المعلمون المعلمون لا يخبو ألقهم مهما تقادم الزمن.. منهم تفوح روائح المعرفة، وبهم نزداد علمًا وبأسًا وانجازًا ورباطة جأش.. ألم يقل ابن الوردي:
في ازدياد العلم إرغام العِدا
وجمال العلم إصلاح العملْ
تُقاس جدارة المعلم بقدرته على النفاذ إلى عقول وقلوب طلابه.. لقد نفذ معلمنا غطاس إلى أذهاننا لأنه كان مسكونًا بروح البحث والتنقل بين الكتب.. كان الكتاب يشاركه نهاره ويقاسمه سريره.. يغفو ويستيقظ جواره.
تتلمذت على يديه في ثانوية حنا مويس في الرامة وزاملته ما يزيد على العقدين.. على امتدادهما لم يتوقف عن كونه معلمًا موسوعيًا وقدوة تُحتذى.
لا أنسى عام 1970 يوم كنا سوّية في ساحة المدرسة وجاءنا طالب يطلب إذنًا ليترك المدرسة ويُشارك في مسيرة الحزن على رحيل جمال عبد الناصر، ذاك الصرح العربي الذي هوى.. انتهره أبو داود قائلا:
إن كنتَ صادقًا في طلبك فما عليك الا أن تكون صادقًا مع نفسك فأطعها.. وإن كنت كاذبًا فأنت مدسوس، ونحن لا نريد مدسوسين دسّاسين في مدرستنا. امتقع وجه الطالب وغاب عن النظر. هذه الحادثة ذكرت أبا داود يوم كان ابن ستة عشر عامًا في الثاني ثانوي.. يومها كان الطلاب وأولياؤهم على غير ما هم عليه اليوم!
في عام 1936 شهدت فلسطين إضرابًا عامًا شارك فيه طلاب ثانوية عكا، وكان الطالب غطاس يوسف غطاس على رأس طلاب مدرسته متظاهرًا ومندّدًا بالتحيّز البريطاني ضد أهل فلسطين لصالح اليهود!! لقد حاول مدير مدرسة عكا ثنْي الطلاب عن قرارهم في التظاهر، فلم يُصغ له احد. فالطالب غطاس لا يُغريه وعدٌ ولا يُرهبه وعيد وهو الذي ردّد مع زملائه كلمات فخري البارودي:
يا ظلام السجن خيِّم إننا نهوى الظلاما
ليس بعد السجن إلا فخرُ مجدٍ يتسامى.
روى لي طيّب الله ثراه أنه مع زملائه كانوا يستبدلون كلمة (السجن) بكلمة (القبر) منشدين:
يا ظلام القبر خيِّم إننا نهوى الظلاما
ثمّة أشياء تلتصق بالذاكرة لا تبرحها مهما مضت السنون.. عندما زرت المرحوم أبا عايدة الشاعر المناضل داود تركي بعد انضمامه لكوكبة الأسرى المحررين، وجدته حائرًا مرتبكًا وبين الحَيرة والارتباك ذكّرني بجلساتنا في مكتبته الصغيرة في شارع الخوري يوم كانت كريمته عايدة تقدّم لنا أكواب الشاي.. قال لي أبو عايدة متحسّرًا على أيام زمان:
أحلم ان أعود إلى الزنزانة فقبائحنا السياسية والاجتماعية قابضة على الرقاب والأذهان!
بعد هذا الكلام وفي ذاك المساء التقيت في جلسة عائلية أبا داود أستاذي غطاس ورويت له ما سمعته من أبي عايدة، فقال:
الاستقامة والشرف الوطني ثوابت الرجال وهذا ما ملكه المرحوم داود تركي، وأردف سائلا:
ما قيمتنا طلابا ومعلمين إذا لم تتَوِّجْنا هكذا ثوابت!؟
هكذا كان أبو داود يوم تتلمذت على يديه ويوم زاملته.. كان همّه أن يرضعنا حليب المعرفة والاستقامة والشرف الاجتماعي والوطني.. قلبه للوطن وعقله للمعرفة وهواه للمرجع والكتاب، فكيف لا نحبّه.. وكيف ننساه.
