النظرة الشمولية لطب المجتمع وتداخله مع بقية العلوم (1-2)

single

* من أجل الارتقاء من مرحلة علاج الأعراض الى مرحلة علاج الانسان كإنسان *



المرض ليس أمرًا جديدا في حياة الانسان، بل هو قديم قدم الحياة، ولا ريب أن الانسان منذ عصوره الأولى قد اضطر للتعامل مع المرض، وسعى لعمل شيء بخصوصه. وهذا الشيء الذي يستخدم خصيصا لمعالجة المرض او الوقاية منه هو نواة وجوهر ما نسميه اليوم الطب، ولكن الانسان لم تكن له في بداية عهده معرفة بالظواهر والقوانين الطبيعية، الا بالقدر الذي تهديه اليه الفطرة السليمة.
وجاء اكتساب المعرفة تدريجيا من خلال التجربة والتعلم وبفضل التناقل عبر الأجيال المتعاقبة.
ولأن المعارف البشرية كانت محدودة في تلك العصور، فقد كان بوسع المجتهد ان يلم بكل ضروبها، وان يقدم اسهامات في مختلف ميادينها، وان يشتغل بكل صناعاتها وفنونها.
لهذا كان العلم واحدا، وكان منظور العلماء موسوعيا وشموليا، وكان ادراكهم للظواهر المتباينة والمتنافرة ينتظم في اطار النظريات والمعتقدات التي تحاول أن تفسر اصول الكون والحياة.
وعلى ذلك نشأت وترعرعت كل ضروب المعرفة في أحشاء علم الفلسفة او العلوم الأخرى، ولم يكن للطب أن يشذ عن ذلك.
كانت تطلق على المعالجين القدماء وعلى مهنتهم اسماء تشير الى عموم الحكمة. والذي يراجع سِيَر أعلام الطب عبر العصور، يجد انهم اشتغلوا بالفلسفة ومختلف العلوم بجانب اهتماماتهم الطبية، ويلاحظ كيف تأثرت نظرياتهم ومناهج تناولهم لقضايا الصحة والمرض والمداواة بمجمل التراث الفلسفي السائد في عصرهم.
وبما ان الاطار النظري المرجعي لصناعة الطب قد كان في جوهره غيبيا وثنيا فقد جاءت الممارسات العملية (التشخيصية والعلاجية) المترتبة عليه عشوائية ترتمي في متاهات الخرافة والشعوذة والطقوس.
ومن الجانب الآخر، فانه مثلما تعلم الانسان واستخدم العقل فعرف الآلات الحجرية والصيد والنار والزراعة وتربية الحيوانات، كذلك تعلم بالملاحظة والمصادفة والتجربة والخطأ كيف يربط بين الظواهر المرضية خاصة الواضحة منها وبين العوامل التي تسبقها والأخرى التي تعالجها، ومع التراكم المتواصل لهذه المعلومات وفحصها وتمحيصها في واقع الممارسة العملية، ثم مع تناقلها عبر الأجيال عن طريق التلمذة والتدريب والدراسة، تعلم الانسان فنون المعالجة السليمة، والى ذلك ترجع البداية الصحيحة للطب كعلم تجريبي.
* المنجزات الحديثة:
التطور الفائق الذي وصلته العلوم والتكنولوجيا العصرية لا يحتاج الى بيان. ولم يتخلف ركب الطب عن هذه المسيرة.
لم يعد الطبيب معتمدا في تشخيص المرض على الاستنتاجات المبنية على الفحص الخارجي لظاهر البدن. فالوسائل التكنولوجية التشخيصية المختبرية والسريرية المتمثلة بأجهزة القياس الالكتروني، والأشعة والألياف البصرية، والموجات الصوتية، والنظائر المشعة وغيرها، أحالت جسم الانسان ووظائفه الى كتاب مفتوح، يمكن للطبيب ان يقلب صفحاته كيف يشاء، وان يدرس محتوياته بأدق تفاصيلها. وهكذا اتسعت المعرفة بجوهر وتفاصيل الوظائف والعمليات الحيوية في ظروف الصحة وفي حالات المرض.
وأصبح من الممكن التدخل في اتجاهات ومعدلات هذه العمليات. هذه الانتصارات الكبيرة ترتبط كلها تقريبا بالجانب العضوي (البيولوجي) في الانسان. ولذلك لم يكن من الغريب ان يؤدي تسليط هذه الأضواء الى زيادة الحماس والاهتمام والانشغال بالوظائف العضوية الى درجة تجاهل العوامل النفسية والاجتماعية في نشوء الحالات المرضية.
* التخصصات الطبية:
من البديهي ان يكون التخصص في فروع المعرفة ضروريا وموازيا لتطور العلوم. فتراكم المعلومات قد بلغ حدا لم يعد من الممكن معه لأي باحث واحد ان يلم بكل الموضوعات.
وكانت بداية التخصص تأتي غالبا وليدة الصدفة، أو نتيجة اكتشاف، أو ملاحظة تقود الباحث الى الاهتمام بالموضوع المعين ومتابعته، وهكذا يتقلص اهتمامه بغيره من الموضوعات، ويتحول تدريجيا الى ميدان وحيد لمساهماته العملية ومن ثم يتتلمذ عليه باحثون جدد، وتتبلور نواة التخصص العلمي الجديد.
قبل ظهور التخصص كانت العلوم تدور في فلك الفلسفة وتحت مظلتها. وكانت الفلسفة تعطيها البعد النظري الذي يربط بعضها ببعض في اطار مفهوم شمولي للكون ولظواهر الطبيعة.
ولذلك فان استقلال العلوم التجريبية عن الفلسفة، رغم حسناته وضرورته لتطور تلك العلوم، قد أدى الى تضييق النظرة الشمولية لدى أغلب المتخصصين في ميادين العلوم التجريبية، حيث اخذ يضعف ادراك المتخصصين لما تعنيه وحدة الظواهر الطبيعية ومحتوى تفاعلاته الداخلية.
ولأن العلوم والتخصصات قد بدأت تفقد هذا المنظور الشمولي الذي يوحد بينها ويربط بعضها ببعض، فإنها قد أخذت تتباعد عن بعضها وتختلف في تعبيراتها حتى عندما تعالج نفس القضايا المشتركة من زوايا رؤيتها المختلفة.
وهكذا اغترب الطب ليس فقط عن الفلسفة وانما عن العلوم الانسانية الاخرى كالاجتماع والانتروبولوجيا وعلم الاجناس والاقتصاد والتاريخ وغيرها.
ثم ان التطور اللاحق قاد الى مزيد من التخصص داخل فروع الطب نفسها، ثم الى تخصصات داخل التخصصات، وحتى ليبدو غير بعيد ذلك اليوم الذي سيظهر فيه تخصص لكل مرض أو علة على حدة.
وليس المقصود من هذا انكار ايجابيات التخصص كوسيلة لتركيز القدرات ومضاعفة عائداتها، ولكن المقصود مواجهة السلبيات المتمثلة في الميل لدى المتخصصين للاكتفاء بتوجيه جهودهم العلاجية للمرض الذي يظهر على المريض بكامل تداعياتها الحيوية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والروحية.
* تعريف المرض:
بعض المعاجم يكتفي بتعريف الكلمة بمترادفاتها كقولهم المرض هو السقم أو الداء، وبعض آخر يعرِّف الشيء ببيان نقيضه، فيقولون، المرض انتفاء الصحة، وبعض يعرفه بدلالته، المرض ما احتاج صاحبه الى علاج.
ومجمل ذلك ان المرض هو حالة من انتفاء كمال الصحة، بسبب تلف أو نقص أو خلل عضوي أو وظيفي في البدن أو النفس، مما يؤدي الى معاناة ذاتية لصاحبه أو الى قصور في ادائه الحيوي أو العاطفي أو الاجتماعي.
* معنى المرض:
لا ينحصر مفهوم المرض في حدود المسبب أو المثير الذي يمكن ارجاع بداية المرض اليه. فليس الالتهاب الرئوي مثلا مجرد غزو وتكاثر وتسمم من جراثيم ذات اسم معين، وليس مرض السكري مرادفا لنقص افراز الانسولين من البنكرياس وليست نوبة الهستيريا انعكاسا للواقعة الانفعالية التي أدت اليها، وهكذا. وعلى الاطباء التحرر من تأثير مثل هذه الخلفية الفكرية في السلوك العلاجي، وهي في الواقع تكمن وراء الممارسات السريرية الايجازية التي تكتفي بكتابة وصفات: المضاد الحيوي للالتهاب الرئوي، خلاصة الانسولين أو بدائله لمرض السكري، وتطييب الخواطر في حالة الهستيريا.
هذه الوصفات العلاجية المحددة اصبحت في متناول الممارس الطبي بفضل ما وصلت اليه العلوم من تقدم تكنولوجي ولكنها للأسف تبرر قبول مفهوم قاصر لأصل الداء. وذلك ينتهي بنا الى معالجة لا تعدو ان تكون جزئية او مؤقتة.
فالالتهاب الرئوي مثلا ليس مجرد دخول جراثيم الى رئة المريض، فذلك في حد ذاته لا يفسر جميع التغيرات المرضية التي ما كانت لتأخذ صورتها المعروفة لولا وجود مكونات أخرى أهمها ردود الفعل الدفاعية الحيوية التي تتصارع مع الميكروب المهاجم، وتتكون المادة المريضة من حطام كليهما. كما انه معلوم ان أكثر أعراض الالتهاب (السعال، وسرعة التنفس والى حد ما ارتفاع درجة الحرارة) هي عوامل يغلب عليها الدور الدفاعي.
وعلى نفس المنوال يمكن، مع التعديلات الملائمة، تناول مسألة مرض السكري وحالة الهستيريا.
والعيب الآخر للنظرة الضيقة للمرض يكمن في أنها، رغم صحتها العلمية، في حدود ما تذهب اليه، تغفل جوهر الحالة المرضية الذي يتمثل في مجمل التفاعلات الغريزية والمكتسبة، الداخلية والخارجية، العضوية والوظيفية التي تحدث داخل الكائن الحي من جهة، وفي علاقته بالبيئة المادية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية من جهة أخرى.
إن النظرة الشمولية في الطب لا تعتبر المرض مجرد عارض عشوائي او موضعي، وانما تعتبره حلقة من سلسلة حلقات تتداخل وتتفاعل بشكل جدلي وعلى نحو بالغ التعقيد والدلالة. إن نظرة من هذا القبيل هي وحدها القادرة على التصدي للسؤال الكبير، لماذا أصيب هذا الشخص بالذات، بهذا المرض بالذات، في هذا الوقت بالذات بهذه الطريقة بالذات؟.
قد يبدو سؤال من هذا القبيل نظريا وفضوليا وعديم الدلالة. ولكن طرحه قد يكون الفارق الذي يميز معالجة المرض كحدث عن معالجة المريض كإنسان.
* المرجع: الكتاب الطبي الجامعي: طب المجتمع- إعداد نخبة من أساتذة الجامعات في العالم العربي.
(يتبع)



قد يهمّكم أيضا..
featured

المراوغة المباشرة.... والمفاوضات المباشرة

featured

نحن بحاجة لبدائل مؤثرة فعلا

featured

نحو إقامة صروح أكاديمية وتربوية في مجتمعنا العربي

featured

خطر البطالة وخطر الهجرة

featured

لماذا لم تصمد في جولتك الاخيرة مع القدر يا أبا فرح

featured

دور العروس هو المقرر

featured

مرض كرون – CROHNS DISEASE