الوطن أغلى من الولد

single

مقاومون في ثورة عام 1936 (صورة توضيحية)




عشق فايز الأرض عشقه لزوجته وأولاده، غمر الزوجة والأولاد بالحب والحنان والعاطفة، وأعطى الأرض الاهتمام، والعناية. ومن الأرض الوعرة اقتلع القندول، والسريس، والبلان، وزرع اشتال الزيتون، والتين والكرمة وفي ارض السهل، اكثر من حرثها، وعزقها وزرع الحنطة والبطيخ والقثاء والسمسم، نكش الأرض وازال الينبوت والعاقول والنجيل. وكان يردد دائما امام جلسائه ومعارفه الأرض هي الوطن من ليس له ارض ليس له وطن.
كان صباح جميل في ذلك اليوم دخل الحقل ومشى يتفقد الخضرة التي زرعها في ارض السهل فغمرته الفرحة عندما شاهد ان ما زرعه اخذ يؤتي أُكله فراح يقطف باكورة ثمر تعبه. من القثاء والبامية واللوبية والكوسا والبندورة. ملأ القرطلة (السلة) المجدولة من عيدان السريس الطرية. ازداد فرحه عندما دخل المقثاة ورأى بيوت البطيخ الخضراء اليانعة تسبح بحريّة جهة الشرق هربا من عدوانية الريح الغربية تضاحك اوراقها قطرات الندى وتغازلها وهي ترتشف منها كمن يرتشف قهوة الصباح بعذوبة وانتعاش ومع اشعة شمس الصباح الهابطة من الأوراق كانت قطرات الندى تزهو وتبرق ككرات من البلور في يوم صافٍ من أيام الصيف. وانفرجت اساريره مرة أخرى وهو يشاهد مارس القمح الممتد المجاور للمقثاة علا فيه القمح وصار يغطي فرس الخيال بسنابله التي تشرئب لتعانق السماء على قامات منتصبة. تتماوج مع نسمات الريح في بحر من الذهب الأصفر.
اسرج فرسه ويمم شطر القرية وفي طريقه الى القرية سرح خياله بما يتناقله الناس من مظالم الجيش البريطاني ووسائل القمع وطرق التعذيب التي يمارسها ضد رجال الثورة والمجاهدين، واستذكر حديث الناس الذي يرددونه عن بطولات الثلاثة ابطال أبناء فلسطين محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي انقطع حبل أفكاره عندما تناهى لسمعه عند وصوله مركز القرية صراخا وضجيجا ترجل ولف عنان فرسه على عنقها وهرول نحو مصدر الصراخ.. انفطر قلبه وانشق كبده وفرّت الدموع من عينيه من هول ما شاهده من مشهد مروع طابور من الثوار المجاهدين جيء بهم من عدد من القرى اصطفوا حفاة وشبه عراة حاسري الرأس مكبلي اليدين مقيدي الرجلين يحيط بهم صفان من الجنود الانجليز بكامل اعدتهم من بنادق وهراوات وسياط يرغمونهم على الدوس على الواح الصبار التي فرشت في ارض الساحة وضربات السياط تهوي على أجسادهم فتسيل الدماء من اجسادم وتنهمر من ارجلهم، لتصبغ الواح الصبار الخضراء باللون الأحمر القاني.
انتفض فايز المعروف بشهامته واستقامته وثار وغضب وكظم غيظه والناس لا حول لهم ولا قوة سوى البكاء والعويل والصراخ، غلى الدم في عروقه وارتفع منسوب احاسيسه وتدفقت سيول الحقد في عروقه وانهمرت ينابيع الغضب في احشائه فخامرته رغبة جامحة في الثأر للثوار والانتقام من المحتل البريطاني ورأى لا سبيل لذلك الا الانضمام لتنظيم الثوار فاقسم في قرارة نفسه الانخراط في صفوف الثوار والمجاهدين.
انتهت المسرحية التراجيدية في ارض المراح. وعاد الى البيت واجما، متألما متكدر الوجه، قاطب الجبين. عاقد الحاجبين. وآثار الدموع في عينيه.
سألته زوجته – شو السيرة يا فايز، كنو المقثاة مش نافعة - فهز رأسه وقال يا ريت كل الزرع- فافضى لها بما شاهده وكاشفها عن رغبته الجامحة بالانضمام لتنظيم الثوار وما يجول بخاطره. والقسم الذي اقسمه. والقرار الذي اتخذه ولا رجعة فيه. لطمت على خديها – وأشارت بيدها نحو الأولاد كالاشبال من حولها. يتداعبون ويتعاركون فرد عليها لهم رب يحميهم، الوطن اغلى من الأولاد ومن كل شيء.
كان يسوق حماره عائدا من طاحونة وادي سلامة، صعد التلة ودخل ارض السهل من الجهة الشرقية، كانت الشمس تهوي نحو المغيب. والقت باشعتها المتدلية على الأرض- فأغشت عينيه لمح فرسا وحركة تحت خروبة ضخمة وباسقة. دهمته الهواجس، وطغى عليه توجس، وتشعبت الوساوس. وانهمرت الشكوك والظنون. ان قاطع طريق يكمن تحت الخروبة. يترصد الماره ليكيد كيده ويسطو عليهم. امتشق عصاه. ووضعها على كتفه وقال في نفسه الموت ولا المذلة. اقترب من الخروبة زالت اشعة الشمس حدق النظر فشاهد... من الرجال عرف منهم مجاهدا من قريته وآخر من دير حنا فتوسم خيرا وانفرجت اساريره. حط رحاله. يتجاذبون اطراف الحديث عرف انهم عادوا للتو من معركة مع الجيش البريطاني في فراضية، اختلى بابن قريته المجاهد. واعلن انضمامه لصفوف الثوار.
خيم الليل، ونهضوا وسار كل الى معقله تابع سيره الى القرية بحالة من الغبطه والسرور وجداول أحلامه وروافده تنساب في عروقه من اجل تحرير الوطن من براثن المحتل البريطاني.
كان يوم خريفي وفي ضحى ذلك اليوم امتطى صهوة فرسه. وتقلد بندقيته، ونظر الى زوجته واطال النظر من غير عادة ومن غير المألوف فقرأت ما كان يجيش في داخله من احاسيس وما اضمره من كلام.
فقالت ربنا يحميك، ويسهل دربك، ويعيدك لنا سالما. ما تخفش على الأولاد رايحة أكون عند حسن ظنك. وانهمرت الدموع من عينيها كانت احاسيسهما جياشة وصادقة. كانت نظرته لها وللاولاد نظرة الوداع الأخير.
غادرت ثلة من الثوار القرية في طريقها الى صفورية للانضواء تحت قيادة القائد الكبير أبو إبراهيم- وفي طريقهم الى صفورية وفي موقع رأس التين القريب من القرية. ومن جبل مقلس، والطويل المشرفين على القرية. انقضت عليهم طائرة للجيش البريطاني امطرتهم من رشاشاتها بوابل من الرصاص شاء القدر ان يكون حظه عاثرا تصيبه رصاصات القدر فارتقى شهيدا. دفاعا عن الأرض والوطن. ولا زالت ذكراه خالدة يتناقل الناس الشرفاء حكايتهم الوطنية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ما بين الجُرح والدّمعة

featured

عبيد السّلطة

featured

خلف السحب سماء زرقاء صافية

featured

فضائح نتنياهو تجد مأمنها على قافلة الفاشية والعدائية لايران

featured

فاروق الشرع يخرج عن صمته: الحسم العسكــري وهم... والحلّ بتسوية تاريخيّة

featured

هذا ما أكده نتنياهو: التسوية العادلة ليست خيارنا الاستراتيجي!!

featured

باراك، حصان طروادة اقتحم "العمل" لتنفيذ أجندة عسكرية