يوم شبت عن الطوق

single

كيف يمكن لمجتمعات استهلاكية، ينخرها نمط الحياة الاستهلاكي بكل أوجهه المختلفة، وتخضع لهذا التفريغ المريع من القضايا الكبرى لمصلحة اهتمامات جزئية استهلاكية عبر هذا الضخ الإعلامي المهول الذي يتوخى تعميم المواد الخفيفة، المسلية، أن تنتج في الآن ذاته هذه الفرق من الشبان الناقمين الذين يجدون في العنف وسيلة من وسائل التعبير عن آرائهم وقناعاتهم، وهو عنف موجه ضد الدولة مثلما هو موجه ضد المجتمع على حد سواء؟

ربما يتعين على الدارس أو الراصد للتطورات داخل المجتمعات العربية، وللحراك الاجتماعي السياسي فيها أن يطرح هذا السؤال الجاد: كيف يتآلف نمط الحياة الاستهلاكي مع هذه الظواهر "العُنفية"؟

سؤال لا بد منه من دون أن ننجر إلى غواية الجواب السريع، الذي يقول إن هذه الظواهر العُنفية ما هي إلا رد فعل على هذا النمط الاستهلاكي من المعيشة، وهذا النضج الإعلامي الواسع الذي يتوخى الخفة ومخاطبة الغرائز . وهو جواب، على ما ينطوي عليه من سرعة، يتضمن مقادير كبيرة من الصحة، لكنه وحده ليس كافيا لتفسير وتأويل ما يجري .

ربما كانت هناك حاجة لتوسيع الفضاء الاجتماعي العام، القادر على استيعاب الطاقات المجتمعية، وبوسعنا تفسير هذا المصطلح لنعني به تحديدا بناء المجتمع المدني العصري، بما فيه من مؤسسات ثقافية ومن ناشطين في الحقول الاجتماعية المختلفة ذات الصلة بالشأن العام .

لقد ظلت دوائر صنع القرار العربي تنظر بعين الوجل والخوف إلى إرهاصات هذا النوع من النشاط، فعملت إما إلى وأدها وهي في المهد عبر مختلف الأساليب الزجرية، وإما إلى احتوائها وتأطيرها في مؤسسات وهياكل خاضعة مباشرة لهيمنة الدولة.

فكان أن غُيّب المجتمع المدني المستقل والفاعل الذي لكي تستحق مؤسساته أن يطلق عليها هذا الوصف عليها ان تؤمّن مسافة ضرورية بينها وبين الدولة، ولأن مثل هذه المسافة لم تتأمن بالصورة المطلوبة، فإن مجتمعا مدنيا حقيقيا لم ينشأ، بوصفه مؤسسات وهياكل وأطرا فاعلة .

لذا نشأت المناخات التي غذت تربة التطرف والتعصب وسيكولوجيا التزمت والميل إلى العنف والكراهية ضد الدولة، وضد المجتمع معا، مما خلق هذه الظواهر العنيفة المقلقة التي نشأت على تخوم وأطراف المؤسسة الرسمية، واشتد عودها بطريقة عجزت فيها هذه المؤسسة عن كبح جماحها أو السيطرة عليها، يوم شبت عن الطوق وشقت لنفسها دروبا خاصة بها .

قد يهمّكم أيضا..
featured

هرتسوغ والوضاعة السياسية

featured

لإسقاط حكومة الكوارث

featured

المخفي أشد هولا مما كشفه ويكيليكس

featured

احقا انتهت الحملة العسكرية ؟

featured

لماذا اختفى الشارع العربي

featured

اليسار اللبناني ومصيدة النسبية - الطائفية في الانتخابات النيابية

featured

مقال "مساهمة في طريق وحدة اليسار في فلسطين " ماذا نستفيد منه نحن؟ في واقعنا الموضوعي