مظاهرة في تل ابيب، الصيف الماضي
*من يطالب بعدالة اجتماعية في اسرائيل دون أن يتطرق للموضوع الصهيوني الاستعماري العام، فهو كمن يناقش كيفية توزيع غنيمة السطو وليس منع السطو*
انضممت لحركة تدعم البيئة ومناهضة لكل مخربي البيئة وعادة ما يكونون من ذوي الرأسماليات الهائلة وهمهم الأول والأخير هو الربح.
أول اقتراح اقترحته عليهم هو اقتراحات لبدائل للوضع القائم، فاذا كانت مشكلتنا الراهنة، على سبيل المثال لا الحصر، هي كثرة السيارات فأقترح تطوير المواصلات العامة ودعمها وهكذا دواليك.
قوبلت اقتراحاتي برحابة صدر وأخبروني أنني بهذا "أنقذهم" من براثن تهمة الرأسماليين واعلامهم المأجور أنهم عثرة أمام التطور والتقدم وأنهم يريدون ارجاع الجميع الى ما قبل التاريخ، فيتهمونهم أنهم يعارضون السيارات ويريدون ارجاع الناس الى ركوب الحمير.
اذا ما كان اقتراح البديل ملحا في الصراع البيئي فكم بالحري هو ملح جدا وبشكل رهيب في الصراع الطبقي.
ليس البيئي الا مركبا من مركبات صراعنا الطبقي، فهناك الاجتماعي والاقتصادي وطبعا السياسي او ممكن شمل جميعهم تحت عنوان السياسي.
قبل أن أصل لاشكالية غلاء الأسعار لا يمكن مواجهة نتيجة ثانوية وصغيرة دون مواجهة السبب المركزي لتلك النتيجة. ولا يمكن تتبع السبب دون العودة لتسلسل الأحداث التاريخية. بعيد انهيار الكتلة الاشتراكية بدأت العولمة الرأسمالية بالظهور بطرق "ديبلوماسية" أو طرق "ناعمة" نوعا ما. لكنها جوبهت ببسالة من قبل شبان يساريين بمظاهرات سياتل ووقع شهيدا ضد العولمة. بعدها حاولوا تحويل اجتماعهم لمدينة براغ وأيضا فشلوا في مواجهة المظاهرات الى أن وجدوا الحل الذهبي بدولة قطر "الجديدة" بعد انقلاب حمد على والده.
تلك "الديبلوماسية" الناعمة رغم انها حاصرت العراق بشكل وحشي وارتكبت جرائما بشعة في أفريقيا وتدخلت بالبلقان وغيرها من الأمور غير الديبلوماسية ولا الناعمة، لكنها في المحصلة لم ترق لبعض الرأسماليين الأمريكيين وغيرهم مما دفعهم لدفع بوش لسدة الحكم كراعي بقر من تكساس ليحول النهب والاستعمار الاقتصادي بواسطة الاتفاقيات الدولية الموقعة من وراء ظهر الشعوب الى أمر واقع عنيف وهمجي ودموي. كمن يتحول من السرقة في خفية الظلام الى سطو مسلح.
هبوط مركزي التجارة العالمي في بداية فترة بوش (بغض النظر اذا كانت مؤامرة أم لا) لكن الاستعارة والمفارقة لا يمكن تجاهلهما. اذ على اثرها بدأت حملات السطو المسلح على أجزاء من العالم.
بحسب النظريات الاقتصادية "الليبرالية" مما يطلق عليه "تحكم السوق"، سعر السلعة يبدأ من حدها الأدنى من قيمة انتاجها ويتحدد في النهاية صعودا بحسب العرض والطلب، لكن معروف أن هذا الوضع بعيد جدا عن الواقع، اذ أن سعر السلعة لا يتحدد فقط بناء على ذلك، فنحن نعرف أن السلع الحديثة في السوق يكون سعرها أعلى في البداية ثم ينخفض تدريجيا، وذلك لزيادة امكانية جني الربح من قبل المحتكر الذي "يستغل" لهفة الزبائن لتلك السلعة الحديثة ومتى ما خفت رهجتها انخفض سعرها.
أما في الموقف الشيوعي ووفقا لكتاب رأس المال فمن المفروض أن يكون سعر السلعة مرتبطا بقيمتها الفعلية وتكلفة قيمتها الاضافية فقط. (أي قيمة الحد الأدنى بحسب السوق الرأسمالي) كما أنه من المفروض أن تتحدد ضوابط تمنع اغراق السوق ببضاعة سعرها أدنى من قيمتها الفعلية لافلاس المنافسين ومن بعدها كسب الاحتكار.
- من أجل اقتصاد ديمقراطي
أعود لاقتراح البديل، لو أن تلك الشركات المحتكرة الهائلة تحولت من شركات ربحية لأصحاب رأس المال الى شركات ديمقراطية فيها انتخابات لكافة العاملين والموظفين بتلك الشركات، هل سيكون هدف جميع أولئك الناس هو فقط الربح الخالص؟! أم ستكون لديهم أهداف أخرى انسانية أكثر وأكثر حساسية لمستقبل البشرية.
اذا ما تحولت لديمقراطية شفافة هل من الممكن أن يبقى سرا أن السعر يحدد بهدف الربح الخالص لمالك الشركة.
بما أن الوضع القائم يحدده صاحب رأس المال فقط دون غيره، هل ستتأثر الشركات بمظاهرات ضد الغلاء! أشك. هل للحكومات مقولة بهذا الشأن، أشك أكثر (اذ أن النظام الجديد يحدد من تدخلها الاقتصادي، كما أن تحكم رأس المال بالقرار السياسي والاعلام هو هائل).
الاعلام يروج أن الاقتصاد هو أمر معقد جدا لن يفهمه ويستوعبه الا ذوو الياقات الرمادية والأذكياء والذين تتلمذوا على يد نظريات السوق الحر واليد الخفية لذلك السوق. (أدم سميث نفسه ناقض نفسه لأنه اكتشف أن نظريته تتناقض مع المنطق وكافة الاقتصاديين الرأسماليين النيوليبراليين يفهمون أنه لا يمكن الاعتماد على نظريته على أنها تمثل الواقع ومن اسباب عدم تمثيلها الواقع هي الأزمات المتعاقبة والمتتالية للرأسمالية).
الرأسمالية الأمريكية استنجدت بالدولة لتنقذها من ورطتها التي ما زالت مستمرة، وهنا الشعب الأمريكي وارادته اما يمنعها من أخذه لسطو مسلح جديد يدفع ثمنه بدمائه وصحته الجسدية والنفسية أو أن يسمح لها بسحبه لليأس وحالة من الجنون كما حدث بفترة النازية، لكن الأمور على ما يبدو لا تسير في الاتجاه الأخير.
نعود لاسرائيل وهنا أيضا لفهم الواقع الاقتصادي لابد للعودة في الزمن الى ما قبل قيام دولة اسرائيل، دولة اسرائيل هي دولة جديدة في التاريخ الحديث لم تكن من قبل، حتى فلسطين لم تكن الا جزءا من امارة أكبر وأشمل.
بدأت اسرائيل كمستوطنات متفرقة تحاول بناء شكل من أشكال الاعتماد الذاتي وحتى التصدير للزراعة والصناعة وغيرها، العديد من الشواهد تؤكد بشكل لا يترك مجالا للشك أن تلك الزراعات والصناعات لم تكن لتصمد دون الدعم المادي للصهيونية العالمية متمثلة ببعض رأسمالييها الكبار كالبارون روتشيلد، طبعا لا يمكن تجاهل أن العامل والمزارع العربي شكل دعما لوجستيا مهما لتلك الاقتصاديات، ناهيك عن الدعم العسكري المتمثل بالانتداب البريطاني الذي أعطى أفضلية اقتصادية للبضائع الصهيونية على البضائع العربية.
بالرغم من الدعم للعامل والمزارع العربي وقدرته الانتاجية الأفضل، ناهيك عن سرقة الصهيونية لأساليب زراعية تعود للحضارات التي عاشت في هذه المنطقة كالتقطير وقامت ببيعها في العالم على أنها ابتكارها الخاص - الا أن الصهيونية روجت لفكرة (عمل عبري) والهستدروت كممثلة للعمال اليهود فقط وليس للعرب.
سأحاول وضع مثال عملي يومي لعرض الوضع الاقتصادي الحالي لدولة أسبارطة "اسرائيل"، عندما يتخرَّج الشاب أو الفتاة اليهودية من الجيش تواجههم مشكلة ايجاد فرص عمل، كمثال عمال الأمن بالقطارات هم أفضل تلك الحلول وأسهلها، فتجربتهم "القتالية" ومعرفتهم الأمنية سيستخدمونها في مكان عمل "مدني" والميزانية ستكون جزء منها من المسافرين ومن بعض الشركات الاقتصادية التي تستخدم قطارات النقل، لكن الربح الأساسي هو من وزارة الحربية لتأمين القطارت وسائل نقل للجنود وغيرها.
كما هو معلوم فإن الجزء الأكبر من وزارة الحرب الاسرائيلية ممول أمريكيا أو عربيا خليجيا بشكل غير مباشر.
وطبعا فما كان صحيحا قبل النكبة ساري المفعول في أيامنا هذه، الزراعات والصناعات الاسرائيلية لا تصمد الا بسبب الأفضلية العسكرية على الضفة وغزة.
أقتبس مثالا من كتاب حنا أبو حنا فيه يتحدث عن نجاح النصراويين في الحفاظ على شركة باصات الناصرة أمام منافستها ايجد. مقابلها فشلت جماهيرنا في الحفاظ على مصانع ومصالح اقتصادية الأخرى.
في رأيي الاسرائيلييون بشكل عام هم كالذي سأل رفيقا كان يتحدث ضد أمريكا وسياستها في المنطقة، كيف لنا أن نتنازل عن تحالفنا مع أمريكا وهي من تعطينا الأكسوجين.
- التخويف لحماية النظام
أعود لفلسطين التي لم تكن الا جزءا من امارة. أظن أن الصهيونية متنبهة لهذا الموضوع أن فلسطين غير قادرة على الاستقلال الاقتصادي. مثال آخر، جميع تلك الامتيازات الهائلة للبضائع الاسرائيلية في أوروبا وأمريكا، هي أمور لها ثمنها وحسب رأيي إنَّ الاسرائيليين يعرفون ثمنها جيدا وهم يدفعونه بموافقتهم.
طبعا ثمنها هو تطبيق مطامع الغرب الاستعمارية في المنطقة.
حسب رأيي من يطالب بعدالة اجتماعية في اسرائيل دون أن يتطرق للموضوع الصهيوني الاستعماري العام، فهو كمن يناقش كيفية توزيع غنيمة السطو وليس منعه ومحاولة ايجاد طرق ايجابية انتاجية حقيقية على مستوى منطقة أوسع.
لماذا الفقراء في اسرائيل لا يثورون على شيري أريسون كمثال، اذ لا حاجز دين كما في دول أخرى ولا أفيون الجنة ولا تناسخ الأرواح، حسب رأيي هم لا يثورون بسبب حملات التخويف والترهيب للاعلام والمنهاج الصهيوني الذي يغرس فيهم الخوف من الآخر والاستعلاء الى حد الجنون.
فينقلب عليهم المثل القائل وظلم ذوي القربى أرحم من امكانية العيش الكريم مع الجوييم.
دون تفكيك كل تلك التعقيدة، تصبح المظاهرات ضد الغلاء هدرا للطاقات.
فرص العمل للعربي في هذه الدولة محدودة جدا، وفي ظل بطالة الجنود المسرحين تزداد حدة، كل هذا يحولنا الى مجتمع يستصعب أية مواجهة اقتصادية، وذلك ظهر واضحا بعيد هبة الأقصى، التي بعدها توقفت أي احتجاجات أخرى رغم أن لهيب الانتفاضة الثانية لم يخبُ الا بعد مرور عدة سنوات، هل التذمرات الاقتصادية الهائلة التي سمعت أخبت الشعلة؟
ناهيك عن الاضرابات في تلك الذكرى الوطنية أو أخرى هل أثرت أو تؤثر على الاقتصاد الاسرائيلي العام؟ يمكن أن يقال أن الاضراب يكون محليا لكن لو توسع هل من الممكن فعلا أن يؤثر؟ واذا ما أثر هل ستكون ردة الفعل الاسرائيلية موجعة كردة الفعل على هبة أكتوبر.
لا أجوبة بحوزتي لكل تلك الأمور، لكن بحوزتي مقولة واحدة أن استهلاكيتنا في السوق الاسرائيلية تتعدى حجمنا، فهل فعلا المظاهرة يجب أن تكون ضد الغلاء أم طرح بدائل وطرق عمل مؤثرة فعلا.
