أرض الزيتون

single

بقيتُ لسنوات طويلة متعجّبًا بنوع من الاستنكار الخفيف لردّة فعل أمي حين انسكبَ وعاء الزيت وقد انزلق من بين أصابعي الصغيرة. وعاء أزرق أسطواني عريض وقصير، لعب في ماضي أيامه دور علبة سَمنة، كما أعتقد.
كان يجلس على صحن أبيض واسع مقعر قليلا تتجمع فيه نقاط الزيت المنسابة على حوافه، كلما فاض سخاؤه على طبخة أو مقلى أو عجنة أو حتى صحن لبنة. لا ادري لماذا رفعته يومها بعَجَلة الندامة، من وسط الخزانة الخشبية المدهونة بالأخضر الفاتح، دون صحنه.. فما إن استدرت حتى انزلق فتجمّعت عند قدميّ بركة لزجة.
كطفل يتمتع ببعض الاستقلال والمسؤولية، تناولت الممسحة لتنظيف المسطبة ولكن كلما زدتها مسحًا زادتني فشلا.. اتّسعت البقعة، ولم يكن مناص من مناداة أمي. وحالما جاءت رأيتُ وجهها يبهت وكلماتها تتلعثم "زيت، مش حرام..".
شعرت بالاستياء. ما معنى حرام على طاسة زيت؟ كم تكلف أصلا؟ ثم أن لدينا من الزيت ومن شجر الزيتون ما يكفينا "وزيادة"، فلماذا هذا البُخل؟
ستمرّ سنوات قبل أن يدرك وعيي أن المسألة مختلفة تماما. لا علاقة للثمن، بل هناك ما يشبه القداسة. ومرة أخرى تملكني السخط: قداسة؟ ما هذا، نحن علمانيون فكيف نقدّس شجرة؟
لم تجد الأحجية حلاً لها، حتى رأيت تلك الصورة التي ستنطبع للأبد في ذهني رغم أنها أثارت لديّ في البداية تساؤلات مؤرقة في المعدة..
كنت واقفًا ليلاً مع أهلي في "الببّور"، المعصرة، بانتظار دورنا لعصر زيتوننا. رحت  أحدّق في الحركة النشطة وفجأة بدأ السائل الكثيف ينسكب من الماسورة، وإذ بشيخ بعمامة بيضاء يتقدم بطيئا ولكن بهمّة نشطة وهو يُخرج رغيفا من جيب قمبازه ليقطع به الخيط الكثيف النازل ويتناول لقمة كبيرة سال منها الزيت على شاربيه وخدّيه.. تجمدتُ مستغربًا: ألا يخجل من أن يأكل هكذا.. لماذا يفعلها أمام الناس.. وكيف يستطيع أصلا أن يتحمّل طعم الزيت الجديد الحارق وبهذه الكمية الهائلة، دون لبنة أو زعتر؟
أحاول حتى اليوم استعادة ملامح وجه هذا الشيخ فلا أنجح. لكن كلما عادت إليّ حركة يده المغموسة في الزيت المنهمر، أبتسم ويرتعش صدري وأشعر بامتنان غامض على أنني أحمل هذه الذكرى فيّ. لقد صرت أفهم القداسة، حين تكون قداسة وطن.
هذه الصور والملامح والأصوات والروائح الجميلة تحتشد كلّها مرّة واحدة منذرة بالانفجار، في كل مرّة تستشهد شجرات زيتون في بلدة فلسطينية صابرة صامدة حين يقتحمها أوباشٌ جبناء لا يعرفون للزيتون معنى، ولا لأرض الزيتون، ولا لوطن الزيتون!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الوطن أغلى من الولد

featured

إذا خفت لا تقل وإذا قلت لا تخف

featured

خطوة اضافية نحو سبتمبر

featured

غولية المرشقة!

featured

الـمُتَنَطِّعُون في الإرهاب!