثة مرشحي رئاسة من التنافس وانضموا علنًا وبحماس خاص لحملة تفويز سلام، مع انهم كانوا من نقاده في أمس قريب. المهم إسقاط الجبهة - هكذا التقى وتزاوج القومي مع الإسلاموي (الجنوبي والشمالي خصوصًا) مع المنسحب من الجبهة ومع المتذمرين والمستائين من ممارستها. خسرت الجبهة الانتخابات وفاز سلاّم بنسبة 61,5%. لم يكن بالإمكان أن يحدث عكس ذلك. ولا توجد قوه انتخابية وطنية وعلمانية بإمكانها أن تفوز في ظل هكذا خليط وتجمع واتحاد كل القوى الأخرى، بما فيها الإسلاموية، ضدها.
مرة أخرى بإمكان بعض الجبهويين أن يدّعوا أن الذنب ليس ذنبهم لأنه ليس في الأمر حيلة أمام هكذا واقع موضوعي. ونُجيب مَن يدعي هذا، أن العنوان كان مكتوبا على الجدار ولم تره. هنالك من أغمض عينيه ووضع في أذنيه قطنًا وملأ فاه ماءً، وتجاهل وأساء التقدير لخلل في التفكير ولغياب في وضوح الرؤية.
يقول بعض الجبهويين إنهم فضلوا الموقف المبدئي والأخلاقي، لا حساب ربح وخسارة الأصوات حين رفضوا ابتزازات سلام بضمان إعادة ترشيحه من قبلهم، هذا صحيح لكن يا رفاق أين كانت هذه المبدئية والأخلاق حين زكمت رائحة ممارساته في البلدية والبلد الأنوف في الماضي، وأعدتم ترشيحه حتى على حساب استقالة شيوعيين وجبهويين من صفوفكم احتجاجًا منهم على مواصلتكم احتضانه؟ ولماذا كان يجب أن تصل الاختلافات مع شيوعيي وجبهويي "شباب التغيير" ومع غيرهم من أعضائكم ومؤيديكم السابقين إلى حد الخلافات العدائية والانشقاقات والانسحابات؟ ولماذا وصل الامر بالعديد من المصوتين السابقين لكم الى الامتناع عن التصويت او عن النشاط الداعم لكم، وذلك من باب الرغبة بمعاقبتكم علّكم تنهزمون فتصحون وتصلحون انفسكم وتحسنون تعاملكم؟
بالإمكان طرح المزيد من أسئلة لا تفيد لا التأتأة ولا اللف والدوران في تقديم أجوبه تبريرية وغير مقنعة عليها. فإما أن تنظر الجبهة في مرآة ذاتها وتتخلص بشجاعة من شوائبها، وإما يصيبها ما اصاب طائر المستنقعات الروسي الذي شبّه لينين تصرف بعض القوى الحزبية بغباء تصرفه. تعلق رجلا وذيل الطائر في مستنقع يقف عليه. لكنه بدلًا من أن ينتفض ويحلّق عاليًا، يميل الى اليمين فيعلق أيضا جناحه الأيمن. ثم إلى اليسار فيعلق الأيسر، ثم ينحني برأسه إلى الأمام فيغطس رأسه وكل جسده تحت وحل المستنقع.
"لأمر ماء خُلقت أجنحة للطيور وعقول للبشر"- هذا ما كتبه إميل حبيبي قبل 22 عامًا في ظل أزمة فكرية وتنظيمية عصفت بحزبه الشيوعي. أشرعوا أجنحتكم للطيران ولا تستكينوا لأي قفص فكري وممارساتي يعلبكم. وحلّقوا عاليًا بعقولكم وأفكاركم في الفضاء الرحب نحو آفاق جديدة، وتحرروا من منهج تفكير ونهج عمل معتاد يشدكم نحو الأسفل، وسنرى عندها إن كان "المستنقع" سيقوى عليكم. (يتبع)
