في الخامس والعشرين من شهر تشرين الثاني المنصرم، ألقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو خطابا، روّجت له وسائل الإعلام السلطوية والمدجّنة في خدمة السياسة العدوانية الإسرائيلية، بأنه "قنبلة سياسية" إذ أنه أعلن عن وقف مؤقت للاستيطان لمدة عشرة أشهر، "كبادرة حسن نية" لتحريك العملية التفاوضية مع الفلسطينيين، وإخراجها من هاوية ركود يهدد بالانفجار. وقد دعا في خطابه السلطة الفلسطينية إلى استئناف التفاوض بشرط ان يكون التفاوض على دولة منزوعة السلاح، وأن يعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي أينما كان، يعني "كفّك على الضيعة بالنسبة لحق العودة للفلسطينيين والحق في الوطن للمواطنين العرب من الأقلية القومية العربية الفلسطينية في إسرائيل". خطاب تعكس بنود مؤشراته الأساسية، ومدلولاتها السياسية، بأن التسوية السياسية العادلة ليست الخيار الاستراتيجي لحكومة الاحتلال والاستيطان اليمينية المتطرفة. إذا، وبناء على ذلك، ماذا يعكس هذا الخطاب؟ وما هي الحاجة الملحّة لهذه " الهيصة والزمبليطة" الإسرائيلية - الأمريكية التي رافقت الخطاب إعلاميا؟!
* مؤشرات ودلائل بارزة: يمكن التركيز على المؤشرات والدلائل التالية التي تعكس عمليا المدلول الحقيقي لسياسة الرفض الإسرائيلية المدعومة أمريكيا.
أولا: إن مضمون ما جاء في خطاب نتنياهو، جاء نتيجة تنسيق المواقف مع إدارة أوباما، ومع مستشاريه، ومع موفده إلى الشرق الأوسط، جورج ميتشل، ولهذا ليس من وليد الصدفة، أن يدلي جورج ميتشل ببيان عبر التلفزيون ووسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية، بعد خطاب نتنياهو، ينسجم فيه موقف ميتشل مع موقف حكومة إسرائيل بزعامة نتنياهو، في موضوع الاستيطان، وليجزل الثناء والتهليل لموقف نتنياهو، فكلا الطرفين، الأمريكي والإسرائيلي في زنقة وأزمة سياسية، بسبب توقف العملية السياسية من جرّاء الرفض الإسرائيلي.
الرئيس أوباما فشل بما وعد به بدفع عجلة التسوية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية. فحسب ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، يوم 29/11/2009 ، "أن على الرئيس الأمريكي أوباما تقع مسؤولية كبيرة في فشل إحياء التفاوض بين إسرائيل وبين الفلسطينيين. فقد تبخّر وعد الرئيس بمبادرة السلام" !! كما أن إدارة أوباما وحكومة الاحتلال والاستيطان الإسرائيلية تخشيان أن ينفذ الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قراره بعدم ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة في الخامس عشر من كانون الثاني/ يناير ألفين وعشرة، وأن يؤدي هذا الأمر إلى فوضى عارمة وإلى أوضاع حبلى بالمخاطر الجدية. ولهذا فإن نتنياهو في خطابه عرض حزمة من المعروضات والاقتراحات التي لن تجد أي فلسطيني في م.ت.ف. أو في السلطة الفلسطينية أو في الشارع السياسي والجماهيري، يمكن أن يوافق عليها، خطاب يطالب الفلسطينيين بالموافقة على التفريط والتنازل عن ثوابت أساسية من حقوقهم الوطنية ، من السيادة على أجزاء واسعة من المناطق الفلسطينية المحتلة.
ثانيا: إن نتنياهو لم يطرح في خطابه تجميد الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة بل إرجاء البناء لمرة واحدة، ومؤقتا، ومن ثم استئناف العملية الاستيطانية الكولونيالية بشكل أوسع، بعد انتهاء العشرة أشهر من التجميد الوهمي، إضافة إلى ذلك، فإن الحديث يدور ليس عن تجميد جميع أشكال الاستيطان، بل عن تجميد انتقائي، يستثني القدس الشرقية حيث يتواصل فيها الاستيطان، وتضييق الخناق المعيشي، وهدم البيوت، والتطهير العرقي ضد أهلها الفلسطينيين، بهدف تهويدها نهائيا، لتصبح " أورشليم الكبرى" عاصمة الدولة اليهودية" الأبدية، كما يستثنى من القرار أكثر من (3500) شقة سكنية، بادعاء أنها في طور البناء ، وكذلك الأبنية العامة، من نوادٍ ومدارس وكنس وروضات أطفال، كما أن تأييد أشد أنصار الاستيطان والتطرف اليميني، والتمسك بأرض إسرائيل الكبرى، أمثال بيني بيغن ويعلون وليبرمان ويشاي وكاتس، لما جاء في خطاب نتنياهو وتزويده "بالدعم الأيديولوجي والأمني" ليس من منطلق أنهم يؤيدون ويدعمون تجميد أو إرجاء البناء في أي بؤرة استيطانية، بل انطلاقا من قناعتهم أن الفلسطينيين سيرفضون مقترحات حكومة نتنياهو اليمينية. بيني بيغن يعلّق على تصويته على مشروع الإرجاء بقوله "هل يؤمن أحد أنه في العشرة أشهر المقبلة لن نرى الجرافات في الأرض؟ وان لا تعمل التراكتورات بنشاط؟ وماذا مع وحدات السكن التي شُرع ببنائها، والمؤسسات العامة والكنس التي سيتواصل بناؤها" !!
لقد صدقت المحررة في ملحق الجمعة " يديعوت أحرونوت، 27/11/2009 ، سيما كدمون، عندما كتبت مؤكدة، "بأن بيغن ويعلون وليبرمان ويشاي وباقي وزراء الليكود اليمينيين يدركون جيدا أن المشروع غير جدي، نتنياهو قال! وماذا لو قال؟ إذا كان هذا يهدئ من روع الرئيس الأمريكي ويرى فيه قصدا لتحريك العملية السياسية، فهذا تمام. إذا قوبل هذا في العالم كقرار سياسي ناجع جدا، اتخذته الحكومة، فهو يستحق الانتقاد. ولكن هذه الحكومة ستنسفه لاحقا، كيف يمكن تجميد الاستيطان، إن لم يجمّد البناء؟"!! وهذا يؤكد أن خطاب نتنياهو وما تضمنه ليس إلا موقفا تكتيكيا، لتضليل الرأي العام العالمي والإسرائيلي والأمريكي،إن حكومة الاحتلال والاستيطان اليمينية ليست حكومة رفض ومعادية للتسوية السياسية ، بل هي تبادر لكسر الجليد، بهدف استئناف التفاوض مع الفلسطينيين.
ثالثا: إن رفض حكومة نتنياهو التجميد الكلي للاستيطان قد شجع غلاة التطرف اليميني من المستوطنين، وخاصة قطعان هئيحود هلئومي وعصابات وأيتام كهانا من زعران الفاشية العنصرية ورؤساء المستوطنات والربانيم اليمينيين العنصريين المتطرفين ، قد شجعهم على العربدة والبلطجة ضد أي إرجاء للبناء الاستيطاني وبلورة برنامج عدواني لتسريع وتوسيع البناء الاستيطاني . فكما ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم الجمعة 27/11/2009 فقد أقيم طاقم نشاط من منظمات اليمين المتطرف بهدف عرقلة وإفشال خطّة نتنياهو للبناء الاستيطاني وطرح برنامج بناء آلاف الغرف السكنية عن طريق إغلاق الشرفات ( البرندات) مشروع موازٍ للبؤر الاستيطانية الهشّة والهامشية القائمة، بناء مدارس للعمال اليهود في مجال البناء وبهدف الاستغناء عن العمال العرب الفلسطينيين، ومرمرة حياة الفلسطينيين بمراقبة البناء الفلسطيني "غير المرخص" وملاحقة الأمر في المحاكم. وأطلق هؤلاء على برنامجهم اسم " الحرب ضد التجميد" !! كما قرروا إقامة " طاقم حريدي" من اليهود المتزمتين دينيا واليمين لتجنيد جيش من الحريديم ضد التجميد، وتنظيم فرق حراسة احتجاجية أمام بيوت الوزراء المؤيدين للتجميد " الذين يشاركون في جريمة خنق الاستيطان" كما جاء في بيان هذه العصابة. كما قرروا مرمرة حياة المراقبين المسؤولين عن تنفيذ قرار الحكومة بتجميد الاستيطان. وعلى رأي أحد المسؤولين عن طاقم المستوطنين العنصريين الفاشيين ايتمار بن جبير " سنجعل نتنياهو يتأسف على اللحظة التي أعلن فيها عن التجميد. بدلا من الخنق ستكون انطلاقة تجعل نتنياهو يقطر خجلا أمام باراك أوباما" !
وفي هذا السياق فإنه من الأهمية بمكان أن نتنياهو والعديد من وزرائه لا يقلّون تطرفا ودعما للاستيطان من عصابة بن جبير ومارزل وغيرهم من مجرمي الاستيطان . ونتنياهو يستفيد عمليا من غوغائية ونشاط ودعاية عصابات المستوطنين و"معارضتهم" لخطته الانتقائية في مجال الاستيطان. فنتنياهو يستغل هذه المعارضة غير الجدية في السمسرة السياسية الدولية لإثبات كم يواجه هو وحكومته من صعوبات في المجال الاستيطاني، ولهذا فما قدمه للفلسطينيين من "تنازلات" هو أكثر ما يمكن تقديمه!! وبالطبع لا يغيب عن بال رئيس حكومة الاحتلال والاستيطان ان احتلاله واستيطانه غير شرعي ويناقض القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وانه لا استئناف للمفاوضات بدون وقف جميع أشكال الاستيطان، ولا تسوية سياسية عادلة بدون زوال الاحتلال الإسرائيلي ودنسه الاستيطاني والانسحاب من جميع المناطق الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967 ، وبتجسيد الحق الفلسطيني في الدولة والقدس والعودة وإطلاق سراح المعتقلين والأسرى.
رابعا: إن استثناء القدس والكتل الاستيطانية من قرار "التجميد" يدل أن حكومة إسرائيل تخطط لفرض الشروط المسبقة والاملاءات التي تنتقص من ثوابت الحق الفلسطيني، في السيادة على القدس والغور وحيث الكتل الاستيطانية الكبيرة ومنطقة البحر الميت. ويتكرم نتنياهو بالسماح للفلسطينيين بالدخول والصلاة في الأماكن المقدسة، الإسلامية والمسيحية، المطوّقة بجنود الاحتلال وبقطعان المستوطنين. ويشترط نتنياهو للاعتراف بتسوية على أساس الدولتين بأن يعترف الفلسطينيون بيهودية دولة إسرائيل. مدلول هذا الشرط ، هو سجود الفلسطيني في محراب الأيديولوجية الصهيونية، متنازلا عن قرار الأمم المتحدة 194 الذي يقر بحق عودة اللاجئين، ومعترفا بالمشروع الترانسفيري ضد الأقلية القومية الاصلانية، العرب الفلسطينيين في إسرائيل. وذلك ليتحقق لمشروع الصهيوني التوازن الديموغرافي.
من هذه المعطيات يستدل أن حكومة نتنياهو لا تعمل على إيجاد ظروف وبيئة ملائمة لاستئناف المفاوضات، وهذه السياسة تحمل في طيّاتها المخاطر وتهدد بالانفجار المأساوي.
فمواجهة هذه السياسة تتطلب، كما طالبنا دائما، أن تتمسك القيادة الفلسطينية بالثوابت الوطنية، والإسراع بتجاوز الانقسام، وإعادة اللحمة إلى وحدة الصف الكفاحي، والتوجه إلى تعبئة الشارع الجماهيري، ليصب في استراتيجية التحرر الوطني والسياسي، كما يتطلب الظرف العمل على تفعيل العمق العربي المعطل من خلال الجامعة العربية وتفعيل الضغط على الإدارة الأمريكية. وفي هذا السياق فان لجولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الدول العربية والأوربية وفي دول أمريكا الجنوبية، أهمية سياسية لحشد الدعم للحق الفلسطيني.
كما ان لقوى السلام والدمقراطية اليهودية والعربية في إسرائيل دورا أساسيا في هذه الأحداث، لكن للأسف ما زال هذا الدور يعاني من الضعف والوهن، والحاجة تتطلب رفع مستواه الكفاحي لجذب الجماهير العربية واليهودية إليه، فإحلال السلام على أسس الشرعية الدولية من مصلحة شعبنا وكل شعوب العالم.
