اعتاد المغرضون من كارهي العرب تصوير العربي بأنه مخلوق ذو ذيل يسكن الخيام، حياته تقوم على النهب والسلب، يحمل أفكارا قبلية، تتدفق في عروقه الجاهلية، يعيش مع الإبل في البوادي، مشغول بالقتل والإجرام، يحترف وأد النساء والبنات ذودًا عن الشرف، وأضافوا من وقت ليس ببعيد أنه شيخ تفوح منه رائحة النفط والدولارات ويختبئ في جلبابه زير نساء.
قد ينطبق هذا الدس ببعض أوصافه على فردٍ أو حفنةٍ من الاعاريب، أما إلصاق هذه القبائح وكأنها واقع يحتكره العرب ويميّزهم دون غيرهم فأمر غريب عجيب معيب، فلدى العرب ولدت الشهامة والكرم والكرامة ومن أذهان رجال بواديهم أطلت الحضارة ومن كتاتيبهم ومدارسهم ومعاهدهم تخرّج العظماء وأثرت معرفتهم حياة الناس من كل الأجناس في الماضي البعيد وفي الحاضر القريب.. لأجل هذا كله نحن قومٌ تستحقنا الحياة، ولا نقبل أن يسحقنا أحد بفعل آثم أو بفكر قاتم.
من عادتي أن أطلب من حفيدتي (مايا) ابنة الصف الثالث – وهذه فعالية أمارسها مع كل الأحفاد – أن تقرأ عناوين الجريدة التي يأتيني عبَقها وعلْقمها كلّ صباح، وكم أنتشي وأنا اسمع الصوت الطفوليّ يقرأ بعيدًا عن التلعثم والتأتأة عنوانين أو ثلاثة من كلّ صفحة وصفحة.. قراءة العناوين في البيت أراها فعالية بيتية لتدريب الأبناء على لفظ الحروف وإتقان مخارجها، إضافة إلى إثراء أذهانهم في تعزيز مهارة فهم المقروء. أثناء التمرين مع الحفيدة الحبيبة لفت انتباهي خطأها عندما قرأت كلمة (مستوطنين) وقالت (مستوطين)، وبعد تنبيهها أنها نسيت حرف (النون) بعد (الطاء)، توقفتُ مفكرًا بهفوة الحفيدة لأجد أنّ إسقاط النون فيه الكثير من الصواب.. فالمستوطنون هم مستوطون، وهذه من الفعل الفصيح (استوطأ) فنقول:
استوطأ الشيء أي وجده وطيئًا..
هكذا يتعامل المستوطن في بلادنا مع الأرض وأصحابها.. هكذا يتعاملون مع المؤمنين ودور العبادة.. لقد أمستِ الأرض وأصحابها مواطئ أقدامهم!!
إن كان لنا أن نصف المستوطنين من خلال قبائحهم لن نحذو حذو المغرضين المذكورين في مستهل هذه المقالة.. نحن لا نكره المستوطنين لأنهم يهود بل لأنهم يستوطئون الحجر والبشر في محيط جيرانهم، أهلنا الفلسطينيين.. يلبسون أزياء الدين ويقتلعون وينهبون وينحرون ويحرقون المعابد ويقولون إنهم متدينون..
بئس هكذا تديّن!
ما أقبح العنصرية في كل زمان ومكان! في أدبيات وأخلاق الحديث النبوي الشريف أحفظ عن خاتم المرسلين قولا جليلا:
"حين يخرج الرجل من بيته إلى مسجده فرِجلٌ تكتب حسنة ورِجل تمحو سيئة".
هل ينسحب هذا الكلام على حارقي ومدمري الكنائس والمساجد في شرقنا الذبيح؟!
